الرئيسية / احدث التدوينات / الكَنْدَاكَةُ الكَافْرَةُ

الكَنْدَاكَةُ الكَافْرَةُ

eiqgiWop

      “الحقيقة ذاتية وموضوعيه في نفس الوقت، أي أنها حمّالة أوجه، وما كان حقيقي في وقت ما، هناك أحتمال أن يكون باطل في وقت أخر، وفقاً لظروف موضوعية غير التي توفرت في الوقت الأول، وإن ما نراه الآن من قيم مثلى مرتبط ارتباطاً وثيقاً بظروفنا الزمانية والمكانية، وذات هذه القيم يمكن أن تكون منحطة عند مجتمع آخر، في زمن أخر، له قيمه المثلى الخاصة به”.

      كانت نادية تتحدث بهذه الكلمات البراقة ملأ فمها، والجميع مشدوه في تبلد عميق، يعكس مدى سحر الألباب بهذا الطرح المنظم، واللباقة الكلامية المتفردة، حيث أنها كانت تجود بالحكم والأمثال والشواهد المُعَضِّدة لفكرتها بسرعة تدعو للدهشة، كأنها تقرأ من صحيفة أمامها، ولكن بالنسبة لغالبية حضور هذه الزاوية، فقد أضحى الأمر لا يدعوا للدهشة، بقدر ما فيه من متعة، تصل حداً عرّفوه بـ”نشوة  الأفكار الجريئة”، سألت إحدى الطالبات سؤال مفاده: “هل يمكن للمرأة أن تقدم للمجتمع عطاء أفضل مما يقدمه الرجل؟”. فأجابتها: “هذا السؤال خاطئ من حيث التركيب في صياغته وفكرته التي بُني عليها!، ولكن على كل حال سأجيبك، بعد ان أعيد صياغة السؤال بصورة صحيحة، والتي ستكون كالآتي: “ما هو الفرق بين الرجل والمرأة من حيث التركيب العقلي؟”، أختاه، إن العقل البشري واحد في تركيبه عند الأنثى والذكر، وما يجعله مؤنث أو مذكر هو المجتمع، وذلك نتيجة للإسقاطات الفكرية التي يسقطها عليه في شكل ثوابت مجتمعية، يجب على المتلقي أن يؤمن بها، حتى يساير الواقع المعاش، أختاه هبي أن ذكر ما نشأ في مجتمع أنثوي النزعة – أي المتحكم فيه النوع الأنثوي- منذ النشأة إلى أن أصبح رجلاً. فلابد من أننا نحصل على رجل مريض (مؤنث)، ومؤنث هنا ليست بالمعنى الجنسي، بل الفكري، حيث تصبغ عليه فكرة أن المرأة هي الأقوى، والرجل ما هو إلا ضلع أعوج!، وهنا تحديداً، تكمن زبدة التحكم ذكوري/ أنوثي، وأثره على التركيبة البشرية، ومن هنا أستطيع تلخيص إجابتي في كلمات بسيطة كالآتي: إذا نشأ كل من المرأة والرجل في مجتمع عادل، يبقى مقياس العطاء عادل بين الجنسيين. أتمنى أن أكون قد وُقفت في إيصال الفكرة.

      أشرقت شمس ذلك الصباح الخريفي الجميل، وأطيار “السِمّبِر” مازالت تمارس عادة التنقيب عن دود الأرض في الكوشة الكبيرة، عند الميدان الذي يطل على المنزل، عدلت خصلتها لتتحقق من بزوغ الشمس عبر النافذة، وعندما أيقنت أنها شمس حقيقية، نهضت في تكاسل وتثاءب، متجهة نحو “نملية” الشباك، لتلتقط فرشاة الأسنان، وفي مخيلتها تلك الأمسيات الجميلة، والجموع الغفيرة التي كانت تنصت إليها، وفي عيونهم الحيرة ممزوجة ببريق الإعجاب والتفاؤل، تذكرت مساءاً محدداً، بل سؤالاً محدداً، من بين أطنان الأسئلة القابعة داخل جمجمتها، مغطاة بشعرها الأجعد المبعثر كيفما اتفق، لا تدري لماذا هذا السؤال بالتحديد، ولكن تذكرته بنصه وتعبيره، ووجوه حاضريه، ذلك السؤال الضجة الذي ظلت كثير من رائدات العمل التنويري يتحاشينه، “لماذا تبيض الفتيات بشرتهن؟”. تذكرته وتذكرت كيف أنها كسرت هذا الهاجس، عندما ابتدرت الإجابة بمقدمتها الجميلة التي حفظتها عن ظهر قلب من صفحات سِفر فرانتيز فانون، المسمى “وجوه سود وأقنعة بيضاء”، وكالمنومة مغنطيسياً، بدأت  في سرد إفادتها كاملة، وبصوت مسموع، مع تأجيل عملية السِواك إلى حين إشعار آخر!.

      “مجتمعنا مر بأنواع متعددة للاستعمار، من طمس للهوية، وإحلال للثقافات، وتبديل للأسس، وذلك نظراً لقانون القوة والضعف، أي القاهر والمقهور، التي كانت سائدة في تلك العصور، فالمنتصر هو من يفرض ثقافته، ودينه، وقيمه المثلى على المهزوم ، والمهزوم بدوره يتقبل ذلك كلياً في تماهي مبالغ فيه، نتيجة لذلك نجد أننا نمتلك ثقافة لا تمثلنا، وأن هناك فجوة، أو فنسمه فراغ بيننا وبين ثقافتنا،  لذلك نجد أنفسنا في بعض الأحيان مسيئين إلى أنفسنا، بل إلى خالقنا لننتصر لثقافتنا، ونكون بذلك سعيدين كل السعادة لهذا الانجاز!، مما يجعل مخرجاتنا الثقافية غريبة عنا، رغم أنها من صنع أيدينا!، ما أعنيه هو أن هناك مُثل ثابتة في مجتمعنا، وهي تمجيد الأبيض، وتحقير كل ما هو أسود، فنجد مخرجات ذلك في أغانينا (قلبك عارفو ابيض وكلك حسن نية!)، وأمثالنا الشعبية “البياض خير”، بل مدننا وأمكنتنا “الأبيض، صحراء بيوضة، أم بيضة”، هذه كلها من إنتاج أيدينا، رغم أننا قوم سود!، انتجناها من ثقافتنا البيضاء.

      إن جاز لي أن أتخذ من هذه المقدمة مدخلاً سأقول إن ما بين أيدينا من ثقافة بيضاء يجب أن نراجعها، ونقوم بتقييمها، وتقويمها، لتلاءم ذواتنا، قبل اتهام الفتيات المبيضات، ولابد من التنبه إلى أن عصور افتخار الإنسان بما ليس له فيه يد (جنسه، لونه، جدوده … الخ) قد انتهى، وقد أتى زمن المقياس الفكري للبشر، باعتبار أن كل البشر متساويين عقلياً، فقط يأتي التمايز في طرق استخدام هذه العقول، ومن هنا أؤكد الآتي: إن ما يسعى إليه البيض من طمس لهوية الإنسان الأسود قد انتهى ولابد من وضع حد لهذا السخف”.

      وبنهاية تلك الأنشودة الجميلة، باغتتها بنت عمتها عائشة بصيحة، مع ضربة صدريه قوية بباطن الكف أفزعتها

 – سجمي يا نادية جنيتي ولا شنو؟

 – جنيت كيف يعني ؟

 – بتتكلمي براك مالك ؟

 – لا ما تاخدي في بالك دي مجرد خاطرة كنت بسترجع فيها بعض من أيام الجامعة والجمعية.

 – هههه الجامعة ولا حبيب القلب “العريس”

 – ياخ والله ياعاشة أنتي رايقة، عريس شنو البفكروا فيهو قدر ده

 – أي إنتو ما ” الناس الفوق”، العريس ما بعني ليكم شيء، لكن “جماهير شعبنا” الزينا ديل بموتو فيهو عدييييل كدة على قولك هههه. 

– والله ذكرتيني أركان النقاش، كدي زحي خليني أسوّك ونشوف نهاية اليوم الثوري ده

– ناديه ….يا ناديه… ندو

– مالك يابت؟ قاعدة أتسوك أنا

– خالتي مريم بتناديك

– سمح جاية

– أسمعي يا نادية يابتي، أنا سمعت الهيصة الإنتِ عاملاها للناس هنا كلها، وعارفة حكاية رفضك “للتدريب”، وإنك حلفتي ما تمشي الكوفير، لكن أنا عايزاك توضحي لي أسبابك، لأنو أمك ضربت لي، ونضمت معاي كتير عشان كده قلت أجي وأسمع منك.

 – والله يا خالتو مريم جزاك الله خير، وكتر خيرك ما بتقصري، الموضوع ما على قدري كده، لكن ماما بس عاملة لي حيز، المهم أنا ما رافضة الكوفير، ولا التدريب، لكن رافضة كريمات التفتيح الفي الكوفير، لأني ما حاسة في حاجة ناقصاني عشان أتمها بالكريمات، بس ده كل الموضوع.

 – يابتي نحن ما قلنا ناقصك شيء، لكن دي العادة، كل البنات بمسحن الكريم للعرس عشان يطلعن حلوات في الكَوشة.

 – والقال ليكم السواد قبح منو؟

 – يابت أنتي مجنونه ولاشنو!، ما الناس كلها عارفة، ولا إنتي عايزة تبقي لينا فيلسوفة العصر، وتجيبي لينا حاجات جديدة.

– المهم أنا ما عايزه نقاش كتير، ما حأفتح لوني ولا “بلوشن ديانة”.

– يا بت أسمعي كلامي أحسن ليك، قالوا العريس سمع بالموضوع، واحتمال يغير رايو

– والله ده شئ بخصو المهم انا على قراري

– لا يا بتي، إنتي قوة راسك دي بري منها يا يمة، والله أمك دي إلا تضرب لخالتك سعاد، هي الوحيدة البتحلها .

       السرادق باللون الزهري ذا الشجيرات الخضراء يلمع مع انعكاسات الأنوار الملونة، ضوء المصابيح الكبيرة أعطى المكان ألقاً، وأكسبه بعض القدسية، من شارع مهمل ذي أزقة متسخة دائماً إلى ساحة نظيفة تسورها قماشات حمراء براّقة، الكراسي البلاستيكية الحمراء أيضاً مرصوصة في مصفوفة تصلح لتطبيق القوانين الرياضية، عليها بعض الصبية يتلاعبون بالنبال البلاستيكية، في الاتجاه المقابل تظهر كوشة الزفاف، بها كرسيان كالعرش الملكي، تظلهما فروع نخيل خضراء غضة، في تلاقي يكشف نبل شجر النخيل، وعطاءه العظيم، مع بعض مصابيح النيون الملونة، السجادة الحمراء ممتدة حتى أخر مدخل السرادق، صاحب  آلة الأورقن بجواره الساوند سستم، وصاحبه الغارق فيما يشبه بالجذب الصوفي، يصدر هتافاته المتقطعة (ألو.. ألو سي .. سي .. ألو .. واحد .. إتنين .. ألو .. سي). بعد زمن غير كثير من لحظة هتافات صاحب الساوند، بدأت الحفلة، مع إيقاعات الطرب، وصوت المغنية الشابة الجهوري ذو البحة الواضحة، التي تظهر بشده عندما تطلب من الحضور التصفيق، صادحة بالغناء الأصيل، والهابط أيضاً.

      الكل منهمك في التهنئة، الخالات، العمات، أهل العريس، أخواته، بنات جيرانه، حبيبات سابقات، متيمات لم يجدن فرصة للبوح، وأشخاص كثر، بالمقابل أهل العروس، صويحباتها، القريبات، بنات الحي وأولاده، أعضاء الجمعية الجامعية، زميلات وزملاء الدراسة، وزميلات جبنه من أحياء أخرى، المعجبون من الحي والجامعة، ثم بعض الخصوم السياسيين، وعدد مقدر من عشاق الصمت، الكل يهدي ويعبر عن سعادته، يدعو الله ويسأله المباركة لهذا البيت، عندما قالت المغنية (تصبحون على خير) عقب مغادرة العروسين بزمن مقدر، بدأ الجميع في شد الرحال للعودة إلى داره، عادوا إلى بيوتهم، وفي جلسات الإعادة لمن فاته الحفل، أعادوها في سرد تصويري دقيق ثم أبدوا آرائهم، الكل أبدي اعجابه بالحفل، وأن العروس طلعت (حلوه)، مردداً في عبارات الإعجاب والمدح، بعضها يصل إلى حد الغزل، إلا نفر قليل من المؤمنين رواد حوارات الجمعية، وثابتها الأسبوعي، حيث أنهم أقروا بجمال الحفل، وحلاوة العروس، بيد أنهم اضمروا ما هو أهم من ذلك، أضمروا ما كان يجول في خواطرهم جميعاً، اضمروا عبارة مُرة، مسترجعين كل كلمات الأبنوسية وجُملها الإيمانية، خطبها المثبتة للأصل الأسود داخل نفوسهم، أضمروا حنقهم على حالها المثيرة للشفقة، وهي تبدو كالباذنجانة المقشرة، ولكن صمتهم لم يدم طويلاً حيث انهم صفقوا طويلاً “لرؤية” في أول إطلاله للجمعية بعد الحدث، وهي تعلن أن الكنداكة نادية قد كفرت، إلا أنها بررت أن كفر هذه المؤمنة، وانضمامها إلى قائمة “المثيرات للشفقة”، التي أطلقت هي بنفسها عليها هذا الاسم، لا يعني نهاية الوعي بالذات، وأن غابات الأبنوس لن تختفي من الوجود لمجرد انمساخ إحدى شجيراتها إلى فصيلة الطلح.

عن دهب تلبو

mm
قاص وشاعر من السودان