الرئيسية / احدث التدوينات / الفن والنزعة المعرفية

الفن والنزعة المعرفية

الفن والعلم

      يتساءل البعض، في سبيل تعريف الفن، إذا ما كان للفن بعداً معرفياً أم لا، فهل يمكننا التعلم من الفن أو تلقى أي معرفة تساهم في توسيع مداركنا باي شكل أو آخر؟

     يتفق أغلب المنشغلون بأمر الفن بأن الفن يساهم في توسيع مدارك المتلقين وزيادة فهمهم ولكن تلك ليست مهمة الفن الأساسية، فالمعلومات تمر في الفن بطريقة عرضية ولا تمثل جوهر الفن، ويرى هولاء أن المتمسكون بضرورة وجود قيمة معرفية في الأعمال الفنية ينطلقون من رغبة في رفع قيمة الفن بإضفاء بعد معرفي حتمي عليه، بدلاً من أن يكون مجرد وسيلة للتسلية أو المتعة لرفعة العلم والمعرفة، فلو أن الفن كان مصدراً للمعرفة فذلك أفضل من أي شكل آخر للفن، ولكنهم بعكس ما يرغبون يكوّنون موقفاً هو في الأساس ضد الفن الصحيح بالتملق الذليل للعلم وتجريد الفن من قيمته الذاتية، فلو أن المعرفة شرط في الفن فإن الفن سيصبح بلا قيمة، فقراءة كتاب عن شخصية تاريخية سيغني عن حضور مسرحية لنفس الشخصية، وستحل الصور الفوتوغرافية محل المجسمات والبورتريهات، وهذا ما لا يحدث على أرض الواقع وما يدلل على وجود قيمة في الفن تتجاوز المعارف التى تحملها.

     من زاوية أخرى فأن الفنون تساهم في إثراء ذات الإنسان، فالمشاعر تتحرك إستجابة للمقطوعات الموسيقية الرائعة وتستجيب الدواخل عند مشاهدة لوحات رائعة أو حضور مسرحية ممتعة، وفي ذلك يقول البعض أنه ليس من السهولة اعتبار ذلك التفاعل لا يعبر عن إتجاه معرفي، فما الذي يمكن أن يحرك دواخلنا إن لم يكن فهماً عميقاً للعمل الفني، وهنا يمكننا التحدث عن نزعة معرفية خاصة بالفن لا عن الحقيقة بعمومها كما نعرفها في العلم، فللفن حقيقة ولكن لا يمكن استيعابها إلا من داخل العمل الفني بذاته، فلابد من مشاهد العمل الفني لاستيعابة ولا يكفي أن نفهم مضمونه لنستوعبه، عكس الحقيقة العلمية التى تقبل التفسير والتبسيط من أجل المزيد من الفهم، فالتعبير عن العلوم يتم بلغات واساليب مختلفة وقد تكون هناك صياغات أفضل من أخرى، وقد يكون هناك شكل مبسط للمعلومة العلمية حتى يسهل فهمها فلا يشكل الشكل موضوعاً مهما فيها، ولكن إحدى أهم خصوصيات الفن هي وحدة الشكل والمضمون بحيث يصعب عرض عمل فني بشكل أو صورة أخرى دون أن يفقد من مضمونه، ويمكننا القول هنا أن العمل الفني يتكون من وحدات متكاملة، وأي تغيير، مها كان قليلاً، من شانه إحداث تغيير في العمل الفني، وهذا يعني أن للشكل أهمية كبيرة في الفن مقارنة بالعلوم، إذاً فالفهم بأسلوب المنطق العلمي لا يطابق الفن؛ لأن اي محاولة لشرح مضمون العمل الفني يؤدي إلى إفساده، فالحقيقة في الفن لا تتمتع بنفس ثباتها في العلم، فهي تراوغ وتفلت كلما حاولنا الإمساك بها.

     من الجدير بالإضافة أن المعرفة تتعامل بالكليات، وبالتالي يجوز تعميم المعارف العلمية، فجزئ الهيدروجين يتفاعل مع الأوكسجين لينتج ماء، وهذه معلومة يجوز تعميمها لتشمل كل جزئيات الهيدروجين، بينما تعبر الأعمال الفنية عن حالات خاصة لا يجوز التعميم فيها، فوصف حالة غضب لشخصية في قصة لا ينطبق إلا على هذه الشخصية، وهنا يمكننا التحدث عن خبرة جمالية تكسبها لنا الفنون ولكننا لا نستطيع أن نتحدث عن معرفة. يمكننا إضافة أن الأعمال الفنية تقوم على الخيال البحت، بحيث يتحرر الفنانون أثناء تخليقهم لأعمالهم الفنية من كل القيود والقوانين المسبقة، وتصبح الأعمال الفنية هي نتاج تداعي حر، ورغم أن العلوم قد يتم تحفيزها بالخيال أيضاً إلا أنها تقوم على بنية محددة، ومسار تحكمه مقدمات تقود إلى نتائج يمكن اختبارها منطقياً أو معملياً، أما الفن فلا يمكن اختباره معملياً. وهذا يجعل العلوم النظرية والتطبيقية مباحث متسقة ومنظمة ومتتابعة من المعارف، حيث أن كل اكتشاف يقود إلى آخر، وكل نظرية تشكّل نقطة انطلاق لأخرى، بينما الفنون هي تداعيات منفصلة لا توجد ارتبطات منطقية بينها، كما أنها لا تمثل إلا وجهات نظر تعبر عن زاوية الفنان بدون أن يكون فيها نوع من الوصاية أو الدفاع، بينما تتنافس النظريات العلمية في محاولات إيجاد التفسيرات الأصح للظواهر المحيطة بنا.

     في المحصلة النهائية يمكننا القول أن الفنون لا تخلو من المعارف، ولكنها لا تمثل جوهر الفن، ولا يمكننا اعتبار تلك المعارف مقياس للفن لما بين الأعمال الفنية والعلم من اختلافات، فالفنون ليست إلا محاولات تعبير عن الأشياء أو عرضها بشكل أجمل دون أن يكون الغرض تفسيرها أو إفهامها للمتلقي.

عن سانديوس كودي

mm
كاتب من السودان