الرئيسية / العدد الرابع والعشرون / العدُّ حتى تسع جَميلامات

العدُّ حتى تسع جَميلامات

10892022_502310433245385_2324852056142482756_n

مارك باترسون

ترجمة: أزهار أحمد

**

بينما كنتُ أمشي كان رأسي باتجاه الأرض بحثاً عن شقوقٍ بالرصيف ، الممر الجانبي رماديٌ ووعر ولكن حذائي الرياضي الأبيض القذر بالٍ ومُريح ، وبما أني خطوتُ بقدمي اليسرى على أربعةِ شقوق ، فإنني الآن أحاول أنْ أجد أربعةً أخرى تخطو عليها قدمي اليمنى ، يجب أنْ أجد هذه الشقوق الأربعة قبل أنْ أصل المستشفى . فجأة ، زوج من أحذية دوك ـ مارتن اعترضني فتوقفت عن السير،رفعت رأسي ببطءٍ فرأيتُ سروالاً أسود من الجينز ، مُمزقاً من الركبة ، ثم رأيتُ حزاماً جلدياً محلولاً وقميصاً أزرق مُعرَّقاً مكتوباً عليه ” شاطئ دايتونا ” ومخربشاً على واجهته باللون الأصفر ، ” عذراً ” قالها رجلٌ أصلع يضع نظارات سوداء ، وهو يبتعد عن طريقي . أتعجبُ لماذا يخفي عينيه .

غيومٌ ثقيلة بنهاياتٍ سوداء أخفت الشمس طوال اليوم ما جعل كلَّ شيء حولي يبدو رمادياً تقريباً ، ومع خلو الطريق بدأتُ سيري من جديد ، وقررتُ تفادياً لأي تصادم آخر أنْ أرفع رأسي كلَّ خمس خطوات للتحقق ممَّا يمكن أنْ يعيقني ، مازلتُ أشعر بتلك الشقوق الأربعة التي وطأتها بقدمي اليسرى ، وذكرى قدمي وهي تدوس على هذه الشقوق استوطنت حذائي ، خطوة … خطوتان … ثلاث  من المهم أنْ أجد شقوقاً جديدة على الرصيف ، أربع خطوات … خمس ثم رفعت رأسي . قدمي اليمنى تشعر بالفراغ وتريد أشياء تجعلها متوازنة.

ينتهي الشارع هنا ، ويصبح الممر الجانبي جرفاً صغيراً يُطل على الرصيف بستةِ إنشات للأسفل . رفعتُ رأسي وانتظرتُ هدوءَ الطريق قبل محاولة عبور نقطة التقاطع ، بعدما تفحَّصَت عيناي أرجاءَ الطريق بأسرها ،أرسلتا لدماغي إشارةً بأنَّ الشارع واسع بينما أقف ، ولكنه يضيق تدريجياً ليتحول بعد ذلك فراغاً بنهاية الطريق ، كما يمكنني أنْ أرى على الجادة المواجهة لائحة محل البقالة المُصَمَّمة على شكل عين بومة حمراء كبيرة والتي تبدو في حجمها الآن ضعف المبنى السكني بالجادة الأخرى بعد عشر بنايات ، والذي أعلم تماماً أنه بارتفاع خمسة طوابق على الأقل . قال لي أبي منذ زمن طويل إنَّ أشكال أعيننا هي التي تجعلنا نرى الأشياء مثل الشوارع ضيقة والمباني المرتفعة تبدو صغيرة جداً من البعيد ، كما أخبرني عن نظاراتٍ خاصة صُنِعت خصِّيصاً لتصحيح هذا العجز في أعيننا ولكنه لم يتمكن من شراء واحدة لنا ، وعندما سألته متى سيتمكن من شراء واحدة لنا ، أخبرني أننا سنملكها بعد تسع جَميلامات من الأسابيع . سألته : كم يطول هذا ؟ قال : إنه وقتٌ طويل ، فتسع جميلامات هي التكافؤ العددي للحرف ي ، إنه آخر عدد .

خلا الشارع للحظة من أي سيارة ماعدا شاحنة خضراء غامقة صغيرة تبدو بحجم الكلب لذا عبرت ، رصيفُ الطريق لونه أسود أكثر من الممشى الجانبي بل إنه يقترب للأسود أكثر منه للرمادي . استرعى انتباهي شق صغير يشبه قطعة معدنية لامعة بجانب فتحة مجارٍ مغطاةٍ بغطاءٍ معدني صدئ . لذا ، عدَّلت من مشيتي ليتسنى لقدمي اليمنى أنْ تخطو عليه . الخطوة الأولى فوق الشق والثالثة للانطلاق ، أصبحت الآن على الممشى الجديد ، رفعتُ رأسي بسرعة لأتفحص العوائق ، ثم وثبتُ فوق ظل لائحة البومة الحمراء مُستكملاً طريقي ، بدأ المبنى السكني يكبر قليلاً ويرتفع عن ذي قبل ، ويمكنني أيضا أنْ أرى مقعداً خشبياً أخضر أمامه .. يا إلهي ، لم ألحظ الشق الجديد الذي خطوتُ عليه بقدمي اليسرى عرضاً ، أصبح العدد الآن خمسة إلى واحد لصالح القدم اليسرى ، أعلم يا قدمي اليمنى ، أعلم ما تشعرين به الآن ولكن لا تقلقي ، أنا متأكد من وجود شقوقٍ أخرى تجعل كلَّ شيء متساوياً قبل أنْ نصل للمستشفى .

تتدلى ذراعاي وأنا أمشي . قال أبي إنَّ هذا أمر طبيعي ، لأن الإنسان تطور عن الحصان وما زالت ذاكرته تحتضن طريقة المشي القديمة على الأربع . ويقول أيضا إنَّ اليدين تعتقدان أنْ تمايلهما جزءٌ من المشي ولذلك يجب أنْ نترك لهما مطلقَ الحرية في ذلك ، وأنا أعبر سارية الإنارة . لمستُ العمود المعدني بجانب يدي اليسرى المتمايلة ، بقي وقع الارتطام فيها . توقفت عن السير ، عدتُ وعبرتُ العمود الرمادي من جهتي اليمنى محاولاً أنْ أعيد الحادثَ ذاته الذي وقع لليد الأخرى . لكنني أخطأت نقطة التلامس ، ولمسته بظاهر يدي وليس بجانبها . لذا وقفتُ أمام العمود مباشرة . بداية ، لمست العمود البارد بظاهر يدي اليسرى بهدوء متخلصاً من انعدام المساواة البسيط . ثم لمسته بجانب يدي اليمنى في محاولة لإصلاح المشكلة الأصلية . عادت يداي لوضعهما الطبيعي ، ويمكن لهما بدءُ السير من جديد. هناك شق نما بداخله بعض العشب الأخضر عند قاعدة العمود ،خطوت عليه مرتين بقدمي اليمنى … أعلم أني غششت قليلاً هنا ولكن العدَّ الآن أصبح خمسة إلى ثلاثة لصالح اليسرى .

أحياناً يصبح من الصعب الانتباه لكلِّ النقاط . لهذا أحب وأنا أمشي أنْ أعتني بالمشاكل الصغيرة التي قد تواجهني مثل مشكلة عمود الإنارة التي صادفتني الآن ، وذلك كي لا أضطر للدخول في مشاكل مستعصية من الصعب حلها . كنت قد اعتدت ألا أهتم بتقسيم الأشياء ولكن كان ذلك قبل أنْ يخبرني أبي يوما بأنَّ الجسد يحب أنْ يكون كلُّ شيء متساوياً .

كان ذلك في مساءٍ دخلت عليه وهو في غرفة المعيشة ووجدته واقفاً مقابل الحائط بجانب رف المدفأة وبدا كأنه يعزف وهو ينقر بأصابعه على الجدار ، وحين سألته لِمَ يفعل ذلك أجاب بأنه يحاول تعديل نظام حاسوب المنزل المركزي . لكني لم أرَ أيَ أزرار أو أي شيء آخر . قالت أمي التي كانت مستلقية على الأريكة مُمسكة فوق بطنها بكأس فارغ : ” قل له ماذا تفعل بالضبط ؟ ” . وفعل قائلاً : ” اسمع يا تومي ، هناك نحلٌ تحت سريري ولا أحب أنْ يخرج ليلاً ويلسعني وأنا نائم لذا عليْ أنْ أجعل كلَّ شيء في جسمي متساوياً .

” متساوياً ؟ ” سألته . سمعتُ أمي تهمهم ثم نَهضتْ عن الأريكة واتجهت للمطبخ . أجابني : ” نعم ، متساوياً “. واسترسل : ” كما تعلم يا توم كيف يُصادف أحياناً وأنت تمشي في الصالة مثلاً أنْ تلمس إحدى يديك الجدار من غير قصد . لذا إنْ أردت ألا يلسعك النحل وأنت نائم فما عليك إلا أنْ تلمس الجدار بيدك الأخرى وبذا تتساوى أحداثُ يديك . يجب أنْ أذهب للنوم ، ولكن لأني لم أتابع كل ما حدث لأصابعي اليوم ، فعليْ الآن أنْ أجعل كلَّ شيء متساوياً “. أشاح عني واستمر في نقر الجدار .

قلتُ له : ” ولكن ليس هناك أي نحل تحت سريري يا أبي “

ردَّ علىْ : ” لأنك ما زلت في السادسة يا تومي والنحلُ لا يأتي للناس إلا عندما يبلغون السابعة “

عادت أمي للغرفة وصوت قطع الثلج يعلو وهي تتحرك في كأسها . قالت : ” بحق الله يا أرنولد ما الذي تخبره به الآن ؟ ” لم يجبها أبي وإنما استمر في عمله لمساواة كلِّ شيء. أخذت أمي جرعة من كأسها ، مسحت ذقنها واستلقت على الأريكة .

سألتُها : ” هل لديك نحل يا أمي ” أغلقت أمي عينيها وتنهدت آخذة جرعة أخرى ، ثم أزاحت رأسها قليلاً عن مخدة الأريكة وبدأت بقضم بعض قطع الثلج . لم تعرني انتباهاً وبقيت عيناها مغلقتين فمشيت نحوها وهززتها من ذراعها . كانت شفتاها رطبتين ولزجتين ، ورائحتها كرائحة الدواء . مَسحتْ على صدري حين عطست وأعدتُ عليها السؤال ، فقالت : ” نحل ؟ أنا ؟ لا يا تومي لقد قتلتُ نحلي منذ وقت طويل ، أمَّا والدك فلم يستطع التخلص من نحله ، هذا كلُّ ما في الأمر ” . ثم بدا وكأنها نائمة وهي مُمسكة بكأسها فوق بطنها .

إنْ تمكنتُ من العثور على شقوق بالممر لقدمي اليمنى فسأتمكن هذه الليلة من إبعاد النحل عني . لقد نجحتُ في إبعاد النحل عني لخمس عشرةَ سنة كاملة . ما يهمني الآن هو معادلة قدميّ ، لأنَّ النحل يهوى لسع الإنسان من قدميه . مازالت المعادلة خمسة إلى ثلاثة لصالح اليسرى . كنت أذكِّر نفسي بين الحين والآخر بالانتباه لأي شيء يمكنه أنْ يعيق طريقي فربما اعترضتني علبة فارغة رماها أحدهم . المبنى السكني الذي يتكون من خمسة طوابق ، والذي يوجد أمامه المقعد الخشبي الأخضر يَبعد بضع خطوات عني . توقفت عن السير والتفت لأرى كيف أصبح حجم علامة عين البومة الحمراء الآن . تلقى دماغي من عينيّ إشارة بأنَّ العلامة الآن أصبحت بحجم فطيرة حَلَقية صغيرة مع أنها في الحقيقة بطول خمس أقدام تقريبا . وحين كنتُ ألتفت سحبت جانب قدمي اليمنى على الرصيف بدون قصد ، بينما باطن اليسرى لامسَه فقط . لذا ، سحبتها على جانبها بطول الممر. واحد لواحد ، متساويتان .

بدأت أتثاقل في مشيتي نحو المستشفى ، خطوة … خطوتان … ثلاث . ربما يكون لديهم تلك النظارات التي تُصلح النظر ومن المحتمل أنْ تكون محفوظة ًفي خزانة أو في أي شيء آخر . أربع خطوات … خمس … ثم رأسي لأعلى . لمحتُ صندوقَ هاتفٍ عام في نهاية الشارع ، فركضتُ عابراً الطريق للشارع الآخر . لا أريد لأي شرر يمكن أنْ ينطلق من سماعة الهاتف أنْ يحرق جلدي . هناك مقعد خشبي أخضر آخر على جانب الطريق وبجانبه شق أيضاً ، وقفت عليه بقدمي اليمنى ، أصبح العدد الآن خمسة إلى أربعة لصالح اليسرى .

أنهكني الركض تجنبا للشرر فقررتُ الجلوس قليلاً . التفتُ ووجهي للشارع ، وكان منتصف المقعد خلفي تماماً . رفعت يديّ للأعلى وجلستُ ببطء . بالرغم من أنني كنت حذراً إلا أنَّ جانب عجيزتي الأيمن لمس المقعد قبل الأيسر . وقفت وهويت عليه بطريقة الجلوس المعتادة ولكن بدون أنْ أنزل يديّ المعلقتين ، كي لا تلمسا أي شيء حتى أشعر بالمقعد على عجيزتي بأكملها . وقفت مرة أخرى ويداي متعبتان وأعدت جلستي ثانية وكلي أمل هذه المرة في أنْ يلامس المقعد جانب عجيزتي الأيسر. تفحصت ساعتي ، إنها الثانية عشرة واثنتان وعشرون دقيقة ، تفحصت ساعتي الأخرى إنها تشير إلى الوقت ذاته . ما زالتا متزامنتين . رائع ، كلُّ شيء مستقر، ثنيت يدّي فوق حجري .

 

بما أنني في استراحة الآن قررتُ أنْ أستغل الوقت في الوصول إلى تسع جَميلامات لقد أخذت هذه المسألة مني وقتاً طويلاً ولكنني مصممٌ على أنْ أعد بكل طريقة لأصل إليها . عندما كنت قد بدأت العدّ من الرقم واحد لأصل التسع جَميلامات كان براين مازال رئيساً للوزراء . إنه أمر ممتع أيضا فكلما اقتربتُ من نهاية الأعداد كلما كانت أسماؤها مضحكة أكثر فأكثر .

 

هذا الصباح ، عندما كنتُ عائداً إلى منزلي ، قررتُ ألا أفعل شيئاً سوى الجلوس في باحة المنزل والعدّ ، كنتُ مصمماً على إنجاز بعض التقدم . وعندما جلستُ على مقعدي الهزاز القديم وجدتُ أنني وصلتُ إلى تسعة سانتاكلوزات ، تسع رقائق ذرة ، تسعة أشربة زنجبيل ، بعد شراب الزنجبيل أتى دور الحلمات ، لقد ضحكتُ كثيراً عندما كنتُ أعدّ الحلمات فلم أكد أصل لست حلمات حتى ركضتُ نحو المنزل لإخبار أبي .

 

دفعتُ الباب براحتيّ يديّ في الوقت ذاته ودخلت المطبخ ، يا له من عمل رائع . كنتُ متلهفاً لرؤية أبي كي أتباهى قليلاً ، لأنه يحاول العدَّ إلى تسع جَميلامات أيضاً لكني كنتُ أسبقه لأنه عالقٌ عند سبعة مانيتوبات . لم أجد أبي في المطبخ ، لا أثر له هنا بالرغم من أنني لاحظتُ لوحة تقطيع الخضروات على طاولة المطبخ وعليها حبة طماطم مقطع نصفها إلى شرائح رفيعة فوق وبجانبها وعاء مملوء بالطماطم . ورأيتُ قطرات من عصير الطماطم منتشرة على الأرض فتبعتها حتى قادتني هذه القطرات القليلة إلى غرفة المعيشة ووجدت أنَّ القطرات أصبحت أكثر على السجادة البنية في منتصف المكان ، لم يكن بالغرفة سوى أمي التي أصبحت رماداً دائماً في المزهرية الخضراء الموجودة فوق المدفأة .

 

قلتُ لها : ” مرحبا ، أبحث عن أبي ” وركضتُ نحو السلم المؤدي إلى غرفة والديّ . كانت قطرات العصير على السلم كله ، كنتُ قد بلغتُ نصف السلم قبل أنْ اكتشف أنني كنتُ أضغط على قدمي اليسرى أكثر من اليمنى وأنا أصعد ، عدتُ نازلاً كلَّ درجة بقفزات متشابهة من كلتا قدميّ في الوقت ذاته . ثم صعدتُ السلم مرة أخرى إلى منتصفه ضاغطاً على قدمي اليمنى أكثر . ونزلتُ مرة أخرى لأبدأ بشكل طبيعي من جديد . ومن غير أنْ أشعر لامَسَتْ يدي اليسرى الحائط وتوجب على يدي اليمنى أيضاً أنْ تلمسه ، وبينما كنتُ أحاول تعديلَ هذه المسألة ، عضضتُ على لساني من جانب أسناني الأيسر ، أخذتُ نفساً عميقاً وقلت يجب أنْ أهدئ من روعي فإنْ لم أكن حذراً سأظل طوالَ يومي عالقاً أسفل السلم .

 

و قبل أن أصلح مشكلة عدم المساواة في فمي، ناديت أبي : ” أبي ، هل أنت هناك ؟ “

 

فسمعتُ رده : ” نعم ، هل يمكنك مساعدتي فأنا أحاول أنْ أصل للتساوي ؟ “

 

أغمضتُ عينيّ وركزّتُ في حل مشكلتي بأنْ أجعل كلَّ شيء متساوياً بأسرع ما يمكن. عضضتُ على لساني بفكي الأيمن وعيناي مغمضتان وكنتُ على وشك أنْ أصعد السلم من جديد حتى أدركت أنَّ عينيّ كانتا مفتوحتين عندما عضضتُ لساني في المرة الأولى . فقد عضضتُ على لساني بالجانب الأيسر من أسناني وعيناي مقفلتان ثم عضضتُ عليه بالجانب الأيمن وعيناي مفتوحتان . ” توم ؟ ” سمعتُ أبي يناديني . ” أنا قادم حالاً يا أبي ، عندي معضلةٌ للمساواة مرة أخرى ” فرد : ” حسناً ، خذ وقتك ” .

 

قررتُ التوقف عن تعريض نفسي للمصادفات وصعدتُ الدرجات المتبقية بقفزة واحدة من كلتا قدميّ . وقعتُ بنهاية السلم واضطررتُ لملامسةِ الأرض عدة مرات بكوعيّ وأنا نائم على بطني وحين تساوى كوعيّ أخيراً نهضت بحذر ضاغطاً براحتيّ فوق السجاد بالقوة نفسها واتخذت ركبتيّ هيئةً واحدة في آن واحد ، ثم وقفت ببطء . بعدها ربّت بطرف فردة حذائي اليمنى مرتين على الأرض ثم باليسرى مرة ثم اليمنى مرة أخرى لأكون متأكداً . وقفت واتجهتُ لغرفة أبي . ودفعتُ الباب بكلتا راحتيّ في الوقت نفسه .

 

وجدتُ أبي عارياً إلا من ملابسه الداخلية جالساً على الأرض في بركة من عصير الطماطم بين السرير وطاولة الزينة . كان قد جرح ساقه اليمنى جرحاً طويلاً بسكين الطماطم بداية من قدمه ومنتهياً إلى ركبته . ورأيتُ جرحاً مماثلاً في ساقه اليسرى ، وعلمتُ لحظتها أنني أبداً لم أكن أتتبع قطرات عصير الطماطم .

 

” هل أنت بخير يا أبي ؟ “

 

نظر إليّ ثم هزّ كتفيه ، كانت ملابسه ملقاة بجانبه وملطخة باللون الأحمر . ثم أشار إليّ بسبابته اليسرى المقطوعة على شكل شرائط ، ووضع السكين على الأرض ومد لي سبابته الأخرى المقطوعة بالطريقة نفسها وسألني : ” هل تعتقد أنهما متساويتان ؟ “

 

كان هناك العديد من الجروح على ذراعيه ، وكتفيه العاريين ، وصدره بالإضافة إلى ذينك الجرحين الجديدين على ساقيه . أبي يحب فطيرة الطماطم المحمصة ولكنه ينسى أحياناً وضع القفازات حين يكون راغباً فيها بقوة . ” تبدوان رائعتين أبي ” كذبت عليه : ” أصابعك متساوية ” . في الحقيقة ، كانت سبابته اليسرى أسوأ قليلاً من اليمنى ، ولكني اعتقدت أنَّ بضع لسعات من النحل ليلاً أفضل من أنْ يأتي على كامل جسده بالتقطيع . أخذت السكين ومررتها تباعاً على يديّ مرة على اليمنى وعلى اليسرى أخرى ووقفت قبالته . قال لي : ” انتظر لم انته بعد ، أنظر إلى هذا الجرح هنا ” ، وأشار إلى ساقه اليسرى ” إنه ليس بنفس استقامةِ الجرح الآخر “

 

” أعتقد أنهما جيدان يا أبي ” ، ” هذه المرة أنت تنزف أكثر” . ثم قلت له : ” يجب أنْ نتصل بأحد للمساعدة ، أظن أنك بحاجة لطبيب ” قال : ” لا يا توم ، إحذر الشرر “

 

” حسناً سأذهب لإحضار الطبيب ، انتظرني هنا فقط “

 

بعد أنْ وصلت في العدّ إلى تسع حلمات ، جاء دور الشمعدانات . بعد أنْ وصلت لتسعة شمعدانات جاء دور صخور الحديقة. بعد تسع صخور الحديقة . بدأت بأكواز الذرة وبعد تسعة أكواز تأتي فراشي الصبغ . بعدها فرشاة صبغ فرشاتان ثلاث فراشٍ صبغ . لا أستطيع الانتظار لأعرف ماذا سيأتي بعد تسع فراشي يجب أنْ أذهب للمستشفى. نظرت إلى ساعتيّ ، الوقت فيهما يشير إلى أنني ضللت هنا مدة إحدى عشرة دقيقة وأربعين ثانية . سأنتظر حتى تصبح إثنتي عشرة دقيقة ثم أذهب . إذن لدي بعض الوقت لأكمل العدّ . ” أين وضعت السكين ؟ ” أربع فراشي صبغ ، خمس فراشي . ساعتاي تأذنان لي بالقيام الآن لأنَّ الإثنتي عشرة دقيقة قد اكتملت . نهضت بكل حذر وهدوء .

 

تابعتُ طريقي على الممشى من جديد ، يلوح لي المستشفى الآن وأراه أكبر قليلاً من صندوق حفظ الخبز . تفحصتُ الرصيف بحثاً عن شقوق جديدة . ست فراشي صبغ ، سبع فراشي صبغ . هناك شق ، خطوتُ عليه بقدمي اليمنى . تعادلت القدمان !! أصبح العدد الآن خمسة إلى خمسة ، تعادل آخر . قدماي تشعران بالفراغ الآن . ثمان فراشي صبغ ، تسع فراشي صبغ . بدأت الشمس تظهر من خلف السحب الداكنة وكلُّ شيء حولي يبدو أصفر قليلاً . أغمضتُ عينيّ ولكن عيني اليسرى أغمضت قبل اليمنى .

سأصلح ذلك لاحقاً .

 

لنرَ الآن أين وصلت ، تسع فراشي صبغ ، ماذا بعد ذلك ؟ يا إلهي! إنَّ هذا غير متوقع . العدد القادم هو عدد الجَميلامات .

 

جَميلامات واحدة ، إثنتان جَميلامات

 

سينتهي كلُّ شئ قريباً .

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً