الرئيسية / احدث التدوينات / اللاشـيء يذوب في الفــراغ

اللاشـيء يذوب في الفــراغ

8e0f6c95e923104c5131710a0c19bda8

مرحباً؛ اسمي «اليساندرو ديفيد» الناس تناديني هُنا«ساند» !!
                          
شيء ما يحدث داخل عقلي

   
-منتصف ليلة أمس- بينما كنت ُعد قهوتي الراتبة عقب عودتي من العمل، استنشقتُ رائحة حريق في مكانٍ ما، اكتشفت أنَّ قِطّ «إيفا» حبيبتي السابقة السيئ تسببَ في حريق محدُود؛ بعْدَ أنْ أسقطَ الشمّعةَ على الفِرَاش .. حاولتُ إطفاء النّار ففشلتْ، تَحوّلَ الجِدار إلى باب وخرجَتْ منه جنازة وفتاة، ثور، حِمارٌ وحشيّ، ذِئْب، طَّاووسُ وسبعُ دجاجات؛ شُغِلتُ، التصق بأنفي وفمي بالوناً زاهياً ملتصق، تنفستُ بصعوبة، امتلأ جوفه حتى صار البالون منطاداً، حملني كطفل وانتقلَ خارج الغرفة؛ بهوَادةٍ من بلدٍ إلى بلد .. من على ارتفاع شاهِق رأيتُ بِوضوح مُدهِش فتاة تسترخي على شاطئ، تحوّلَت إلى عُش كبير يتّسع لِكُل عصافِير الدُنيّا، تحوّلَ الشاطئُ إلى مقبرة، والفتاة إلى جِنازة (أٰخرى)، وبالقُرب اصطفَ الثور والحمار الوحشي والذِئْب والطَّاووسُ والسبع دجاجات !! …. هُجوم مُخيف، الآلاف من العصافير طارت من العُش -أقصد الفم !!- أقصد فم الجنازة تحديدًا، في طريقها للمنطاد؛ تحوَّلت إلى نسورٍ سوداء عملاقة، ثم الّتَهَمتْ المِنطاد دونَ رحمة … نجوتُ من فخ النسور، لكني سقطتُ بِسرعة على منتصف الفِراش المحترق تماماً، اكتشفتُ أنّ أسفَل الوِسادة جنازة بعد أن قضمتْ النار حواف الفِراش، كمن تعرَّض لصعقة كهربائية انتفضت، ركضتُ بكل ما أَملك من قوة نحو اللا مكان !.

توقفتُ عن الركض لبرهة، شعرتُ بشيء في مؤخرة رأسي!، شيءٌ ثقيل!! ؛ وجدتُها جثامين طازجة تسبح في مؤخرة رأسي التي تحوّلت هي الأخرى إلى مسبح كبير .. حدّقت في الأفق برعب، الافق الذي تحّول إلى مِرآة ضخمة ومُكبِرة!، كان الرعب يجتاح آخر ما تبقّى من تماسُكي؛ تماسُكي الشحيح الهزيل، نظرتُ في الأفق إلى الرعب الذي أستولى على ملامحي، فارتعبت أكثر: ” يا إلـهي هذا أنا !!”، ثم من هؤلاء الذين حولي من أين جاءوا ؟!

– هتف الفراغ : إنهم أطفالك !!

عشرون طفلاً بلا أمهات، -إن شئت الدقة- لا يملكون صُّرة! لا أعلم كيف ذلك!، ولكن هذه هي الحقيقة، أنا لا أعلم أي شيء عن أي شيء، كل ما أعلمه هو أنني بدين، ذو أنف مدّبب، أصلع الرأس أمتلك شارباً ضخماً وذِقن كثيفة ومتدلية، وكرش بارز بشكل مُزري، كيف أصبحتُ هكذا ومتى ؟ لا أدري حقيقة !!.. -مهلاً- كيف هم بلا صُّرة !، ومن أين جاءوا؟ ومن حرضهُم على مُناداتي “بابا “التي يرّدها الفراغ في وجهي بعنف؟!، من زجّهم في حياتي البائسة و (كيف ؟!! هل ؟ متى ؟ أين ! ماذا ؟!) .

إنه أمر يدعو إلى الجنون؛ الجنون الذي يلعب معي لُعبة القط والفأر، الجنون الذي يسير معي في توازي مستمر لا نهائي، لا يأتي ولا يبتعد، مشكلاً عِبئاً ثقيلاً مريراً وإضافياً لا يُحتمل، ولا مفّر منه!. حاولتُ الهروب من إجابات الأسئلة المُلحة عن حقيقة هذا العدد الهائل من الأطفال، حقيقة وجُودهم الغريب، وعن كل ما سبق عن هذه اللحظات التي أعيشها، لهفي عليَّ أنا الـ :

المُتلاشي كـ  غِمامة بددتها ظروف المناخ 
الصامت كـ منزل مهجور منذ مائة عام
المُرتجف كـ قالب جَلي في رف ثلاجة
المُشتت كـ رمل على ساحل البحر
المذعور كـ أرنب وقع في مصّيدة
الهائم  كـ درويش في حلقة ذِكر
المُنهزم كـ شخص انهارت أحلامه
المُتراجع كـ كَتيبة انتهت ذَخيرتها

فجأة .. غابت الأشياء جميعها كأنها حصلت على تعليمات إلهية بالتلاشي في الفضاء الممتد كذاكرتي الوقحة المتأججة كنار المجوس، كالإله المفترض «اهورامزدا»، شيء ما ابتلع كل شيء!، جعلني أقف وحدي دون جدوى كإشارة مرور مضيئة في مدينة هجرها سُكانها .. أصبح جسدي لزجًا وتمَدَدَ على الأرض، وشَرَعَ في التلاشي هو الآخر!، إلا أن قِطّ «إيفا» الذي أصبح أضخم أقتلع جسدي المُمدّد، وركض كـ”يوسين بولت” البطل الأولمبي الشهير!.. بعين مُلتاعة وأخرى عاجزة عن الرؤية، رأيتُ غابات وأنهار وحيوانات مذهولة من القط الضخم الراكض، يحمل شيء لا يعرفونه علي الأرجح!!.. ثم قذفني بقوة هائلة، سبَحَ جسدي في الهواء، ثم سقط في الأرض واقفًا بكامل عافيته إلا من عين مثقوبة !.

أرضٌ خضراء على امتداد البصر، قبائل إفريقية بدائية، -دون شك- السّمار في كل مكان، أطفال، وفتيات، ورجال، وصبيان، ونساء وكهول يرقصون ببهجة عظيمة، إيقاعات مذهلة لم تقع على أذني مطلقًا، استدعيتُ كل نماذج الموسيقى التي أعرف ولم أجد لها مثيل، كف عملاق هبط من السماء كنيزك هارب نحوي تمامًا؛ صفعني بقوة جعلتني أرى كل شيء عَبَرَ من خلال ذاكرتي يوماً ما، مشاهد لا تُحصي في شاشة عملاقة مثبتة بإحكام أمام عيني الوحيدة، ثم دون مقدّمات ضاعت ملامحُ العالمِ بِرُمَّتهِ أمامي .. أنيقًا في حُلة اليأس أقف، كفزّاعة حقل، بلا حركة سوى تلك التي تجود بها الرياح من حين لآخر، بينما تذوب روحي في فراغ شاسع بلا نهاية !

~~~~~~~~~~~~~

سانـد إيها الأخرق اللعين الـ ****

ساند ..

سا

صوت «إيفا» يتجلي ثم يغيب ثم يتجلي ثم

صفعة هائلة مِنها أعادت لي صوابي المفقود !!

أُقسم أن صفعتها أشد قسوة من صفعة النيزك !!

عن ميرغني طه

mm
كاتب من السودان