الرئيسية / احدث التدوينات / العبث عند ألبير كامو

العبث عند ألبير كامو

95940033

بقلم: سامح سليمان

العبث ليس هو السكر و التسكع في الطرقات كما يعتقد العامة ، فلسفة العبث جذورها قديمة جداً تعود إلى التراجيديا الإغريقية _ للقراءة أنصح بكتاب بذور العبث في التراجيديا الإغريقية للدكتورة سامية البنهاوي مرجع أكثر من هام _ ولكن اشتهرت حديثاً بواسطة الرواية والقصة والمسرح ومن أشهر أعلامها يوجين يونسكو وجورج أداموف و بشنر و الأكثر شهرة الروائي و القاص والمسرحي والصحفي الفرنسي الجزائري ألبير كامو ( 7 نوفمبر 1913 – 4 يناير 1960 ) كامو كان ثاني أصغر حائز على جائزة نوبل كما أنه أصغر من مات من كل الحائزين على جائزة نوبل .

من أعماله: السقطة _ الغريب _ الطاعون _ العادلون _ كالبجولا _ الموت السعيد _ الإنسان المتمرد

 تعريف العبث : العبث (Absurde) الكلمة الفرنسية الأصل تفسر حسب قاموس لاروس بأنها اللامعقول ويرجعها إلى الأصل اللاتيني ( absurdus ) الذي يتكون من المقطعين ab بمعنى كليةً + surdus بمعنى أصم ، كما تفسر أيضا بما هو مناف للعقل .

تتلخص فلسفة العبث لدى كامو في إعادة التوازن إلى العالم وذلك بخلق معنى للحياة الإنسانية برغم العبث المسيطر على الوجود الإنساني _ بحسب رؤية تيار أو مدرسة العبث _ لذا فقد كان كامو من المؤيدين لفكرة الخلاص بالفن وضد الانتحار لأن الانتحار بحسب رؤيته تثبيت ودعم للعبث وسطوة الموت، ورؤية كامو الفلسفية والفنية مستقاة بدرجة كبيرة عنده من أسطورة سيزيف التي تتشابه كثيرًا مع أسطورة برومثيوس ، وهي تتلخص في عقوبة الآلهة لمن سرق المعرفة أو النار المقدسة وأعطاها للبشر فعاقبته بأن تأكل الطيور كبده كل يوم ثم ينمو له كبد من جديد فتعود الطيور لتأكله وهكذا إلى ما لا نهاية وفى قصة أخرى يدفع حجراً إلى قمة أعلى جبل في العالم وعندما يصل إلى القمة يدفعه الحجر إلى القاع من جديد ليعود لممارسة نفس الفعل من جديد .

يرى كامو أن الحياة عبثية وبلا معنى لكن على الإنسان أن يخلق لها المعنى الذي يكمن عنده في تحقيق قيمة للوجود الإنساني بالتمرد على العبث والسعي الجاد لتفعيل الوجود الإنساني تفعيلاً حقيقياً بأن يصير المرء فاعلاً وخالقاً لذاته و هويته الفردية حتى وأن استمرت حالة العبث واللا معنى المسيطرة على الوجود الإنساني ، فالفردية والذاتية هي لب الفلسفتين الوجودية و العبثية _ وأعتقد أن فلسفة كامو هنا تتشابه كثيراً مع مدرسة العلاج بالمعنى بإرادة المعنى للعالم الشهير فيكتور فرانكل الذي كان أسيراً في معتقلات النازي ورأى زملاءه يتخلصون مع آلامهم و عذابهم داخل المعتقل النازي بتسلق السور المكهرب للتخلص من حياتهم ولكن فرانكل أختار أن يخلق معنى ما لحياته ساعده على التحمل والبقاء حياً ، كما أعتقد بوجود تشابه مع قصة الثلاثمائة اسبرطي الشهيرة من قد اختاروا الاستمرار في الحرب برغم هزيمتهم المحتومة ولكن المعنى لديهم تجسد في الصلابة واستمرارية المقاومة و رفض المذلة والإصرار على رفض كل مغريات الجيش الفارسي وقائدة وعدم الانبطاح أمامه حتى وان كان ذلك القرار يعنى إنهاء حياتهم .

من أقوال كامو الشهيرة : بالتمرد يولد الوعي، لذا فالبداية هي بالتمرد ليخلق المرء ذاته ويوجد المعنى الخاص به، التمرد على الصياغة المجتمعية للفرد وقولبته بأن يصير فرداً ضمن القطيع المتناسل كأحقر الكائنات وأقلها وعياً .

و إن اتفقنا على تصنيف العبث كمرادف لعدم الجدية والابتعاد عن احترام الذات ،أعتقد أن العبث لا يكمن في رد فعل ميرسو بطل رواية الغريب التي حصل بموجبها كامي على جائزة نوبل عام 1958بفارق صوت واحد مع الكاتب اليوناني العظيم نيقوس كزنتزاكس صاحب المسيح يصلب من جديد و زوربا اليونانى ، و لكن العبث يمكن في العالم الذي تمرد عليه ميرسو، اللامبالاة هي موقف جاد و شكل من أشكال التمرد على العالم التوتالاري المقولب في ظاهره و باطنه، العالم الذي يعتبر الفرد الصائب _ الطبيعي _ هو من يتخذ ردود أفعال محدده تجاه الأحداث .

أن يصير المرء ذاتاً متفردة تلك هي المسألة، ميرسو أختار أن يصنع و يصير فعلاً و ليس رد فعل اتفق المجتمع على صوابه و شرعيته، اختار أن لا يحزن على موت أمه، اختار أن لا يدافع عن ذاته أمام القضاء، أختار الإعدام و لم يرضخ لإصرار المجتمع على إذعانه لاتخاذ رد الفعل المفترض و هو دفاعه عن ذاته للهروب من الحكم بإنهاء حياته .

اللامبالاة أو حتى العزلة الكاملة سلوك إيجابي و ليس سلبياً، السلبية قد تتمثل و تتجسد بضراوة في اتخاذ ردود أفعال مفترضه و معقولة و منطقية بحسب التصنيف المتفق عليه مجتمعياً، الحياة يجب في الكثير من الأحيان أن تعامل بخفة، و بالتحرر من الأثقال التي تستنزف حيواتنا كالبعوض _ أنصح بقراءة رواية كائن لا تحمل خفته للكاتب التشيكى ميلان كونديرا و كذلك رواية حفلة التفاهة لنفس الكاتب فقد عالج تلك الفكرة ببراعة وسرد شائق وتصوير أكثر من ماتع _ و تختزل وجودنا في الوجود البيولوجي و إشباع الغرائز الأساسية كما تحيا السوائم .

( أن يصير المرء موجوداً معناه أن يمضى نحو الاستثناء ، فليمضى القطيع إلى مصيره وليصعد الاستثناء جبلة بمشقة وفى الصحراء دائماً عاش الصادقون : فريدريش نيتشه)

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة