أزمة المثقفين

counter-writers-block

فوزي بسام :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

لم يعد هنالك من شك بأن هذا العصر هو عصر الثقافة و المثقفين ، و بأنه لا يوجد أمة سليمة لا تحتوي على مثقفين ، فتشكل النخبة المثقفة أصبح أمراً يحدث تلقائياً ، بعد تزايد أعداد البشر ، و تعقد الحياة و تمدنها أكثر ، و ازدياد روح القوميات و الحدود الوطنية …. الخ الخ

و كلمة “مثقف” تدل على الكثير من المعاني ، منها : قارئ ، واعي ، قدوة ، صاحب تفكير منظم ، شخص يملك حلولاً و كلاماً مرتباً و حتى مبهراً ! … الخ الخ ، ملخص الحديث ، هو شخص مستوى تفكيره فوق مستوى التفكير الشعبوي ، و منه فإن النخبة المثقفة هي النخبة التي اهتماماتها أعلى مستوى من مستوى الاهتمامات الشعبوية ، و بالتالي فإن تناولها للأحداث و المتغيرات مختلف عن التناول الشعبوي لها

و بما أنها النخبة ، فهذا يعني أنها القدوة ، مما يجعلها محل تطلعات الناس ، لتتحمل مسؤوليات قيادة المجتمع نحو بر الأمان ، و من زاوية أخرى فإن النخبة المثقفة في المجتمعات الحديثة ، هي النخبة المسؤولة عن تسيير عالم أفكار المجتمع ، و هي المسؤولية التي لا يمكن لنخبة المجتمع الانفكاك منها

و لا يخفى على أحد ، أن الأفكار ، أو بمعنى أصح : المستويات الفكرية ما بين الواقعية و التجريد ، أي ما بين الوصفية و الحكمية ، مختلفة ، فكلما ارتفعت الأفكار اقتربت أكثر من التجرد ، كلما اقتربت من الحكمية ، و حدوث العكس يؤدي إلى الاقتراب من الوصفية . كما أن الأفكار و المعارف تخصصات و تصنيفات تسمى : “العلوم” ، فكلما كانت الأفكار المتناولة متخصصة أكثر بنوع معين من المواضيع ، كلما كانت أكثر اندراجاً ضمن علم من العلوم ، و هكذا هنالك علاقة إطرادية بين تخصيص المواضيع و الاندراج العلمي

و على أساس هذه التخصصات و المستويات الفكرية ، يتمايز الناس في درجة تناولهم لعالم الأفكار و العلوم ، و لذلك وضع المتخصصون تصنيفات تخص متناولي الأفكار و العلوم ، فكان العالم يحتل المرتبة الأولى ، يتلوه المفكر ، ثم المثقف ، ثم بقية الناس …

على أن هذه التخصيصات لا يمكن أن تكون صماء ، فطبيعة البشر تنافي هذا ، فالعالم لابد أن يكون مثقفاً ، و لكن ليس بالضرورة أن يكون كل مثقف عالم ، و نفس الشكل بالنسبة للمفكر ، فلابد أن يكون مثقفاً دون أن يكون العكس صحيحاً بالضرورة ، فقد يكون المثقف مطلعاً على مختلف المجالات ، لكن دون أن يكون لا عالماً و لا مفكراً ، فقد يكون فناناً ، أو قد يكون لا هذا و لا ذاك و لا ذاك ! و هكذا تبدأ صورة النخبة المثقفة بالوضوح أكثر ، ينجر عن ذلك أن تتضح بعض الشيء مسؤولياتها على ضوء المنطق العملي

فالنخبة المثقفة إذاً ، هي النخبة المسؤولة عن الربط بين عالم صناعة الأفكار و عالم تجسيدها على الواقع الاجتماعي من جهة ، و من جهة أخرى هي المسؤولة عن تحريك عالم الأفكار في الوسط الاجتماعي ، وفق ما قررته المستويات العلية لتداول الأفكار (مستوى العلماء و المفكرين) و وفق ما اقتضاه المستوى الأدنى لتداول الأفكار (مستوى العامة) ، و عليه تصبح النخبة المثقفة بعمومها هي المسؤولة عن ربط انشغالات العامة ، و حلول العلماء و المفكرين …

في الحقيقة نحن تعمدنا اعتماد مصطلح : “مستوى” بدل المصطلح المتداول “مرتبة” ، كما تعمدنا اعتماد “نخبة” بدل مصطلح “طبقة” ، إذ ما يبدوا أن ما هو شائع في وصف مجموع المثقفين هو : “طبقة المثقفين” ، و هذه طبقية فيها نوع من التمييز العنصري غير المقبول على مستوى المجتمعات السليمة (كما هو الحال مع مصطلح : مرتبة) ، إذ هذا التمايز يعادي الأخلاق ، و مستوى الأخلاق هو ما يجعل الأمم و المجتمعات سليمة ، و ليست العلوم كما يدعي المنطق العلماني ، لأن تناول العلوم بالأساس يصبح متاحاً متى توفرت الأخلاق في الوسط الاجتماعي ، هذا من جهة

و من جهة أخرى ، فإن الطبقية لا تسمح بتداخل المستويات لمتناولي الأفكار ، فبالطبقية يصبح مستحيلاً أن يكون العالم مفكراً و لا مثقفاً ، و لا المفكر مثقفاً و لا عالماً، …. الخ ، و عليه فإن بروز الطبقة المثقفة في الحقيقة لا يحدث إلا في المجتمعات الجاهلة ، حيث أن الجهل أساساً ليس هو ضد العلوم ، و إنما ضد الثقافة ، و بمعنى آخر ، فإن الطبقية لا تظهر إلا في المجتمعات التي تعاني من مشكلة الاستبداد ، فحيثما خيم الجهل وجد الاستبداد ، إذ الجهل هو الداعي و الحليف الأول للاستبداد

و من هنا قد يمكننا أن نطلق على الطبقة المثقفة بلغة تراثية مسمى : “حاشية السلطان” ، التي تمجد بحمد ربها السلطان ، ضاربة بأقوامها عرض الحائط ، ما دامت الغاية في النهاية كما يبدو من تشكل هذه الطبقة هو تحصيل المكاسب ، مما يفضي عليه ربهم الأعلى (و نعني به السلطان) ، بحيث أن الأخير مصدر ثورته هو مص دماء شعبه ، و بالمقابل فإن مصدر قوته و قوة حاشيته هو هذه الطبقية عينها ، لذلك ترى هذه الطبقة تحاول جاهدة المحافظة عليها ، فيتحولون بذلك إلى أعوان للمستبد ، و هم بذلك مستبدون مثل ربهم ، كما قرر عبد الرحمن الكواكبي في كتابه : “طبائع الاستبداد و مصارع الاستعباد”

فلا عجب أن تجد من طبائعها التعالي على العامة ، بحكم قربها من السلطان ، و بحكم قوتها و جاهها المستمدة من ربها السلطان ، فبدل أن تقرر مصاعب الأمة ، تجدها تقرها على الأمة ، على أساس أنها طبيعية ! و هنا يظهر جبن الحاكم و حاشيته (و الذي هو من طبائع الاستبداد) حيث يختبئون وراء وهم أكذوبة الطبقية !

لذلك تجد أصحاب هذه الطبقة يتصارعون فيما بينهم ، كما تتصارع العامة الغارقة في الاستبداد على رغيف خبز ! فتواجدهم ضمن هذه الطبقة يبدوا أنها وسيلة للحصول على أعلى مستويات الرخاء ، و خاصة في هذا الزمان ، الذي أصبح فيه الرخاء معيارا للكرامة و تفاضل الأمم ، فهذا ما حملته سفن العولمة الغازية لأقطار الأرض …

و هذا الرخاء هو ما يفيضه السلطان المستبد على حاشيته ، علما بأن شكل الاستبداد قد تغير بتغير نظم الحكم ، فلم يعد يتمحور حول شخص بذاته ، و إنما حل محله أنظمة و منظومات حاكمة (سياسية و اقتصادية)

ألا قبح الله الجهل …

من هنا يمكننا أن نلاحظ كيف أن تلك الطبقة المثقفة ، إنما ادعاؤها باختلافها عن العامة هو محض خيال ، فالطبقة المثقفة لابد أنها متلونة بلون مجتمعها ، فإن كان مجتمعها يعاني من الاستبداد ، فلابد أنها تعاني منه ، و العكس بالعكس ، بالتالي يصبح هذا الغرور و الادعاء باختلافهم عن العامة و انفصاليتهم عنهم ، مجرد أكذوبة يصدقها المستبدون ، فهم يعانون من نفس المصارع ، و يتطبعون بنفس الطبائع (و ربما هذه هي المحصلة النهائية للكتاب المذكور سلفا)

و قد لا يتوقف الأمر هنا ، فما عاد يخفى علينا أوجه صراع المثقفين اليوم ، لا لكي يصلوا إلى عرش السلطان فحسب ، بل لكي يجعلوا منهجهم هو منهج السلطان ذاته ! أو بمعنى أصح : أن يقنعوا السلطان بمنهجهم ، حتى يكون لهم الغلبة بتحصيلهم وجه السلطان ، و بالتالي تعود عليهم الفوائد المادية و المعنوية

و بما أن هذه هي أهدافهم ، فإنه لابد لمثقفينا اليوم (كما سائر بقية الأمم التي وصلتها سفن العولمة) ، أن يعانوا من التغرب بشكل أو بآخر ، فالمدقق حتى في سير الحركات الإسلامية ، يرى فيها منطقا غربيا معلق عليه لافتة “بسم الله الرحمن الرحيم” ! و لا يخفى علينا أن هذا التمايز ليس سوى تمايز سطحي ، و الذي هو أصل للصراع ، من حيث أصبح مبررا مقنعا له ! و الذي ينقسم إلى عدة أنواع : صراع الحداثيين فيما بينهم ، و صراع الإسلاميين فيما بينهم ، و صراع الحداثيين و الإسلاميين ، و قد تبين أنهم كلهم يعانون من التبعية ، أفضلهم من كان يعاني من التبعية للماضي الآفل !

و لا شك أن هذه الطبقة ، أو بمعنى أصح : هذه الفئة من أشباه المثقفين ، أنهم اختاروا الانعزال في الأبراج العاجية ، على الأقل على ضوء ما تبين في سالف السطور ، قد تكون فردية أو جماعية … و بهذا يفقد الأمل منهم تماما ، أن تكون الفئة المنورة لطريق الشعوب الإسلامية …

و لن يكون من ترف الكلام أن نقول ، بأن مشكلتهم تكمن في عدم قدرتهم على إدراك معنى الثقافة ، على الأقل عمليا و سلوكيا ، فالثقافة ليس مجرد علم متراكم ، و إنما هي فكر حي متفاعل مع الوسط الاجتماعي ، له أشكال و ألوان فنية مختلفة ، و ضوابط أخلاقية أصيلة تحكمها ، و أسلوب حياة يتعايش فيه الجميع بسلاسة …

و عليه فإن المثقف ليس هو من يراكم الكلمات المتطايرة من الكتب في حافظته . الكتب الواردة من اليمين و من الشمال ، و من الماضي و من الحاضر ، و إنما هو من يدرك موقعه و موقع أمته في الحاضر و في التاريخ ، و من ثمة يدرك مضامينها و مآسيها (أي مشكلاتها الواقعة) ، و على رأسها الاستبداد ، كما يدرك مضامين و مآسي الآخر …

إنه الشخص الذي يدرك مسؤولياته نحو نفسه و نحو أمته ، ثم للإنسانية جمعاء ، و هذا لا يتأتى لمتكبر يضع نفسه في برج عاجي …

إنه الشخص الذي يؤلمه ما يراه من مدى الاستلاب الثقافي الذي نعيشه اليوم ، و لا يتشدق بالكتب التي قرأها للتنويريين الغربيين و لا بمنتجاتهم الفكرية ، فكل همه أن يعيد لأمته مجدها و كرامتها ، أو يساهم في هذا ، و التي لن تعود إلا باستعادة شخصيتنا الثقافية ، بالتالي هو الشخص الذي يدرك حجم المشكلات التي تعانيها أمته ، و يحاول إيجاد حلول لها ، في النصوص التي تناولها ، أو حتى التي أبدعها ، أو أن يساهم في خلقها …

و عليه ، يوجب على نفسه تلقائيا بأن يساهم في تنوير العامة و الإصلاح فيها ، بما أنه الشخص الذي يمارس دور الموجه للأفكار (على الأقل) ، فيلعب بذلك دور المعلم و التلميذ في وقت واحد ، من العامة و من العلماء و المفكرين و كافة أطياف المجتمع على حد سواء

فغايته ليس أن يصطنع لنفسه مريدين بوجه الباطل ! و انما للوصول إلى الحق و الحقيقة ، و هي مهمة صعبة يدرك هو نفسه بأنه يستحيل عليه أن يوفيها لوحده ، و انما تحصل نتيجة سعي متواصل . و لا تحصل لفرد مهما كانت قوته ، و انما تحصل نتيجة تراكم و تكاتف الجهود ، بين نخبة المثقفين و بين بقية المجتمع ، و لا يضره في ذلك شيء ، بل بالعكس ، يضره أن لا يحدث هذا … فالحقيقة هي نتاج تفاعل الفكر مع التاريخ ، تاريخ أمة استفاقت و حولت مصيرها الذي هو مرتبط بتكاتف أفرادها ، برعاية سلطان الأخلاق

و عليه لا يعود بإمكانه أن يسجن نفسه في برج عاجي ، و إنما كما قلنا سابقا ، يعلب دور المعلم و التلميذ ، و الفاعل و الداعي للفعل ، بالتالي فكره هو عين فعله (و هذا معنى أن يكون قدوة للخير) … و بمثل هذا تتشكل النخبة المثقفة الدالة إلى الخير ، و لمثل هؤلاء على الأمة أن تنتبه لهم ، و تسمع نصحهم ، و تفقه قولهم ، و تصوب خطأهم (ان وجد)

حتى نصل إلى مجتمع و من ثمة أمة ، لا نرى فيها طبقة مثقفة ، و إنما نخبة مثقفة غير متميزة بكيانها ، و إنما ظاهرة بقوة أثرها ، و التي استمدت قوتها من مجتمعها ، كما تستمد هي من قوة مجتمعها ، فبهذه الشروط الثقافية (الأخلاقية و الفكرية و الاجتماعية) تستمد الأمة قوتها ، فيحل خليفة الله فوق الأرض محل الإنسان الدارويني الحديث !

فالأمة التي يكون مثقفيها ظاهرين بأثرهم هي الأمة القوية ، و الأمة التي يكون مثقفيها ظاهرين بشخوصهم هي الأمة المنحطة ، و الأمة التي يجمع مثقفيها بين الأمرين هي أمة تقف على منحدر الانحطاط …

و الله أعلم

عن فوزي بسام

mm
كاتب جزائري ، مهتم بالفكر و الفلسفة ... و التفكر بهما في خلق الله ، يبحث عن الحق و الحقيقة ، ﻷنه لا يستقيم حال إلا بالحق ، و ﻷن عز اﻷمة لا يستعاد إلا بالحق .

أضف تعليقاً