العرب

Two cameleers camel drivers with camels in dunes

بعد المعارك الجبلية التي خاضوها ضد البلاك وتش في تاماي ، الأشباح التي تمتطي النياق على حدود مدينة الشيخ برغوت . عندما ظهروا في أعلى وديان سلالاب ، كانت المدينة تغط في أقمصة ضباب الفجر ، يقصدون الشيخ الذي تهابه السفن ، محيين مجده في البحر الأحمر .
تغطت أجسادهم بقطعتين طويلتين من القماش تحتها خناجر الشوتال ، و بشعورهم الكثيفة التي تقطر ودكاً و خلف أشجار المسكيت ، كانوا يتحركون بضآلة و يلفهم الهواء الحار القادم من البحر ، حاملاً عفونة سبخة .

*
قبل المعارك الجبلية، كانت الأخبار القادمة من تاماي مخيفة، جيرالد جراهام و قوات النخبة يحشدون للانتقام، والقرية التي ظلت ساهرة لمدة أيام، حتى سفوحها العلوية كانت جاحظة بسبب النعاس، يوشوشها الأفق الرمادي للجبال، عدا الغربان الجبلية التي ظلت تنعق فكل شيء قيد الموت حتى الكلاب والإبل التي طوت رقابها هرباً من النحر .

*
جاء الفيزي ويزي الملثمين يطرقون جدراً زمانية، مالئين بصراخهم بيوت الخشب ، شاقين تلك السحب التي صبغت بالأبيض سماء الأصيل ، جاءوا إلى القرى المنطفئة في شكل حِمم ، نبوءة قديمة بحريق .

*
بدت القرية و كأنها تنتظرهم، فقد أعدت كل شيء حسبما اتفق قائدي المعركة من الطرفين مع ملائكة الموت، الجند المدربون على الاستلقاء عند الموت، الأشجار التي خبأتهم في مواقعها، دراويش المهدي الذين يحفظون ما يقولونه عند الموت عدا الفوضوية التي إستلقوا بها عند المدافع ، حتى الذين دفنوا أجسادهم كفخاخ رقدوا ثانية، كل شيء مقدر – قالها الإمام، ورد السير جيرالد جراهام وهو يضع وسام الملكة فكتوريا في أعلى صدره، كل شيء مرتب .

*

عادت الذخيرة تتدفق من جديد في الليل، بقي العساكر يستمعون صوت الرصاص بالليل، و كانت الصرخات التي تهبط على قلوبهم ثخينة، مثل الدموع. تحولت رياح السموم وعكست اتجاهها، وسُمِع : ” مغفرة الذنوب و بعث الجسد، آمين “. حيث كانت السماء تصلي و تدلت نجومها كمسبحة و فرشت ظلمتها الأبدية ثم حبست الطيور وأغلقت الباب .

*

خرجت ثلاثة من الإبل و هي تعدو حيث مربع الجيش الإنجليزي، رأى الجند ركضها المجنون و قوائمها المنحنية كما لو أنها ستنكفئ، لم يكن ثمة من يمتطيها، كانت مرتعبة من شيء خلفها، خلف الغبار الذي أثارته النياق بدت ملامح بشر بالإرتسام على التراب العالق بالجو، وشيئاً فشيئاً اتضحت معالم سيل جارف، الرصاص حرك تلك العتمة و ذابوا كظلال و مع ذلك صرخ أحدهم : إنهم ينبتون و أشار إلى أسفل قدمه حيث اليد الممسكة بسكين الشوتال تقطع عصبه أو أنه أصبح قاسياً لكثرة شربه العرق حتى غدا كالحطب .

*

ربما هو صدى محبوس في تلال تاماي أو تربة مبللة، فبعد أول صرخة يتضاعف الصوت في الكتل الصخرية، فمن أقفل الباب وقتها لم يترك للجثث الراحة و لا حتى أن تجف من الدماء، تركوهم في جوف مرافعين – المكان الوحيد الجاهز لولادتهم مرة أخرى .كان الموت هو الاحتمالات اللانهائية للفرص، حتى الجنرال الإنجليزي الذي وضع مسلة كتذكار لضحاياه لم ينتبه بأنه باع رعب جنوده، عندما أخرج أوراقه للقدر الذي أخبره :أنتم مدينون بالكثير .

*

عندما خرج الشياطين من التربة، كانت المدافع تدوس الأشجار المتعبة، بصراخ بالي مستعمل، و بخفة راقصي البيبوب أنهكوا الشجاعة التي كانت موجودة في زمن مضى، و إلا من أين تخرج هذه الأوراق الحية .

*

في كل فجر تهتز القرية كرعشة من فكر بالرجوع، و تبقى سماؤها المشخبطة بالسحب مثل جرح مفتوح بين ظلمة التلال. يخرج الفيزي ويزي كالكلمات التي تسمع في الأحلام و من بين الدروب الكثيرة التي تصله للبحر، يتخذون تلك القرى كي يمروا في أناشيد البداوييت، دون أن يجدوا ما يسدوا به رمقهم من الموت .

عن أيمن هاشم

mm
قاص وتشكيلي من السودان