الشيخ

14808824_1587819017910335_761067435_o (2)

• تأليف : إديث مود هَلّْ
• ترجمة : ﺇﺑﺮﺍﻫﻴﻢ ﻛﺎﻣﻞ ﺃﺣﻤﺪ

إن كل الناس في “بيسكا” يتحدثون عن “دايان مايو” . فقد كانت رحلتها إلى قلب الصحراء بمفردها وبلا مرافقة من النساء، في صحبة الجمّالة من البدو ودليل مرشد، تعد غير مألوفة وغير لائقة . كان أخوها سير ” أوبري مايو ” يعزو نزعتها الغريبة إلى ظروف نشأتها الأولى ، فقد عاشت طفولتها بلا أم ، تحت رعاية أخيها الذي يكبرها بحوالي عشرين عاماً. كان يعاملها كصبي ، فتعلمت ركوب الخيل واستخدام الأسلحة النارية وصيد السمك . لقد تربت ” دايان ” وفقاً للأسلوب ” الإسبرطي ” المتميز بالتقشف والجلد دون مراعاة لجنسها الناعم، وقد استجابت ” دايان ” لذلك فنشأت لا تهاب شيئاً مطلقاً. ومع أول نزاع نشب بينها وبين أخيها سير ” أوبري ” انبعثت لها فكرة التجول في الصحراء.. كان أخوها يرغب في السفر إلى أمريكا ليجد زوجة تنجب له وريثاً ، بينما ” دايان ” والتي بلغت سن الرشد للتو تريد أن تنطلق وتسافر بمفردها.. وحين كان لابد من حلٍّ وسط ، وعدته أن تلحق به في مدينة ” نيويورك “.
في الليلة التي سبقت رحيل ” دايان ” إلى الصحراء ، أقيمت حفلة راقصة ، وأحاط بها الشباب اليافعين ، ولكن أياً منهم لم يثر اهتمامها ، ولم تأبه هي لهم على الإطلاق . . فلم يسبق أن قبلها أحد أبداً في صباها، ولا يمكنها أن تتخيل أن تكون خاضعة لأي رجل ، وتحت نيره سواءً بالزواج أو من خلال أي علاقة أخري. بعد انتهاء الحفلة الراقصة كانت رحلة ” دايان ” إلى الصحراء تثيرها لدرجة أن النوم جفاها . فخرجت إلى الشرفة لتمتع ناظريها بالبدر المكتمل . كان يخالجها شعور غامض بأنها مراقبة ، بل إنها اقتنصت لمحة من رداء جوخ أبيض يحاول التستر والاختفاء وراء الشجيرات . ورغم أن ذلك حيرها إلا أنها طردت تلك الأفكار من ذهنها ، وأوت إلى فراشها.
في الصباح بدأت ” دايان ” رحلتها مع دليلها المرشد ” مصطفي على ” الذي يوحي مظهره بالخبرة والكفاءة ، وقد صحب سير ” أوبري ” أخته لمسافة قصيرة محاولاً مرة أخرى أن يثنيها عن عزمها على الرحيل. لكن ” دايان ” أوضحت له أنها لن تطيع سوى إرادتها، دائماً وأبداً.
مضت ” دايان ” في قلب الصحراء ، وفي ذلك الخلاء العظيم خُيل إليها أنها في بيتها بشكل يثير الاستغراب ، واكتشفت أن الواقع بلا حدود أعظم بكثير مما توقعت . لم تكن تحسد سير ” أوبري ” على ما يخطط له من زواج لأن فكرة الزواج نفسها كانت بالنسبة لها فكرة بغيضة . سألت ” مصطفي على ” أسئلة كثيرة عن الإقليم الذي يجوسون خلاله ولكنه بدا مراوغاً في إجاباته . توقفوا لتناول وجبة الغداء ، وكان الدليل المرشد يزعم لنفسه امتيازات وسلطات قائد الرحلة . وقد ضايق ذلك ” دايان ” فأصرت على نفاذ مشيئتها هي كي تلقنه درساً . وقد تأخر بدء مسيرهم بعد الظهر نتيجة لذلك ، وقد ظلوا راكبين لعدة ساعات دون أن يظهر لهم مكان يصلح لنصب مخيمهم على مدى الرؤية.
رأت ” دايان ” نقطاً سوداء تتحرك بسرعة عبر السهل، أتضح في النهاية أنها عصبة من الرجال على صهوات جيادهم أحاطوا برجال الدليل ” مصطفي ” ، وتحلقوا حول ” دايان ” التي أصابها الارتباك والهلع حين صوب العرب بنادقهم نحوها هي ومرافقيها . وعندما اتضحت خطورة الهجوم لها إذا بجوادها يندفع فجأة ، ويبدأ في الجري بعيداً . تبعها عربي واحد على صهوة جواده . كان صوت ضحكاته ينم على أنه يتسلى بمطاردتها، ويستحثها وكأنه ينخس جوادها لتواصل الهرب .. حاولت أن تهرب من مطاردها لكن دون جدوى، وحين لحق بها، وصار بمحاذاة جوادها انتزعها بذراعيه القويتين من سرج جوادها ليضعها أمامه على جواده . ناضلت ” دايان ” بشراسة دفاعاً عن نفسها لكن بلا طائل، فابتدأ خوفها يتصاعد. وبعد رحلة طويلة وسريعة ترجلت من على الجواد لتجد نفسها في خيمة فاخرة الفرش. كان خاطفها رجلاً طويلاً يرتدي ثياباً بيضاء فضفاضة . وكان وجهه بالذات أكثر الوجوه وسامة وقسوة من بين كل الوجوه التي سبق ورأتها من قبل. كان خاطف ” دايان ” هو الشيخ ” أحمد بن حسن ” ولم يكن هناك مجال للخطأ في معرفة الغرض الذي أحضر ” دايان ” من أجله إلى خيمته. أحكم الرعب قبضته عليها حين استحوذ عليها إدراك تام أنها امرأة مرغوب فيها .. انقض عليها يقبلها بعنف سالباً إياها أية قدرة على المقاومة . ثم أمرها أن تعد نفسها لليلة العشق والهوى التي سيقضيانها معاً.
في الصباح ، ورغم الأثاث الباذخ للخيمة ، ورؤيتها للأمتعة فإن ذلك لم يفلح في طرد المخاوف من نفسها . كانت فكرة رؤية الشيخ مرة أخرى تملأ نفسها بالشعور بالغيظ والمذلة ، ولكنها ظلت تعرف أنها بلا حول. ومن العجب أن الذي قدم لها الغداء خادم فرنسي يدعى ” جاستون ” ، أخبرها أن سمو الأمير يتناول العشاء في الساعة الثامنة ، وحين تجولت في الخيمة تسنت لها لمحات لم تكن في الحسبان عن شخصية الشيخ العربي دلت على التعليم والثقافة وذوق غير متوقع في انتقاء الكتب. عاد الشيخ في المساء محيّاً إياها بكلمات فاترة، وقد هددته ” دايان ” بسلطات الحكومة الفرنسية المهيمنة على الإقليم ، بيد أنه سخر من حديثها وفلتت منه ضحكة أخبرتها بأنه صاحب السلطان الأوحد هنا ، ولا يأبه لسلطان أي حكومة. بل زاد على ذلك بأن أفصح لها أنه قد دفع مالاً لدليلها ” مصطفي على ” ليحضرها إلى الصحراء ، لأن الرغبة فيها كانت تملأ جوانحه. أضاف أنه فقط سيدعها تذهب بعد أن يكون قد قضى وطره منها وملها. أدركت ” دايان ” على الفور أن ليس من المجدي الاستمرار في المقاومة ، ذلك لأنها قابلت صاحب إرادة أقوى من إرادتها. أُترعت نفسها بالضغينة على العربي ، ولم تتردد في أن تخبره بذلك.
مر شهر .. و ” دايان ” لا تفكر إلا في الهرب. كان ” أحمد ” يحسن معاملتها ، وفي مرات كثيرة كانت تجده جذاباً ومشوقاً حتى أنها تنسي أنه واحد من العرب . حتى أنه في مرة أعطاها قلادة من حجر ” اليَشب ” الكريم مباهياً بأنه أعطى الكثير من الجواهر للنساء. لكن ” دايان ” رفضتها، بعزة نفس ، وسألته هل عنده حريم أو زوجات. فأجابها بالنفي. كانت إرادتهما غالباً ما تتعارض وتتصادم، ولكن ” أحمد ” ظل يقول لها ببرود إنه مصمم على ترويضها وإخضاعها ، وكل ما في وسعها هو أن تذعن من تلقاء نفسها أو فإنه سيقهرها على ذلك . فهيمن الخوف على عقلها لدرجة أنها أخبرته أنها ستطيعه وتنصاع.
مرت أسابيع أخري منذ أن وعدت ” دايان ” الشيخ بالخنوع ، وتراكم خوفها منه وبغضها له في نفسها باطراد. حتى أنه ذات يوم هيأ لها غياب الشيخ أحمد فرصة للهرب. ففي أثناء ركوبها للخيل مع الخادم ” جاستون ” كدأبهما راوغت منه، وانطلقت تعدو مسرعة بجوادها تجاه الشمال ، على أمل أن تقابل عرباً طيبين ينقذوها.. أمضت ” ديان ” عدة ساعات على صهوة الجواد ووصلت بالكاد إلى واحة أمكنها من أن تنعش قواها. ارتاحت هي والجواد لبرهة، تتزاحم عليها أفكارها مع ذكريات الشهور الماضية التي أمضتها في صحبة الشيخ.. ثم شقت أخيراً طريقها عبر الصحراء الموحشة لتجد عصبة من الرجال تقترب منها. وحين رأت -والرعب يملأ عينيها- أن قائد تلك العصبة هو الشيخ ” أحمد بن حسن ” استدارت بجوادها في الاتجاه الأخر وسابقت الريح. لكن الشيخ تبعها كغيمة بجوادة الأسود ولم يترك لها منفذاً للهرب ، اقترب منها وأطلق النار على فرسها بعد أن رفضت التوقف، حملها الشيخ على جواده وعاد بها إلى خيمته، وفجأة داهمها شعور بالسرور أن الشيخ قد لحق بها وأعادها. وهنا بالتحديد عرفت ” دايان ” أنها وقعت في حب الشيخ ، وصارت أسيرة هواه. وعندما انفرد بها أشعل لغضبه العنان ، قال بأن هربها هذا عرضها للوقوع في أسر ” إبراهيم عمير “.. عدوه اللدود.
بعد مرور شهرين على محاولتها الهرب وشجارها مع الشيخ باهتياج ، غمر ” دايان ” إحساس بأنها أسعد فتاة في الكون . وغدت لها الصحراء والخيمة كأنهما مكانها الطبيعي . وعلى الرغم من معاناتها في إخفاء حبها للشيخ في سويداء القلب، فإنها تفعل ذلك وهي تتعذب خشية أن انكشاف مشاعرها قد يؤدي بالشيخ إلى الملل والانصراف عنها.
حينما زار صديق الشيخ ، “راؤول دي سان هيوبرت ” ، الصحراء امتلأت نفس “دايان” بالهلع ، فهو روائي فرنسي شهير ، وقد أحست بالاستياء والغيرة لمجيئه. كانت “دايان” لا تزال تحرص على كرامتها، ولا تحتمل فكرة أن يراها أوربي على أنها عشيقة لشيخ عربي. ولكن “راؤول” سحرها بشخصيته الغريبة وصادقها . كان “راؤول” يتجادل مع الشيخ أحمد حول احتجازه لدايان . وأراه صحيفة تظهر فيها صورة “دايان” مع تقرير عن اختفائها الغامض. استولي قلق كبير على نفس “أحمد” ، ووجد نفسه للمرة الأولى في حياته غيوراً، حيث ظل يراقب كل حركة تقوم بها دايان تجاه راؤول.
صرح لسان هيوبرت أنه وقع في غرام “دايان” بينما كانت هي تعتبره أخاً، وإن كانت واعية لما تظهره عينا أحمد من غيرة متواصلة . وراودها الأمل في أن يكون الشيخ قد بدأ يحبها. وفي أثناء واحدة من جولاتها اليومية على صهوة جوادها برفقة “جاستون” وقعت أسيرة رجال “إبراهيم عمير” . كان أسر المرأة البيضاء الأثيرة لدي “أحمد بن حسن” غنيمة عظيمة لهم. وعندما أخبروا الشيخ أحمد باختفاء “دايان” أدرك كم أنها أصبحت ضرورية لا يستغني عنها. جمع رجاله واتجه مع “سان هيوبرت” مباشرة إلى خيمة عدوه “عمير” فنازله وقتله، ولكنه أصيب إصابة بالغة . أُنقذت “دايان” من المذلة والمهانة ، وحُمل الشيخ الفاقد للوعي إلى خيمته حيث قام “دايان” و “سان هيوبرت” بممارضته . وكان ما شق قلب ديان ، أنه في هذيانه صرح بحبه للفتاة الإنجليزية.
كشف السهر المتواصل لدايان إلى جوار سرير الشيخ الجريح عن حبها للعربي . فحكى لها هيوبرت القصة العجيبة للشيخ أحمد . فهو ليس برجل عربي إنما إنجليزي . فقد وجد رجال الشيخ أحمد بن حسن الكبير أمه تهيم على وجهها في الصحراء تائهة وأحضروها إلى خيمته حين أوشكت على أن تضع حملها. فأنجبت صبياً فاتناً. ومن الغريب أنها بعد الولادة رفضت أن تعرّف نفسها أو تفصح عن شخصيتها. فتعلق بها وجدان الشيخ العجوز، واتخذ من الصبي الوليد ابناً له. وحين كانت المرأة تحتضر روت للشيخ قصتها : “فهي سيدة إسبانية ، وزوجها إنجليزي من علية القوم هو “إيرل أوف جِلنكَاريل” ويكبرها بسنين عدة، وزيادة على ذلك كان عنيف المزاج ، مدمن على شرب الخمر بإفراط . ولما عجزت عن احتمال العيش معه ، انسلت تحت جنح الظلام في منتصف الليل ، وولت هاربة إلى الصحراء . . وبررت عدم إفصاحها عن شخصيتها خشية أن يعيدوها إلى زوجها” . وقد جعلت الشيخ العجوز يعدها ألا يخبر ابنها عن حقيقة نسبه وميراثه إلا بعد أن يبلغ سن الرشد. وصار “أحمد بن حسن الكبير” أباً لابنها الوليد. ونشأ الصبي وكبر معتقداً أنه ابنه . وتلقي تعليمه في باريس ولندن ، ولكن الصحراء كانت على الدوام بيته الحقيقي . ولما كبر ، وأميط اللثام عن حقيقة نسبه ومأساة أمه مع أبيه النبيل الإنجليزي لعن الإنجليز جميعاً باللغة العربية، ورفض أن يلتقي بأبيه أو حتى يراه. وأصبحت كراهيته للإنجليز هاجساً لا يزول وفكرة متسلطة على وجدانه.
كان من الصعب على “دايان” تقبل أن الشيخ رجل إنجليزي ، وكل ما استطاعت فعله هو مواصلة الدعاء له بالشفاء . أبقت قوة جسد الشيخ المتين وبنيته الرائعة حالته مستقرة وعجلت تماثله للشفاء، ومع تعافي أحمد ارتد موقفه تجاه “دايان” إلى المعاملة الباردة الفاترة. فكان ينام وحده في غرفة خارجية بنفس الخيمة، في حين أن جل ما تخشاه “دايان” أن يكون مل منها وسأمها. أدركت “دايان” أن رحيل “سان هيوبرت” وصل بالأمور إلى غايتها .. فهي الآن بمفردها تحت رحمة الشيخ أحمد … لكنه أخيراً أتي ليبلغها أنه سيعيدها إلى أهلها . فدفعها اليأس إلى أن تبوح له بحبها ، وتعبر عن رغبتها في البقاء معه. لكن “أحمد” أصر على أن ترحل لأنه على الرغم من أنه يحبها فالصحراء ليست مكانها ولا مستقبل لها فيها.. كان قراره حازماً ، ولم يكن بمقدورها أن تحوله عن ما عقد عليه العزم. ولهذا جرت إلى خيمتها ، وحاولت أن تطلق النار على نفسها ، لكن “أحمد” بغريزته اليقظة استشعر الخطر الموشك وتمكن من منعها من الانتحار .
هز كيان أحمد ما أبدته دايان من دليل على صدق حبها له، ولم يعد قادراً على مغالبة فراقها . لم تعد “دايان” تخشى من الصحراء أو الشيخ زوج المستقبل، وعاد المعنى لحياتها مستشعرة اللذة.

كاتبة وروائية انجليزية  (1880-1947)

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً