الرئيسية / احدث التدوينات / الطاووس الأسود: نفسانية  تعدد الحيوات

الطاووس الأسود: نفسانية  تعدد الحيوات

DKjNRImXkAA4yJN

بقلم : خالد أبو بكر

 

أعتبر أن رواية الطاووس الأسود للكاتب حامد الناظر فريدة من نوعها، إنها تستلهم بعدة زوايا إرث التنظيم الإسلامي، وهالته وغموضه. حيث تعمل الرواية بجانب خيوط فرعية هي في حد ذاتها تصلح للنقاش والمساءلة لوحدها، وهي خيوط تعمل لتعزيز الفكرة الرئيسية، وتوسيع مدى النظر لكل بعد من خلال استخدام منهجية الفرد ضمن الكل، إن الشخصية الرئيسية هنا تعتمد على خيط مبدوء كاقتباس في أول الرواية بأن الإنسان روحه تحتوي عدة حيوات أخرى، وهو ما أدى إلى خيط العقد النفسية التي يمكن قراءتها بأنها تعدد شخصيات أو استلهام شخصيات تاريخية وعيش حيواتهم، كما أن الشخص في الآن الحاضر عاش حاضرهم، هذا الأمر يظهر في السردية متجانساً على مستوى تعدد الحيوات في زمن الرواية، بتعدد أسمائه (المستشار تاج الدين، عمار البركس، آدم، شاكر، احمد)، وتعدد قصصه وقطع كل حياة عن أخرى، والوحيد الذي استطاع أن يلملم الحكاية أو الصورة تم تصفيته ( وهي إشارة موجهة ضد التنظيم الإسلامي الذي تمت الإشارة له بكتائب التأديب).

يمكن استكمال الصورة كالآتي: بأن تنظيم الإسلاميين العميق يوظف الشخصيات المضطربة نفسياً، بحيث أن التتبع التاريخي لهذه الشخصية يظهر عدة عقد تكونت منذ طفولته / فقدان والده منذ كان صغيرًا، لم يعرف حتى أصول والده، مما يحيل للمعايرة الاجتماعية بأنه ابن حرام، وأيضاً حرق أمه وزوجها في بيت واحد بسبب العقدة الآنفة، مما يحيل إلى أن كتائب التأديب تمثل غطاءً آمنًا لممارسة عنفه المبني تجاه المجتمع، تجاه عقده النفسية غير آبه بما يجري خصوصاً مع التأطير الفكري لهذا العنف.

ما يمكن ملاحظته أيضاً في رواية الطاووس الأسود، الكم مستلهم من علم النفس وتوظيفها كمفاهيم، وخصوصاً المسلك الفرويدي فيما يخص العجز الجنسي والذي سببه الاضطرابات النفسية، فإحدى شخصيات الرواية (النعيم = الذي صور كشخصية حيادية منذ الجامعة، وعمله كقاضي، ومن ثم إحالته للمعاش، وتحركاته على متن النص تعمل كجانب يكشف كل الغموض وفكفكة الاشتباكات التي تحل بالشخصية الرئيسية ذات الأسماء والحيوات المتعددة (آدم)، لديه هذا العجز الجنسي وعلله طبيبه كما سبق، تبقى أن المعالجة المستخلصة من عديد الأحداث السردية المتعلقة بالشخصية، أن مدينة الخرطوم تمثل اس لاضطرابه النفسي بدليل أنه عندما خرج منها كان يشعر بالإثارة ويشعر بأن عجزه قد انحل، وفي المرة التي ذهب فيها إلى الريف هاربًا من رجال الأمن، وتزوج منهم، أنجب ابناً بعد عقدة طالت وسببت مشاكل طلاق مع زوجته السابقة. وهو ما يمكن تلخيصه بأن رحابة الريف وبساطته تعمل كمساهم وفاعل في انفكاك العجز الجنسي الناتج عن الاضطراب النفسي، وهو أمر له دلالته ويمثل إشارة مستلهمة عن بنية الريف وآلياته ومفاهيم أفراده عن الزواج، الجنس، الفحولة، الخصوبة. ويفتتح سؤال أيضاً عن مدى عدم تحمل الفرد البسيط لميكانيزمات المدينة/ العاصمة، إزاء نفسياته بوجه عام. وبكل طقوسها التي تلبسها اقساراً على ساكنها.

هل هناك علل أخرى، وهو ما لم يتحدث عنه ولو بإشارة عن العلة الرئيسية لهذا العجز الجنسي للنعيم. هل هو من الطفولة؟ هل هو من ضغوط المدينة التي كان فيها منذ أيام الجامعة؟ أم من أحداث صادمة تعقدت لديه؟.

وترتكز رواية الطاووس الأسود على رواية أخرى أو بالأحرى إحدى خلاصاتها، لتعمل كتقنية مواربة تحرك الشخصية الرئيسية في الرواية وإلباسها مزيداً من الغموض والتعقيد مما يمنح مساحة التحرك على الفكرة المستلهمة من أرضية التنظيم الإسلامي وعوالمه الغريبة، فعلى سبيل الأمثلة أول اقتباس في مدخل الرواية هناك: “إن الإنسان سيعرف لاحقاً، تعريفاً مطلقاً في النهاية، بأنه محض هيكل يقطنه سكان متنوعون ومتنافرون ومستقلون” للكاتب روبرت ستيفنسون وهو مؤلف رواية “الدكتور جيكل والسيد هايد“، وهي أيضاً رواية كان لها مقاطع أخرى عند منتصف الرواية ” حقيقة أن الإنسان ليس بشخص واحد حقاً، إنما هو في الحقيقة شخصان  لأن حال معرفتي لم تتخط حدود اثنان، سيعقبني أشخاص آخرون، وسيتجاوزني آخرون في المضمار ذاته.

أيضاً بذات النسق يقول السارد/ الشخصية الرئيسية في النص (آدم): “ما أعرفه على وجه الدقة أنني اختزن قدراً عظيماً من الألم، وربما الحب، ومن المعارف والأحداث ما لم أعشه أو أسع إلى اكتسابه قط، أحسها تملأ روحي… هذه الجثة السوداء الضمة لا شأنه لها، سوى أنها مستودع عظيم للأحزان والخيبات والأمجاد، إنها محض جثة تعبر فوقها الأرواح…

كل تلك الاقتباسات وغيرها بين متون النص تركز على مفهوم وإشارة يمكن مناقشتها لوحدها بحيث أن الفكرة تكمن في هل أن الروح يمكنها أن تسكن عدة أجساد في أزمان متفاوتة؟. وكما أرى أن هذه الفكرة كانت خير معين لتحريك الشخصية المضطربة على حد وصف آدم، وتعضيد أوهامه من واقع أنه قرأ رواية الدكتور جيكل والسيد هايد، مما يمكن الإشارة إليه أن هذه الفكرة تسربت إليه من هذه الرواية، وكانت له غطاء آمن لشخصيته النفسية المعقدة من واقع لحظة ماضية بحرق أمه.

على مستوى عام للرواية التكنيك المستخدم يساهم في الهالة العامة ورسم أثر فني غامض يجعل القارئ يتتبع ليحل الغموض؛ البحث عن العلل.

فقد كان هناك مساران: الأول مسار آني وبطئ الأحداث يبين سقوط الطائرة في النهر وما قبله وما بعده. ومسار يعمل على مستوى الشرح والتفصيل السردي بما يوازي المسار الأول. لتنحل الخيوط في النهاية. ويوصلنا الكاتب إلى ترسيخ مفاهيم سياسية يمكن رؤيتها عبر ظلال الأحداث، كما ظل الغلاف في العتمة.

وهناك بعض الاختلالات في بعض الحوارات بين الشخوص على مستوى الاعتماد على العامية أم الفصحى فأثر خلطهما ينتج جملًا مشوهة.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة