الرئيسية / العدد الواحد والعشرون / الطاقة الشعوريّة .. عظم الفنّ

الطاقة الشعوريّة .. عظم الفنّ

large-باحثون-التلفزيون-و-الأنترنت-ساهما-في-عزوف-التلاميذ-عن-المطالعة-والقراءة-ecc56

أحمد يوسف :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

قبل أن يقدم “بيتهوفن” موسيقاه التي أذهلت العالم في أوائل القرن التاسع عشر كانت الموسيقى الكلاسيكية الرصينة هي السائدة آنذاك .. تلك المرتبطة برياضيات “فيثاغورث” و عقلانية “ديكارت” .. و التي عندما تسمعها تحس بأن الأرقام و المعادلات تتساقط من مفاتيح البيانو أو تتقافز من أوتار الكمان .. و أضحت الأنماط الموسيقية مصبوبة في قوالب لا بد أن يتشكل داخلها أي مؤلف موسيقى يرتدي الباروكة … قام “بيتهوفن” بإلغاء ذلك التحنيط المقدس .. و قدم موسيقى أخرى حية و نابضة .. غارقة في الذاتية و النرجسية .. أودع “بيتهوفن” في موسيقاه كل آلامه و سوداويته ، ذكريات طفولته البائسة ، أشباح عزلته و أحلامه بدولة الإخاء و الحرية .. أودع بيتهوفن في موسيقاه جزءاً من روحه .. فقد كان “بيتهوفن” يؤلف موسيقاه لنفسه في الواقع .. و ذلك تحديداً ما جعل الناس يتذوقون موسيقاه و يحسونها..

       و هذا هو سر كل الفنون الإبداعية في الحقيقة .. فاللوحة التي نقف أمامها مبهوتين ، عاجزين عن الكلام ، هي ليست تلك التي تحاكي الواقع ببراعة فقط ، و لا التي أجاد راسمها إستخدام الألوان و الظلال .. بل هي التي أودع فيها راسمها ، مع كل إنحناءة قلم ، أو ضربة فرشاة سيلاً مركزاً من المشاعر الحساسة ، المستوحاة من أعمق تجاربه أثراً في نفسه .. و الأغنية التي لا نمل من سماعها ، و نشغلها مرة تلو الأخرى ، ثم نجد أنفسنا ندندن بها دون وعي ، ما يسحرنا بها ليست كلمات الشاعر فقط ، ولا حبال المطرب الصوتية .. بل ما يحدث هو أن مشاعر الشاعر و ملحن الأغنية و مؤديها تخاطب مشاعرنا وقتها ، بلغة سرية ، دقيقة و غامضة … و في الكتابة الأمر واضح وجليّ .. إذ أن الكاتب يصهر كل تجاربه وأفكاره و أحاسيسه ، ليتمخض عن كل ذلك كتاباته .. يموت الكاتب و تظل روحه تسعى بيننا .. تجوس بين غلافي كتابه ، مضغوطة داخل تلك الكلمات كما ينضغط الضوء في حبة الألماس .. و بمجرد أن نقلب صفحات الكتاب يتدفق ذلك الفيض من المشاعر و الأحاسيس التي كتب بها الكاتب كلماته ، و التي ظلت محفوظة هناك لمئات بل ربما آلاف السنين ..

       لكل عمل أدبي عنصران ، العنصر الشعوري و العنصر التعبيري .. فالسياق و الوتيرة و حلاوة الجمل و الصور البلاغية و كل هذا هو ضمن العنصر التعبيري ، و هو ليس بصعب ، و يمكن إجادته بقليل من التمرين و كثير من القراءة .. إذن يبقى العنصر الشعوري ، هو الحُكم و الفيصل … و ما أجده طريفاً هو أن مُعظم الأعمال الأدبيّة الجبّارة كانت نتاج دوافع سلبيّة تم التسامي عنها و إعلائها .. فلطالما كانت المُعاناة الإنسانيّة مادة خام لخلق العُمق الجميل .. تذكّر الآن كل رواية أعجبتك ، أسرتك ، و قرأتها أكثر من مرة ، لا بد أن تجد فيها ذلك الطابع ، تلك المُعاناة الأصيلة و الكآبة المُخيّمة .. فلطالما كان الحُزن أيضاً سلعة إنفعاليّة مطلوبة.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

تعليق واحد

  1. Definitely believe that which you said. Your favorite reason seemed to be on the net the simplest thing to be aware of. I say to you, I certainly get irked while people think about worries that they plainly don’t know about. You managed to hit the nail upon the top as well as defined out the whole thing without having side effect , people could take a signal. Will probably be back to get more. Thanks

أضف تعليقاً