الغريب

n51c1c774947f0 (1)

تغريد علي :

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

سألني بلطف : كم الساعة من فضلك ؟ ،ألقيت نظرة إلى ساعتي المعطلة ، و منها إلى الشمس بحركة سريعة قبل أن أجيبه :  (إنها الثالثة و النصف مساءاً) ، إبتسم … شكرني ثم اختفى بين الزحام ، حدث هذا قبل عدة أيام.. لذا لم يكن صعباً علي أن أميزه و هو يقف جواري في المتجر يقلب سلعة ما بين يديه ، ثم رفع عينيه إلي مباشرة .. تبادلنا التحايا السريعة فسألني مرة أخرى عن الوقت ، بذات الحركة مددت بصري عبر الواجهة الزجاجية ، كانت الشمس تتوهج بإحمرارها  و تتوارى رويداً رويداً خلف المبنى المقابل ، حددت بسهولة أنها السادسة و الربع ، و بينما كنت أجيبه وجدته يحدق في ساعة يده و على شفتيه إبتسامة لم أستطع أن أتبين معناها ، قبل أن يفرج أخيراً عن عبارته ، حين أومأ برأسه إيجاباً و قال لي : هي كذلك بالضبط .. ثم أردف يقول : “أنت دقيقة للغاية في تقديرك للوقت” .

كانت كلماته تبدو كأنها إطراء ، لكن هذا لم يعدل من شكل ملامحي الغاضبة ، فسألته بنبرة “قاسية” بعض الشيء : لما تسألني كم الوقت و أنت ترتدي ساعة في يدك !! و شرعت أقول : و لماذا تختارني على وجه التحديد لتسألني دون البقية ؟ لكنه أسكتني بعبارته حين قال ببرود : يمكنك تجاهل سؤالي ، لست مضطرة لتجيبي علي إن كنت لا تودين ذلك ! أو يمكنك أن تخبريني ببساطة أن ساعة يدك ليست سوى “أكسسوار” و أنها لا تعمل دون أن تجتهدي لتخمني لي الإجابة المناسبة !؟

إستطاع أن يفحمني بالكامل فعلاً .. ثم غمز لي ما يعني أنه إنتصر ثم إختفى من جديد ، دون أن أتمكن من أن أصفعه على الأقل ، خرجت و أنا غاضبة جداً ، إجتزت المسافة من المتجر إلى المنزل في زمن قياسي ، ألقيت الأكياس على الأريكة بحنق واضح ، فكرت في أنه ربما أهدأ لو أني حصلت على كوب قهوة ، تفوهت ببعض السباب و أنا أهمس تارة و أرفع يدي إلى رأسي تارة أخرى ، حملت كوبي و أدرت التلفاز ، فانشغلت بالإنصات لنشرة الأخبار .. (ثمة حريق هائل شب في إحدى المباني لكن تم إنقاذ السكان) .

حمدت الله و أخذت أدير القنوات واحدة تلو الأخرى ، كلها كانت مثيرة للملل ، أطفأت التلفاز ، رشفت آخر رشفة قهوة و وضعت الكوب على المنضدة بهدوء .. كنت بحاجة فعلاً لأن آخذ دوش دافئ ، خلعت الجاكيت و ألقيته على فراشي ثم نزعت الساعة عن يدي ،تأملتها مرة أخيرة قبل أن أخبئها في أحد الأدراج.

 

 

رائحة الأرض أعلنت عن بداية فصل الربيع ، هي إحدى صباحات آذار الجميلة ، تفتحت فيها زهور الليلك ،، و كنت على يقين أني رأيت أول طائر سنونو يعبر السماء ما يؤكد لي قدوم الربيع ، توقفت عند النافذة للحظات و عببت من النسمات الصافية حتى تسربت الحياة إلى صدري ، تفتحت الإبتسامة على شفتي مثل نوار فرح صغير جداً .. عميق جداً ، إستبدلت ثيابي مسرعة إثر خاطرة برقت في ذهني “(لم لا أتنزه الآن)” ؟

لم تكن الشمس قد أشرقت بعد ، و الطرقات تكاد تكون خالية من البشر ! ، تأملت السماء و الطريق المتعرج الممتد أمامي ، الزهور المصفوفة على جانبي الطريق بقطرات الندى المنثورة على أوراقها الناعمة ،صوت عربة تمر ببطء جانبي جعلني أنتبه لأن الحياة بدأت تدب في الطريق ! ، شاهدت سيدة عجوز تطل من نافذة بعيدة .. قبل أن تسحب الستائر و تفتح النوافذ على مصراعيها و تمضي .

رجل في منتصف العمر ﻻ أعرفه يمر على الجانب الآخر من الطريق ، لوح لي و صاح قائلاً : إنه صباح جميل ، أجبته بابتسامة و تلويحة يد صغيرة .. كنت قد بلغت عتبة منزلي ،فانحنيت ﻷتناول جريدة الصباح و دلفت إلى الداخل ، كان علي أن أستعد كي لا أتأخر على موعد العمل ، لم أستهلك أكثر من ثلث ساعة لأخرج ، و إستوقفت عربة تاكسي .. كانت دقائق معدودة بلغت بعدها مقر الشركة .

ألقيت التحية على موظفي الإستقبال ،و عامل النظافة الذي قابلته عند الممر المفضي إلى المكتب ،علقت إحدى زميلاتي بأني أبدو مشرقة اليوم ، شكرتها بابتسامة واسعة بينما كنت أتناول أحد الملفات و أستعدل في جلستي على مقعدي ، مرت الساعات ببطء شديد .. لكني حاولت باستماتة أﻻ أفقد بريقي الداخلي و إحساسي المفعم بالسعادة .

كدت أقفز فرحاً عندما إنتهى الوقت المحدد للدوام ، دون أي كوارث كإجتماع عاجل أو أي مشوار متعلق بإنجاز عمل ما ، إلتقطت حقيبتي و بخطوات مسرعة خرجت من المبنى ، رغم حرارة الطقس و زحام السيارات لم أشعر بالإستياء ،لم أكن أعرف بالضبط ماذا سأفعل في المنزل ، و ليست لي مخططات واضحة للمساء .. لذا لم أجد مبرر للهفتي للعودة ، في حقيقة الأمر لم أكلف نفسي بالبحث عن سبب .

دخلت المنزل و قفزت فاتحة ذراعي و سقطت على فراشي .. و ما كدت أفعل حتى رن جرس الباب ، لم أكن أتوقع زيارة أحد ، فذهبت أتبين الزائر .. و كانت مفاجأة بالفعل !!

عن تغريد علي

mm
كاتبة من السودان

لا تعليقات

  1. كلام اكثر من رائع

  2. كلام اكثر من رائع

أضف تعليقاً