الرئيسية / احدث التدوينات / الغربة : قراءة لقراءات .

الغربة : قراءة لقراءات .

tumblr_mmapbajtul1rgk6n3o1_500

في رواية ” حياة وزمن مايكل ك ” ترغب والدة مايكل ك ، العجوز المحتضرة ، في العودة الى مسقط رأسها ، لتقضي أيامها الأخيرة ، وتلح على ابنها الأبله والمشوه منذ ولادته والذي لا يفهم أو يجيد في حياته سوى بعض الأعمال اليدوية ، أن يحملها الى هناك . ولأنهما بلا أقارب ولا يملكان شيئا ، يقوم مايكل بصنع عربة صغيرة شبيهة بعربة نقل المشتريات ، يضع أمه داخلها وتبدأ رحلتهما في ليلة باردة ، في الطريق يجدان كل الشوارع مسدودة بجنود الجيش ، ويمنع السير فيها ، يضطران الى التنقل عبر الغابات والهرب من قطاع الطرق ، لكنه لا ينجح في ارجاع والدته الى قريتها ، لأنها تموت أثناء الرحلة .

في مشهد أقل مأساوية ؛ يصف ادوارد سعيد في مذكراته ” خارج المكان ” ، رحلة عائلية الى القدس عندما كان صغيرًا ، حيث اضطرت عربة الأسرة للتوقف فترة طويلة في انتظار مرور الدبابات وناقلات الجنود البريطانية الذاهبة الى الحرب العالمية الثانية .

تمنحنا هاتين الصورتين نموذجًا لمصير مفجع واستعارة مريرة لشيء يحدث الآن ودومًا :  الاختراق المستمر من قبل التاريخ – متمثلا في جيوش وقوى أيديولوجية محركة له –  لحيواتنا اليومية والتافهة واستيلائه عليها ، الانتهاك الذي لا سبيل الى وقفه . على التاريخ أن يمر ، غير آبه بنا ، و لكي ننجو من الانسحاق والتحطيم علينا أن نتوقف أو نغير مسارنا . بالنسبة لطفل صغير وأبله  لم يعيا بعد معنى التاريخ ، ولا قدرة لهما على الفعل ، على المشاركة في انتاجه –  ككل الهامشيين – لا سبيل لهما سوى الاكتفاء بالتأثر به وعدم الوعي بهذا الأثر حتى  .

 هذا التمثل لمآسي التاريخ في مصائر الأفراد أولا قبل الجماعات ؛ ثيمة عالجها بإتقان  ج . م . كوتزي ، في ” حياة وزمن مايكل ك ” و” خزي ” : يعرض حيوات أفراد يخضعون لحدث  يغير مصيرهم ، نتاج حدث تاريخي أو ظاهرة اجتماعية أكبر : الحرب الأهلية في جنوب أفريقيا والعنصرية ، يظل الحدث التاريخي هامشيا وخافتا في سرد  الرواية ، لكنه يتكشف بوضوح حاد في التغيير الذي يطرأ على حيوات شخوصها  . في بداية  ” الحمامة ” لزوسكيند هنالك أيضا اشارة سريعة للحرب العالمية الثانية التي أدت الى تهجير اليهود من ألمانيا ، وأفقدت الطفل جوناثان نويل والديه ، مما جعل منه ذلك الكائن المضطرب والمرتبك أمام أي حدث مهما كانت بساطته ، كوجود حمامة في الممر المقابل لغرفته . أما عند كونديرا فيتخذ التاريخ حضورًا طاغيًا في رواياته ، وذلك للوعي التاريخي لشخوص أعماله ، استيعابهم للأحداث التاريخية الكبرى التي عاصروها ، ورغم ذلك يعترض كونديرا على اختزال الحياة في جانبها السياسي والتاريخي فقط ، فهنالك دوما أشياء جيدة تحدث ولو في أسوأ الظروف .

***

الى جانب تلك الغربة تجاه التاريخ – المتمثلة في عدم فهمه –  والمولدة من قبله ، هنالك غربات أخرى : غربة مصطفى سعيد ، الغربة المرتحلة  من الجذور ، مولود لأم غريبة  وأب ميت – يحيل ادوارد سعيد باستمرار الى ” موسم الهجرة الى الشمال ” ويتحدث بإعجاب عنها لا كعمل فني عظيم فحسب ولكن ربما لأنه رأى نفسه في بعض جوانب شخصية مصطفى سعيد : الغربة المبكرة ازاء المكان ، اختباره المصغر لما اختبره مصطفى سعيد في الغرب ، وذلك  في المدرسة الانجليزية التي كان يدرس فيها : ” دربت أيضا على أن أفهم أنني غريب ، آخر غير أوروبي ، وعلمني من هم أعلى مقامًا أن أعرف مكانتي ولا أطمح لأن أكون بريطانيا ، فالخط الذي يفصل “نا” عن “هم ” هو خط لغوي ، وثقافي ، عرقي ، واثني “

هنالك أيضا الغربة والغرابة المتعلقة بجسد الانسان ، أو ادراكاته وحواسه ؛ نزوع شكله وتصوراته عن المألوف : كغربة مايكل ك ، الزين ،  وراوي نص ” الحب الأول ” لبكيت .  يمثل العمى تجليًا مكتملا للغربة عن الوجود : فقدان الأشياء لأشكالها ، والانتفاء البصري للخارج ، انزياحه وبعده  ، والمحاولات المضنية لتخيله وتمثله  ، ويظهر هذا بوضوح في أسلوب كاتبين مثل طه حسين وبورخيس – كلاهما امتلك القدرة على الابصار بدرجة طفيفة  ثم فقدها  –  :  السلاسة والانسيابية للغة الشبيهة بالحديث مع القارئ ، وفي ذات الوقت الصرامة والدقة في استخدام الألفاظ محاولة التكيف مع الوضع الجديد : الاستماع للقراءة واملاء الكتابة ؛  العمليتين الأشد ذاتية . التعثر في المشي ، في تلمس الأشياء لا مجال له هاهنا . غربتهما عن النص المكتوب من قبل آخرين – تعدل والدة بورخيس نهاية احدى قصصه – ، فلا يوجد ما هو أكثر ازعاجًا لكاتب من تبين الاخرين لمراحل عملية كتابته .

edward_said_1999_dpa_akg_1

في مقالين لامعين  ” تأملات حول المنفى ” و ” بين عالمين ” يشرح ادوارد سعيد حالة المنفى ويتفحصها تفحصًا دقيقًا في سياقات مختلفة : التاريخي ، السياسي ، الثقافي ، بالإضافة الى تجربته الذاتية  .  ففي ” تأملات حول المنفى ” يتتبع ادوارد سعيد أثر المنفيين العظيم  في ثقافة أوروبا القرن العشرين ، ويوضح العلاقة الضدية والتناقضية  بين القومية والمنفى .  وعبر نماذج ونصوص متعددة – مختبئا في البدء خلف قصص كونراد ، وشذرات أدورنو وقصص غرباء آخرين قرأهم أو التقى بهم ، ولكن حديث الغريب عن الغرباء ليس الا حديثًا عن نفسه – يحلل السمات الأساسية التي تسم كل الغرباء : التبرم والقلق حيال تعدد الذوات والمصائر ، يقول عن نفسه في ” بين عالمين ”  :

” احساسي بالشك وبكوني خارج المكان ، وشعوري الدائم بأنني أقف في الركن الخطأ ، في مكان بدا كأنه ينزلق مني بعيدًا كلما حاولت أن أحدده أو أصفه “

الرغبة التي لا سبيل الى اشباعها ،  في الاستقرار في زمان ومكان واحد : ” لم ؟ أتذكر أنني سألت نفسي ، لِم لم تكن خلفية بسيطة ، مصرية تمامًا ، أو أي شيء آخر ، فلا يكون علي أن أواجه تلك الأسئلة اليومية المدققة التي تحيل الى كلمات بدت مفتقرة الى أصل ثابت ؟ – يعيش الغريب ، المنفي منذ الصغر ، و العائد بعد ذلك الى موطنه – ” عدت الى أهلي يا سادتي ”  جملة مضللة سرعان ما يكتشف محيميد كذبها بعد التقائه بنقيضه مصطفى سعيد ، يتبدد بعدها وهم العودة ، كما تبدد لايرينا وجوزيف في رواية ” الجهل ” لكونديرا ، بالنسبة لمن هربوا بسبب شخصيات أو أدوار لم تناسبهم : من سلطة الأم . أو من خنوع وهوان البلد تحت سلطة احتلالية –    يعيش في عالم من التناقضات :  فضاء لغوي خاص به ، يحاول دومًا الحفاظ عليه وبناء الأسوار حوله ، لذلك يظل صامتًا ومنعزلاً ، خوفا من أن ينكشف اختلافه عن الاخرين  ، لا يمكنه أن يستمر في الحديث لمدة طويلة ، يعتريه الشك الدائم في فهم الآخرين له ، قدرته على افهامهم أو فهمهم ،  السبب الذي رماه الى الخارج صغيرًا ، يفقده القدرة الكاملة على فهم الأسباب التالية المحركة لأحداث حياته : هنالك دوما الحكايات المجتزأة ، أدوات الربط المستخدمة بطريقة سيئة ، انتفاء السببية ، والعيش في متاهة التشظي – يمثل جوناثان نويل الصورة الأكثر اكتمالا لغريب –  في المقابل لا يثق في تمثيل لغته للواقع ، تحديدًا المحكية والشفاهية ،  البحث المستمر عن الكلمة / الفكرة التي توضح كلامه وتجعله تاما ، هنالك دومًا شيء ناقص في حديثه ، ويكتشف ذلك بعد فوات الأوان .

يصف ادوارد حالة جوزيف كونراد : ” فبغض النظر عن مدى قدرته البارعة على التعبير عن شيء ما ، فان النتيجة تبدو على الدوام ضربًا من التقرب مما أراد أن يقوله ، ومما قاله متأخرًا جدًا ، بعد اللحظة التي يمكن للقول أن يكون فيها مفيدًا “

هذا التماثل المرعب والمحير بين الغرباء وعوالمهم الداخلية – يصل هذا التماثل عند كونديرا الى أكثر النشاطات خصوصية وتفردًا : الحلم ، ففي رواية ” الجهل ” والتي يمكن قراءتها كتأمل طويل وممل في مفهومي الغربة والحنين الى الوطن ، يتشارك الغرباء ذات الحلم / الكابوس : العودة الى موطنهم –  ،  التشابه في عاداتهم الذهنية التي تشوهها أو تنميها الغربة ومن ثم خلاصاتهم عن تلك التجربة  ، يؤدي ذلك الى مفارقة : تمثيل واحدهم للكل ، ورغبة كل واحد منهم أن يمثل نفسه بنفسه ، وتقليله من مدى غربة ومعاناة الآخر .

للهرب من كل تلك الهواجس والاحتمالات ، يحاول المنفيون كما يخبرنا سعيد  تعويض فقدهم بالانغماس في عالم ذهني ، فكري ، يرفضون الخضوع للأنماط الفكرية والجمالية المسبقة ، ويحاولون ابتكار أشكال جديدة للتعبير ، ما يدعوه سعيد ” الابتكار الدائم للذات ” ؛  ذلك ما فعله كونراد ، أدورنو ، وادوارد سعيد .

في المقالين ، يتأرجح ادوارد سعيد بين تمجيد المنفى ومآثره والشعور العميق بالغربة والخسارة ، القبول بذلك المنفى الأبدي بالنسبة له هو من فقد القدرة على العودة الى موطنه الأول ؛ المقتلع من قبل آخرين ،  أو رفضه : ” فالمنفى حياة تعاش خارج النظام المعتاد ، حياة مترحلة ، طباقية بلا مركز ، وما أن يألفها الانسان ويعتاد عليها حتى تتفجر قواها المزعزعة من جديد “

***

اذا اقتطعنا بيت المتنبي ” غريب الوجه واليد واللسان ” من سياقه ، فانه يختصر ويكثف مثالب الغربة : العجز عن : الانتماء ، الاتصال اللغوي ، والفعل .

 تفقد الذاكرة القدرة على استعادة الماضي كاملا ، مفهومًا ومستوعبًا ، لفقدان المحفز الخارجي : المكان بتفاصيله : الروائح والأشكال والأشخاص الذين خلقت معهم الأحداث المستعادة  . يتم التذكر على شكل إلتماعات خاطفة ، كسكير يتذكر أحداث الليلة الفائتة ، خوف ملتبس بالكآبة ، لا توجد هاهنا والآن ، الا في لحظات الترنح الأولى ، يستطيع حينها الامساك بحركة الطائر ، بمجرى الماء ، باللحظات المنفلتة ، ويبدو الماضي عندها قريبًا ومتصلا بالحاضر  .

عادات ذهنية رديئة :

تصحيح الحياة ككراس لتلميذ صغير ، التعميم والاختزال . استباق الأحداث والنظر الى المستقبل بتجريد وبالتالي رفضه والملل المسبق منه ، الحدس والافتراض المحولان عبر حيل عديدة الى شيء حقيقي ومكتمل ، اللايقين ازاء الأفكار المتبناة وتغييرها باستمرار ،  الازاحة : الحديث عن النفس بصيغة الآخر ؛  الغائب ، البرود التام عند الحديث عن تلك التجربة : فقدان الصوت الداخلي . الهجس بالكمال ، بالتطابق بين الشيء واسمه ، بين الشكل والمضمون ، بالأبعاد المنتفية بين الأنا والآخر ، أي كل  ما فقده :

القدرة على الانتماء ، الاتصال بالعالم التواؤم معه .

البلاغة المفقودة ، للغة أساسها المادي المرتبط بالمكان  ، من هناك تبدأ الاستعارة ويتكون الشعر ، لا يتيح التحديق الفارغ في الأشياء أو تعلم آدم للأسماء متأخرا ، محاطا بأشياء منسية الأسماء ومسميات لم يعد لها وجود مادي ذلك  . وكبديل عن كل ذلك يمتلك مخيلة متداخلة ، تختلق أفكارًا لكن لا يوجد مكان توضع فيه تلك الكلمات  ، خلفية – الصور المبهرة خلف الكلمات ، الاشارة والتلميح لشيء عظيم ، لن يتحقق –

المشاعر الموجهة في اتجاه خاطئ ، نحو أشخاص مغايرين :

– عندما كان صغيرًا ، ماتت والدة أحد أصدقائه ، غرق المركب الذي كانت تستقله ، ينقطع لفترة طويلة من القرية وعندما يعود ، ينسى ذلك الشخص ولكن شعور الشفقة والتعاطف ما زال موجودًا ، ولكن هذه المرة تجاه شخص آخر ، بسبب تشابهما في الملامح . أخيرًا يكتشف ذلك الالتباس ويعرف أن الذي توفيت أمه صار عدائيًا وأنه لم يبادله طوال تلك المدة سوى النفور – هنالك التوصيفات المكرورة والمبتذلة لذلك الشرط الوجودي : الشجرة المقتلعة من جذورها والطائر مقصوص الجناح والمرمي به  ليحلق في سماء غريبة ، الشجرة تنمو والعصفور سيتعلم الطيران ولكن لا التئام لجرح الغريب / الانسان  . لا يوجد ما هو أفضل من التوصيف الساخر لأيمن هاشم – من كترت ما رحلت ، لحدي ما بقيت حاسي اني طربيزة – : التشيؤ ، وتحول الماضي الى قطع أثاث تالفة ، غير قابلة للاستخدام والتلاؤم مع المكان والواقع الجديدين .

عن مأمون الجاك

mm
كاتب من السودان

تعليق واحد

  1. as always, joe brings the christian spirit of good cheer

أضف تعليقاً