الرئيسية / العدد الحادي عشر / الشعرية الغنائية عند محمود درويش

الشعرية الغنائية عند محمود درويش

الشعرية الغنائية

رشيد الخديري/المغرب

عند قراءتي لشعر محمود درويش، كل مرة، أحاصر بحزمة من الأسئلة، وكل مرة أيضا أحاول تكسير جدار الزمن، واحتمالات الفشل في قراءة متنه الشعري، ربما لأن محمود درويش يشكل لوحده قارة شعرية، شاسعة الجغرافيا، ممتدة في جذور الشعرية العربية، إنها تجربة تتغذى على الكوني والمطلق، داخل مسافات من الجمال والإخلاص للوطن، للشعر نفسه، للشاعر ذاته، ولنا نحن جميعا في آن، ولعلها لحظة من لحظات الإنفلاث من حصار المادة، والغوص عميقا في تجربة يراد لها دوما التوقف، ثم الانطلاق من جديد نحو سياقات معرفية وجمالية أخرى، فالناظر في شعر محمود درويش، سيرى تلك” الطاقة الانفجارية التوليدية”، التي تتسم بها، بؤر التعبير الشعري لديه، انطلاقا من نمو القصيدة وشحنها بكل الإحتملات، والمفاجآت نحو رسم الملامح والخطوط وخصوصيات الكتابة داخل مناخ شعري عربي متغير ومتحول باستمرار.

إن الحديث عن التحولات، في مسار محمود نابع من مراحل مفصلية، بدءا بالطابع الاحتجاجي ، الملتزم بقضية فلسطين، وما راكمه الشاعر من أعمال شعرية، تصب في جوهرها ، فالراهن الفلسطيني، نعني بذلك ارتباط القصيدة بما هو قومي، أي الالتزام الشعري تجاه قضية تشكل الرافد الأساسي للرؤيا الشعرية عند محمود درويش، فعلا ،كما يحدثنا الكثير من النقاد الذين درسوا شعره، أن ثمة تحولات طرأت على الخطاب الشعري وبنياته التعبيرية دون التخلي عن الجذر العربي، الذي يمده بقوى التجدد والحياة والتوهج، لكن المدهش في هذه التجربة هو انعطافها وبحثها الدؤوب عن تشكيلات شعرية متجددة، ومنبعثة من رحم الشعرية العربية، إنه شاعر يعرف من أين تأكل باذنجانة الشعر؟ ولعله على يقين تام أن القصيدة تظل غير مكتملة، طالما لم تصل بعد إلى مقام المثال الشعري الذي يصبو إليه كل شاعر، موهوب، بيد أن محمود انفتح على مشروع شعري دائم، التحرك ضمن سيرورة شعرية ، يتصادى فيه الزمن بين الماضي والحاضر، فعاش وقتا مع شعر المتنبي، وقرأ متن الشعر الحداثي الكوني مع نزار قباني وغارسيا لوركا، وناظم حكمت، الأكثر أثرا على رؤيته الفنية، ثم شعر إبراهيم طوقان، وصولا إلى عزالدين المناصرة ومريد البرغوثي، وقد عبر مرارا عن ذلك الشاعر نفسه، حين قال” خذ من الجميع الذين، سبقوك، والذين يعاصرونك، والذين سيولدون…. ولكن، كن ” أنت””، وهذا هو المطلوب في الشاعر، المتجدد، أن يكون خليطا من الكينونة، ستكون كائنا، ناقصا، إذا كنت وحدك، وإذا كنت” هم” ستكون تابعا، فكن أنت وهم في لحظة واحدة، تعيش داخلهم، تتجاوزهم إلى المشتهى، متى استطعت، وفي أي زمن أنت فيه، حينها ستكون ذاتا شعرية، مختلفة، قادرة على التجاوز والتوحد.

أتقن محمود درويش شعرية المحو، عبر الكتابة على أنقاض الذاكرة الشعرية، جامعا بين جماهيرية الشعر، و ” كرامة النص الشعري”، ذلك أن القصيدة في حاجة لجمهور، يصفق لها ويعب من ينابيعها الجمالية، وأيضا ما يريده الشاعر من القصيدة نفسها، وربما أن محمود درويش من أكثر الشعراء تمثيلا لهذين البعدين، بصيغة أخرى هناك” ميثاق شرف” بينه وبين الجمهور، ونحن نعرف ميزته في الإلقاء الشعري والطاقات الهائلة التي يتمتع بها كخامة صوتية، قادرة على التأثير في المتلقي، ميثاق يؤمن بالحرية في الإبداع، ويلامس ما عجز عنه القارئ ولم يهجس به، لا غرابة أن تنتمي القصيدة الدرويشية إلى التاريخ الشعري الكوني، ولا غرابة في هذا التوهج الكامن في الأعماق، إنها شعرية خاضعة لنظام دقيق من المشاعر الطافحة بالحياة والشعر معا،ولا غرابة في ذلك، مادام الشاعر يدعو في كل مرة، من يكتب الشعر” إلى الانخراط الكلي في الحياة والتفكير وفي التفكير بغير الشعر”، لكي يخرج من المأزق الذي يعانيه، في ظل العلاقة الجدلية بينه وبين ذاته، أي الوصول بالذات إلى أقصى درجات الامتلاء بلحظات التو ثر، والاندماج داخل الذات وليس خارجها، إنها طاقات التفجر الثاوية في الأعماق، ونعني بذلك ولادة القصيدة كنتاج كيميائي، تتفاعل عناصره، تتقاطع، تنتظم، في شكل زخات شعورية، خاضعة لفعل الرؤيا.

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً