الرئيسية / احدث التدوينات / الشعر الشعبي في السودان … التراث والهوية

الشعر الشعبي في السودان … التراث والهوية

727239601

      يذخر الشعر الشعبي السوداني بموضوعاته المختلفة، وأغراضه العديدة، إلى جانب اللهجات والعاميات التي تعكس مدى الترابط والتداخل بين المجموعات الاثنية في الريف والحضر. وهو متنوع بتنوع المجتمعات السودانية، وبقدر ما فيه من الملامح العربية الأصيلة، فهو أيضاً يتكئ على ثقافة أفريقية ضاربة في عمق الحضارات الإنسانية. وبما أن السودان بلد أفريقي في الأساس قبل ارتباطه بالعالم العربي؛ نجد الإيقاع هو الذي يستحوذ على شكل القصيدة الشعبية، عند أغلب المجموعات السودانية، كما أن الشعر الشعبي السوداني نفسه تتعدد أنواعه ومسمياته. ويعتبر الدوباي، الذي نسميه بالدوبيت مجازاً، هو أنضجها من ناحية البناء الفني، فهو الأقرب إلى رواية الديوان العربي “الناهيابي”، ولفظ “دوبى” أو “دوباي” هو الأقدم، حيث شاع مصطلح “دوبيت” عند المثقفين في المدن، بعد ظهور الإذاعة، ودوباي تقديراً لا صلة لها بلفظ “دوبيت”، وتقال عند أهل الريف أيام الحصاد للتعبئة، كما قال ود ضحوية في وصف الجمل: “خلي جرايدو واحده … تدوبي واحد تكيل. ويقولون البرق دوبى السحابة؛ أي ملأها. وكل ما يذكر في عبارة دوبى يعني في صورة الحياة اليومية الفعل. فدوبى … غنى، ودوبى افرغ، جدع، ملأ، وهكذا، ودوباي غناي. كما ورد هذا اللفظ في أغاني قديمة جداً، إلى جانب البُوبَاي، الذي يعتبر هو من مشتقات الدوباي.

الليل قَضيتو بَراي

بَتْوَنَس بالبُوبَاي

      أما مربع الناهيابي يوجد أيضاً في بوادي السودان، وأقاليمه المختلفة، وإن كان أوسع انتشاراً في شعر المتصوفة الشعبي، وفيه يقول الشاعر أحمد ود سعد رحمه الله:

سِبْتَ القلوب عن السوى شَاغلاها

بِعُقَال الغَرام عِند الوَصِيد عَاقلاها

نِيرَان الهَوى جو الحِويش واغْلاها

معاذ الله حَليف الود دا أن يَقْلاها

      شعر الصوفية الشعبي، ودوباي البوادي، إلى جانب نوع ثالث يسمي الجراري، نسبة لقبيلة بني جرار السودانية؛ تعتبر هذه الأنواع الثلاثة منه أقدم أنواع الشعر الشعبي السوداني على الإطلاق، بل هي أوسع فنون الشعر انتشاراً. والدوبيت مجازاً، ظهر في المائة  الأولى للدولة السنارية، التي قامت في العام (1505م). فقد كان أول ظهور له في البادية، حيث تم الحصول على نماذج من العهد السِّناري، منسوبة إلى شاعر قبيلة “الشُكرية” السودانية، حسان عوض الكريم الشهير بحسان “الحرك”، وهو يعتبر أول شاعر عرف بهذا المربع، الذي يسمى بالدوبيت في المدن، وبالغناء عند أهل البادية الشرقية والغربية، وبالدوباي عند المجتمعات الريفية على النيل، كما رجح عدد من الباحثين السودانيين، وعلى رأسهم الطيب محمد الطيب، صاحب كتاب الدوباي، رجح بان اللفظ دوباي أصله نوبي، ومع ذلك يستخدم عند البعض كأسلوب أداء للقصيدة الشعبية، وهو ما نقصد به دوبيت الان. وفي مربع الدوبيت، نورد هذا النموذج القديم، للشاعر حسان في الوصف:

الليلة على القبلة المُبَادر كَر

واحدين شَدّو فُوق تيس الخَلا البِنصر

رَزمي الشُول بَعد سَدر العِشا ما زر

أحسن من دقاقة ورقها البِنْجَر

      المُبَادر كَر؛ صوت الرعد، وتيس الخَلا؛ هو الجمل القوي، ورَزَمي الشُول؛ المقصود به حنين الإبل إلى صغارها، فهو يرى أن صوتها أفضل من صوت جاريته “دقاقة”. هذا هو حسان، الذي ارتبط اسمه بهذا النوع من الشعر الشعبي، قبل خمس قرون.

      بعد ذلك تداخلت المجموعات السودانية، وتغير شكل الحكم، الذي كان يغلب عليه الطابع القبلي، فظهر الشعر القومي السوداني، الذي خرج من فن الريف والبوادي، وما يميز القومي على الشعر الشعبي القبلي، أنه يقوم على قاموس الوسط المفهوم عند كل أهل السودان، ويسمى مجازاً بالدوبيت أيضاً. ونورد هنا قول الشاعر الطيب حاج عبدالقادر:

إتمني الدهب لو لونه يشبه لونك

إشتهت الدرر لو هي تبقى سِنونك

مجنون ليلى حالته أقل من مجنونك

ما دام ليلى كانت في المحاسن دونك

ويقول الشاعر السر قدور:

يا ساحر العيون خَدك مُزان بي عَارِض

ساكن في قُلوبنا وفيها راقص وعَارِض

يا ظَبي التِلال أل  للمحاسن عَارِض

يرعاك الإله  يحميك من كل عَارِض

             ****

طيفك يا جميل في نومي لي مُعارِض

من صَدك وجُورَك صار شَقَاي مَعارِض

بَتقَلب بَرَاي في النَار ومَافي مُعارِض

تعال شوف الألم شيدنا ليهو مَعارِض.

      نجد الفرق بين الشعر القومي الذي يفهمه كل أهل السودان، وبين الشعبي المحلي في اللغة والأغراض، فالأخير متعدد الأغراض، يصور حياة المجتمعات البدوية والريفية، حافل بالتاريخ والجغرافيا، وفي ثناياه مخزوناً غنياً من المعاني، والإجتراحات الفريدة، على صعيدي الشكل والمضمون. أما القومي؛ رغم التزامه بالقافية الحرفية، فهو محدود الأغراض، كطبيعة فن المدن، كما أنه، أي الشعبي المحلي، متعدد الأوزان والايقاعات، ويحتفظ بهويته المزدوجة، وهو الأكثر قبولاً، لكونه الأصل. فهو فن سماعي في المقام الأول، وفيه أدب الرحلات، أو ما يعرف “بالمَسَادِير”، ومنه أذكر مُسّدَار الشاعر عطا الله :

قام الغَيبَة مِن الحُوش وعَام بي صَدرو

قال لي الشارع الماشي أم حروت بِتخَبْرو

قُلتَ الليلَه عتام الحقين بِتْحَضرو

قال لي وَكِيدة لاهناك الزمان لا تَهَبْرو

      الحُوش هنا المراد به مَقر عرب القريات، بمدينة أم درمان، وأم حروت غرب مدينة أم درمان، وهي مقر العمد في البادية. أما عتام الحقين فهي مواعيد حلب الإبل. وهكذا نجد دوبيت البادية، يصور حياة أهلها، ويسجل مواقفهم، فهو متعدد الأغراض، ففيه الفخر بالحضارات والقيم والدين، وفيه الغزل العفيف. ومن الفخر المعاصر قول الشاعر حافظ أبولكيلك، وهو يفتخر بشلوخ أجداده، وحضارة النيل وحاضره:

شِلوخ أبْواتنَا ليها دَلالَه مَاهَا سَفَاهَة

حوض الموت والجُودية نَرده شَراهَة

صَاح أبْواتنا لِيهم نَافله ما بْتِضَاهَا

إلا نَسوي بي حَق غِيرنَا ما بِنِتْبَاها

      النوع الثالث الذي يعد أكثر انتشاراً هو الجراري، وهو شعر شعبي غنائي، انتشر في بادية كردفان أولاً، ثم دخل على الأغنية السودانية، وهو الأقرب إلى الدوبيت من ناحية النضج، وهو فن شعبي مُستَقِل، متعدد البحور، ومنه نذكر الشقلاب والطويل والقصير، وهذا النموذج من الشقلاب:

شَدولو المِهيرَه في المَسّيد قَيّل

يا رحل القرنفل شيّل وميّل

عزّام للأهالي وحاشا ما إتْغَير

الفِي السَبيل سَوّالا رَاكُوبَه

يا أب عِزاً قديم مو جديد دُوبَه

يا جَبَل الحَرازَة البِطلَعو النُوبَة

      التطور الذي حدث في الشعر الشعبي السوداني عموماً، بمختلف مسمياته، هو تطور في المجتمعات نفسها، وفي شكل الحياة العام، وأصبح أكثر وضوحاً، حيث اندثرت مفردات كثيرة نتيجة لذلك. وهذا نموذج من المعاصر، للشاعر الكودابي في الوعظ:

أخير الزُول يَعيش في الدُنيا صَاحِب مَبدأ

يَطايب النَاس وبي شِين الكَلام ما يَبدأ

نار الفتنة حِين ما تْشِب بِتَابَا الهَبْدَه

وغَرقان الجَهَل ما بِتْلَحِق بِالجَبْدَه

     وقديما قال الشيخ الصابونابي في الوعظ والحكمة:

إنْ قِدِم الورق بِدوه للجَلاد

وإنْ قِدِم الحَديد بِدوه للحَدَاد

إنْ مات الرَجُل مَالُه للأولاد

وفي السفر البعيد لابُد مِن الزَاد

      وفي وصف الدنيا يقول العاقب:

تَصْبِح لَك عَروس رِيقاً مواقع

تَسْقِيك مِن حِلوهَا الصَافِي نَاقِع

تَمسِي لَك عَجَوز تَنبَح تَصَاقِع

تَشرّط في مَكَان مَا كُنْتَ رَاقِع

      الحديث عن تطور الشعر الشعبي؛ يجرنا للحديث عن المحيط العام السوداني، من علاقات اجتماعية، واقتصادية وسياسية، أثرت فيه على جميع المستويات. ولا يمكن فصل التطور التاريخي للشعر الشعبي، عن عقلية الشاعر الشعبي، الذي كان سفيراً من البادية إلى المدن. ومن الشعر الشعبي الخاص بطبيعة بعض الناس، كشعر “الهَمْبَتَة”، كمرحلة نجده يتصف بالقوة، والمزاج الخاص، مع التعلق بالإبل، حيث يقول الشاعر علي الحلال:

بَدُور ألبِل بَدُور هَبَت هَبُوبْنَا

بَدُور رِزقاً مِدَشّر مَاهو دُوبْنَا

بَدُور فُوق الصَهب يَعجِب رِكُوبْنَا

بَدُور آخر الزمن يِتْحَدَثُوبنَا

عن عبد الرحمن مساعد الكتيابي

mm
كاتب وناقد فني

أضف تعليقاً