الرئيسية / احدث التدوينات / الفن بين الجميل والمقدس

الفن بين الجميل والمقدس

ساندي

      في محاولاتنا لتعريف الفن لن نستطيع الفكاك من كون أن الجمال هو محور تناول الفنون الأساسي، حيث أن الإعجاب الذي يلقاه العمل الفني من المتلقى بكل اشكاله يمثل تقييماً للعمل الفني وتعبيراً عن وقع العمل على ذات المتلقي، فالعمل الفني الأجود للمتلقى هو الذي  ينال إعجابه أكثر، ويكسب الإعجاب قيمة أكبر كلما كان منزهًا من الغرض أو أنه يكون ذو قيمة أكبر كلما أعجبنا بشيء لذاته لا لغرض من ورائه، ومن هنا يأتي تعريف الجمال بانه “الإعجاب المنزه من الغرض”، وطالما أن الجمال يمثل أرضية الفن من جهتي الإنتاج والتلقي فإنه بإمكاننا أن نقول أن الجمال هو الجزء المجرد من الفن، فلا يعني بالضرورة وجود وعي بالفن لإنتاج أعمال فنية بقدرما يحتاج الأمر وجود وعي بالجمال لحظة التخليق كغاية قائمة بذاتها، فالتحف القديمة تعتبر أعمالًا فنية رغم أنها أُنتجت قبل ميلاد الوعي بالفنون، ولكن كون الجمال كان أحد غايات إنتاجها فإنها لا تخرج من حيز كونها فنوناً، وبناء تعريف الفن من أساسه المجرد فإنه من الصعوبة بمكان محاولة إخراجه من أي نشاط إنساني.

      ويمكننا أخذ نماذج فنية مجردة كالموسيقى والزخارف والمعمار بإعتبار أنها صور فنية لا تحمل أي دلالة في محتواها غير الجمال، وهي بالتالي أكثر الأشكال تمثيلاً للفنون، هذه الأشكال الفنية لا نستطيع وضعها في قالب تصنيفي يتجاوز الجمال بأي شكل، بحيث أن وجود أي خلل فيها يقلل من قيمتها الجمالية، ولكن أي تصنيف آخر (حرام / حلال) يتم بناءه أساساً إما على دلالات توجد في مستويات أعلى من التجريد الفني (التصوير أو الكلمات والمعاني) أو اعتماداً على منشائها أو الغرض من إنتاجها، والدلالات التى تحملها هذه المستويات التجردية لا تمثل الفن بالضرورة، حيث أنه في نقاشنا عن الفن والقضية توصلنا لأن القضايا تمر بالفنون عرضياً ولكنها لا تمثل فناً بذاتها، فاختلافنا مع القضايا التي تحملها الفنون شيء واختلافنا مع الفنون بذاتها شيء آخر، فالآراء التي ترفض الفنون هي غالباً لا ترفضه على مستواه الأكثر تجريداً حيث أن الجمال يتم الانشغال به حتى على مستوى الطقوس المقدسة. ولكن هل توثر المعتقدات والمقدسات والأديان على الفنون باي شكل من الأشكال؟

      يتخذ الفن الجمال موضوعاً وهو النقيض للقبح، بينما تتخذ الأديان المقدس موضوعاً في المقابل للمدنس ورغم أن موضوعي انشغال الفن والأديان ليسا متطابقين إلا أنهما بالضرورة ليسا بالتوازي الذي يمنع التقاءهما، فتقاطع الفنون والأديان يحدث في مواضع عدة على مستوى وعي الفنان ومواضيع إنشغاله وكذلك على مستوى ذائقة التلقى.

      تتعامل الفنون مع الأديان والمقدسات كموضوع؛ فينشغل الفنانون بالأديان كما ينشغلون بالموضوعات المختلفة، وهذا ما يظهر في الكثير من الأعمال الفنية ذات الطابع الديني. في البدء احتاج الإنسان لنحاتين ليصنعوا له الآلهة الحجرية، ورسامين ليصوروا الرموز المقدسة على جدر المعابد، وكانت نتاج ذلك التماثيل والرسومات التى تبقت كأثار جمالية أو فنية على تلك المراحل، وكذلك استخدم الفنانين الأوربيين الدين المسيحي موضوعاً أُنتج عنه مجموعة من اللوحات التشكيلية والمنحوتات والتماثيل الغارقة في الإبداع والجمال، بينما في العالم الإسلامي تظهر الفنون بوضوح في المعمار والزخرفة والخط العربي، وغير الأمثلة التصويرية تلك فإنه توجد مظاهر لإستخدام قالب الفن أو الجمال في الطقوس الدينية المختلفة، مثل الرقص التعبدي والترانيم الدينية وتراتيل النصوص المقدسة، هذه الأعمال والتي هي مزيج التفاعل بين الفن والدين لا يستطيع المتلقي التعامل معها إلا في إطار استذواقها جمالياً مهما اختلف مع مضمونها.

      من ناحية أخرى فإن العاملين بالفن يتقيدون بوعي أو لا وعي بأطر قيمية أو دينية تحدد محاور انشغالهم، وهذا ما يبين الفروق بين أنواع الفنون ومواضيع التناول بين مجتمع وآخر، فبينما اشتهرت أوربا بالفنون التصويرية كالرسم والنحت فإن المنطقة الإسلامية اشتهرت أكثر بفنون أقل نزوعاً ناحية التمثيل والتصوير مثل العمارة والخطوط والزخارف لوجود قيد ديني يحرم التصوير ونحت المجسمات. ونفس الأطر التي يضعها الفنان عند لحظات الإنتاج قد تكون إطار استذاوق الفن للمتلقين إلى حدما، ولكن غالباً يستطيع المتلقي تحديد كون أن العمل جميل أو أقل جمالاً غض النظر عن توافق موضوعه مع معتقدات المتلقي، ولأن الفن هو نتاج تفاعل ذاتي يخضع لدوافع فردية فأن أي محاولة لتضمينه تحت أطر قواعد جماعية تفشل، فالقيود التى يضعها الفنان هي قيود ذاتية وكذلك أطر استذواق المتلقين، وبالتالي فأن الفنان أوالمتلقي هو وحده من يملك حق وضع قيوده واطره، أما الذين ينادون بقيمية الفن وضرورة موافقته لنمط قواعد جماعية فهم ضحايا النظرة المثالية الطهرانية، وهي نظرة غير حقيقية للواقع، بالإضافة لأنهم يتعاملون مع أعمال فنية تخيلية كانما هي موجودة على أرض الواقع بحق، فالفتاة العارية في منحوتة أو لوحة تشكيلة هي ليست إلا خيالاً لن يتحول لواقع، وبالتالي لا يحق محاكمتها كما نحاكم الواقع.

      على كل حال فإن المقدس والجميل يلتقيان دون أن يشكل أي منهما إطار لمحاكمة الآخر، فيحضر الفن في الدين من خلال طقوسه ذات الأبعاد الجمالية، وتظهر الأديان في الفن من خلال تمثيلها كموضوع، بيد أنهما يتشابهان من حيث النزوع الفردي في رحلة البحث عن القيمة العليا فيهما (الحقيقة – الجمال).

عن سانديوس كودي

mm
كاتب من السودان