الرئيسية / احدث التدوينات / اللغة العربية بين الأصالة و الحداثة

اللغة العربية بين الأصالة و الحداثة

 20160806-880

اللغة التي يتحدث بها أكثر من 422 مليون نسمة ، منهم سكان أكثر من دولة غير عربية مثل تركيا و تشاد و السنغال و أثيوبيا ومالي ، لها تأثير بالغ في العديد من اللغات الأخرى ، مثل اللغة التركية و الفارسية و الأردوية و الماليزية و الأندونيسية و الأمازيغية و الأسبانية و البرتغالية و المالطية و غيرها من اللغات ، هي ضمن اللغات الست الرسمية بمنظمة الأمم المتحدة و نحتفل بذكرى انضمامها في يومها العالمي 18 ديسمبر من كل عام.

عندما بدأت في كتابة المقال كان لدي تصورًا واحدًا.. كيف تتطور لغتنا العربية؟!

لا أقول أنها لغة جامدة, و لا أتفق مع من يرونها لغة ميتة, أو في طريقها للاندثار.. فهي ككل اللغات تطورت ما بين الشكل التقليدي الموروث, وشكلها الحديث بعامية النطق و الكتابة . كيف أكتب إذًا عن اللغة العربية بمنظور مختلف؟؟

لا بحس العاطفة أو من منطلق الرفض.. ليس لأنها لغتي الأم, أو لأنها لغة كتابي المقدس. كيف يتم هذا؟

بالخروج من الإطار النمطي المعتاد, فعندما تُذكر اللغة العربية يقفز إلى الأذهان أنها لغة القرآن الكريم, أو أنها لغة الضاد..

أولاً : لغة القرآن الكريم

إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ” الآية 2 سورة يوسف

فلنُنَحِ أمر التقديس قليلًا عن اللغة, و لو زُهّاء الوقت الذي تستغرقونه بقراءة المقال.. 

لأننا إذا نظرنا للعربية فقط على أنها لغة مقدسة فربما ننفي عنها الحاجة المستمرة للتطوير و التحديث, فسُنة الحياة هي التطور.. و لكن! هل نستطيع تطوير المقدس؟!

تعالوا ننهج أسلوبًا علميًا في تحليل اللغة العربية و إخضاعها للبحث و تجارب العلماء كما قال الدكتور طه حسين في كتابه الشهير في الأدب الجاهلي و الذي صدر قبل ذلك بعنوان “في الشعر الجاهلي”.

بين الأصالة

و هذا يعني العودة لأصل و تاريخ نشأة اللغة نفسها و تطورها كلغة سكان شبه الجزيرة العربية, و هذا يسبق القرآن الكريم الذي نزل بلغتهم الأصلية لعلهم يعقلون كما يتضح من الآية.

و بين الحداثة

و التي تعني الحضور أو الراهنية, أي أنها حركة الحدوث بما يعني التحديث و العصرنة بما يوافق روح العصر من الطرق, و الآراء, و المذاهب.

فلنكتفي بالقول: هي لغة القرآن, لكنها لم تعُد حكرًا على القرآن ككتاب مقدس, خاصة و أنه على جانب آخر, فإن المسيحيين بالشرق يؤدون شعائرهم أيضًا باللغة العربية و ليس الآرامية لغة المسيح, و أناجيلهم مكتوبة بالعربية, يقرءونها و يتلونها بالعربية؛ كما كتبت بها الكثير من أهم الأعمال الدينية و الفكرية اليهودية في العصور الوسطى.

“ لله المجد في الأعالي , و على الأرض السلام, و بالناس المسّرة” عنوان ترنيمة من وحي (إنجيل لوقا 2: 14)

 

ثانياً: لغة الضاد

و قد تم تسميتها بهذا الاسم من قِبَل العرب حيث أن حرف الضاد غير موجود في أي لغة أخرى غير اللغة العربية ، و الكثيرون يعتقدون بأن الضاد المقصودة هنا هي الضاد التي تنطق كدال مفخمة ، و لكن في الحقيقة الضاد العربية القديمة المقصودة هي التي تنطق بمزيج من حرف الظاء واللام و لأن الظاء ينطق ذال مفخمة تم تحويلها لاحقًا إلى دال مفخمة فأصبحت الدال المفخمة هي الضاد الحديثة التي تستخدم حاليًا ولكن هذه الضاد نجدها في لغات كثيرة بعكس الضاد العربية القديمة التي تحدث عنها المتنبي في شعره القائل 

و بِهمْ فَخرُ كلِّ مَنْ نَطَقَ الضَّادَ                  وعَوْذُ الجَانِي وغَوْثُ الطَّريدِ

و بُناء على ما سبق فلتكن نظرتنا للّغة العربية مجردة بعيدًا عن كلاهما.

حتى لا نظلم اللغة العربية كوننا لا نخرج بها من إطار التقديس  أو التمييز  بالحرف الذي يختلط على الكثيرين!

فقصر اللغة العربية على هذين العنصرين يضعها في قالب جامد و لا يمنحها الفرصة للخروج عنه..

اعتدت في البحث.. العودة قدر ما استطعت للأصول, ثم التطرق شيئًا فشيئًا لما أريد الوصول إليه..

فلنرتحل معًا للماضي السحيق لنتعرف على أصل هذه اللغة. ثم نستكمل الرحلة إلى وقتنا هذا..

دعوني فقط أستعير كلمات عميد الأدب العربي في كتابه في الأدب الجاهلي عندما تطرق إلى تقسيم تاريخ الأدب العربي إلى عصور وقال: “إن هذا مجرد عناية بالقشور بين انقسام العرب إلى بائدة و باقية و عاربة و مستعربة, ما بين أولئك من جرهم و بين ولد إسماعيل, و بين امرؤ القيس و طرفة بن العبد و عمرو بن كلثوم, و ما نُسِب إليهم من أشعار, و ما بين تقسيم الأدب بين نثر و شعر و النثر إلى مرسل و مسجوع, و هل هناك شعر جاهلي, وإذا كان موجودًا فكيف السبيل إلى التحقق منه”..

لأقول إن البحث في تاريخ وتطور اللغة العربية و الجزم بنتيجة ما ليس إلا ضربًا من الهراء, فلا نملك الكثير من الأدلة و الأسانيد التي تؤكد كل ما نطرح بشأن اللغة و تاريخها و أصول نشأتها.. و لكننا سنذكر بعضًا مما انتهى إليه علماء اللغة حتى الآن إلى أن يظهر ما يغُبّ هذا أو يؤكده تأكيدًا تامًا..

 

كيف نشأت اللغة العربية و كيف تطورت؟

 

تاريخ اللغة العربية :

اختلف المؤرخون حول أصل اللغة العربية ، فالبعض يعتبرها أقدم من وجود العرب أنفسهم، حيث أنهم رجحوا بأنها لغة آدم عليه السلام في الجنة، أو أن أول من تكلم العربية هم قبيلة يعرب بن قحطان ، أو أن إسماعيل عليه السلام هو أول من نطق بها، و لكن لا توجد أي براهين تثبت أيًا من هذه الأقاويل ، لأن قبيلة يعرب بن قحطان يفترض بأنها كانت تتحدث عربية أخرى لها قواعد مختلفة عن اللغة العربية الأصلية ، و قد تم العثور على أماكن في شمال شبه الجزيرة العربية يوجد عليها كتابات قديمة بعدة لغات متباينة و مختلفة عن اللغة العربية التي وردت في القرآن الكريم أو في الشعر الجاهلي ، ولذلك تم اعتبار لغة القرآن الكريم هي أصل اللغة العربية على الرغم من أن هذه اللغات أقدم من لغة القرآن الكريم .

و في آراء أخرى تقول بأن اللهجة العربية طورت في مملكة كندة في القرن السادس الميلادي بعد اهتمام الملوك بالشعراء الذين أصبحوا يتنافسون فيما بينهم مما أدى إلى توحيد اللهجة الشعرية ، و هؤلاء الشعراء هم أقدم من قوم قريش، الذين اعتبرهم البعض أول من تحدث العربية, و هناك بعض المستشرقين الذين أيدوا هذا الرأي و أطلقوا على هذه اللغة وقتها باللغة العالية ، أي اللغة الشعرية الخاصة باللهجات المحلية حيث وجدوها لغة رفيعة تظهر مدى ثقافة الشاعر أمام الملك ، و على الرغم من هذا الرأي إلا أنه كان الرأي السائد هو اعتبار اللغة العربية هي لغة قريش خاصة أن الشعر الجاهلي تم تدوينه فعليا بعد الإسلام و لا يوجد أي نسخ أصلية أو قصائد جاهلية يحدد بها التاريخ الدقيق لها .

أما بداية ظهور الشعر العربي في الجاهلية فكثير من العلماء العرب القدامى يحددها زمنيا بمائة و ستين عاما قبل مجيء الإسلام . يربطون ذلك بالشاعرين العربيين المهلهل بن ربيعة و امرئ القيس بن حجر و استقراء أقوال العلماء العرب القدامى ينبئنا بوضوح بوجود لغة عربية, و لغة عربية محضة و هي لغة الشعر الجاهلي, و القرآن الكريم, و عربية قحطان وحجر, و هي عربية أهل اليمن , و الشعر الجاهلي –كما هو معروف– يعد أقدم وثيقة وصلت إلينا حتى اليوم , تقدم لنا صورة متكاملة للغة العربية المحضة , أي اللغة العربية الفصحى . و هذا يعني أن تشكل اللغة العربية الفصحى قد حدث قبل ذلك بزمن , إلا أنه لم يتم العثور على وثائق مكتوبة كافٍ لإصدار حكمًا جازمًا بهذا الشأن.

و المتتبع للدراسات اللغوية المقارنة يجد أن العلماء المختصين تأكد لهم أنها تضم عناصر لغوية قديمة لا توجد في غيرها من لغات جزيرة العرب القديمة, يرجح أنها ترجع إلى اللغة السامية الأم.

كما أن العثور على نقشي أم الجمال و نقش النمارة, و نقش زبد, و نقش حران التي كتبت بلغة عربية صريحة تخالطها بعض الظواهر اللغوية النبطية الآرامية, و نقش قرية ذات كاهل عاصمة مملكة كندة في وادي الدواسر, الذي كتب أيضا بلغة عربية صريحة و أدبية إلى حد ما  تخالطها بعض الظواهر اللغوية لنقوش اليمن القديم, و بدراستها دراسة فاحصة أكدت للمختصين أن اللغة العربية الفصحى كانت في القرن الثالث الميلادي قد تكونت تقريبا , و كانت قد عرفتها مكة و ما جاورها, و انتشرت إلى قرية ذات كاهل, و ربما وصلت إلى الحيرة في العراق, وإلى بعض مناطق سوريا , لاسيما المناطق التي أقامت فيها قبائل عربية من شبه الجزيرة العربية , و قوافل التجارة القادمة من مكة.

فاللغة العربية الفصحى إذن لم تكن لغة قريش وحدها, و لا لغة قبيلة أخرى بل أنها لغة انتظمت أحسن ما في لهجات القبائل العربية, كما ورثت بقايا اللهجات الثمودية و اللحيانية و الصفوية, و اشتملت على مادة غزيرة من عربية أهل اليمن.

 

تصنيف اللغة العربية :

هي واحدة من اللغات السامية الوسطى و التي تتفرع من مجموعة اللغات الأفريقية الأسيوية، وهي فرعان:

لغة الجنوب و لغة الشمال و هما تختلفان اختلافا ملموسا فالعربية الجنوبية القديمة تضم اللغة السبئية و القتبانية و الحضرمية و المعينية ، أما العربية الشمالية القديمة فتضم الحسائية و الصفائية و الحيانية و الديدانية و الثمودية و التيمائية ، و قد كان العرب في الجنوب يستخدمون حرف النون كأداة للتعريف و كانوا يضعونه في آخر الكلمة ، أما العرب في الشمال فقد كانوا يستخدمون حرف الهاء كأداة تعريفية, أما لغة الفصحى و هي المضرية فتستعمل “أل” للتعريف, و قد كانت لغة الجنوب اليمنية أكثر اتصالًا باللغة الحبشية و الأكادية أما لغة الحجاز فأكثر اتصالًا باللغة العبرية و النبطية, و قد ذهب بعض العلماء إلى أن لغة الجنوب أصل من أصول العدنانية.

 

تم تصنيف اللغة العربية إلى ثلاثة أصناف رئيسية و هي العربية التقليدية ، و العربية الرسمية ، و العربية المنطوقة بالعامية ، و تعتبر العربية التقليدية هي التي ورد شكلها حرفيا بنصوص القرآن الكريم و لذلك تم تسميتها أيضا بالعربية القرآنية و تستخدم فقط في المؤسسات الدينية و في التعليم في بعض الأحيان ، أما اللغة الرسمية و هي التي تستخدم في الوطن العربي بالأدب و في المؤسسات الأخرى الغير دينية ، أما اللغة العامية التي يتحدث بها غالبية العرب بلهجاتهم الخاصة و تختلف من منطقة إلى أخرى

بحسب معهد الصيف العالمي للغوياتS I L International ، فإن لهجات العربية يمكن تقسيمها حسب الأماكن الجغرافية إلى:

لهجات شبه الجزيرة العربية، منها: الخليجية و العمانية و الحجازية و النجدية و البحرينية و الظفارية و اليمنية و العراقية

لهجات بلاد الشام، و تتفرع منها: اللهجات السورية واللبنانية و الأردنية و اللهجات الفلسطينية و اللهجة القبرصية.

اللهجة المصرية تتفرع منها بضعة لهجات مثل اللهجة الصعيدية، اللهجة الإسكندرانية، واللهجة القاهرية.

اللهجة السودانية : يتحدث بها سكان السودان، و تتفرع منها عدة لكنات، نظراً لمساحة البلاد الشاسعة و لوجود عدد من

  المجموعات العرقية و القبائل المختلفة فيها، و التي تختلف طريقة لفظ كل منها لمخارج الحروف.

اللهجة التشادية

اللهجات المغاربية، وتتفرع منها: اللهجة الحسانية، اللغة المالطية، اللهجة الجزائرية، التونسية، الليبية، المغربية، الصقلية، و اللهجة الأندلسية؛ تأثرت هذه اللهجات باللغة الأمازيغية و باللغة الفرنسية عبر العصور.

 

الكتابة العربية

لم توضع الحروف العربية وضعًا و لكنها تولدت بتنوع الحرف النبطي الذي كان شائعًا في شمالي جزيرة العرب قبل الإسلام فتكونت حلقات ثلاثة لسلسلة الخط العربي:

أولهم الخط المصري القديم بأنواعه الثلاث (الهيروغليفي..و الهيراطيقي..والديموطيقي)

و ثانيها الخط الفينيقي

و ثالثها الخط المسند و هو عدة أنواع منها (الخط الصفوي.. و الثمودي.. و اللحياني.. و السبئي او الحميري)

و من المسند تفرع الخط الكندي و النبطي و من النبطي تفرع الخط (الحيري و الأنباري) و منه

الخط الحجازي (و هو النسخي العربي) و أما الخط الكوفي فهو نتيجة هندسة و نظام الخط الحجازي

 مراحل تطور اللغة العربية :

بعد الفتوحات الإسلامية انتشرت اللغة العربية بشكل كبير و تأثرت بها الكثير من الشعوب و خاصة بعد اعتناق أهلها للإسلام و كان هذا له أثرًا كبيرًا في انتشار اللغة العربية في تلك الفترة ، و كانت اللغة العربية في أوج ازدهارها لأنها كانت لغة العلم و الأدب في ظل الخلافة العباسية و الأموية، و مع الوقت أصبحت اللغة العربية هي لغة الشعائر السائدة مثل الشعائر المسيحية في الوطن العربي و في كنائس الروم الأرثوذكس و الكاثوليك و السريان، و أيضا الديانة اليهودية التي كُتِبت الكثير من أعمالها الدينية و الفكرية باللغة العربية .

و في العصر الذهبي للعربية، تم تأليف العديد من الكتب و المخطوطات باللغة العربية في جميع المجالات العلمية و الثقافية، كما تأثرت بها العديد من اللغات الأجنبية الأخرى مثل الإنجليزية و الفرنسية و الإسبانية و الإيطالية و الألمانية.

بعد الاجتياح المغولي بقيادة هولاكو خان كانت اللغة العربية في أسوأ حالاتها و أصابها الركود بسبب التدميرات و تخريب الثقافة و الحضارة العربية ، أما في العصر المملوكي لم يهتم العرب بتطوير اللغة و العلوم.

و بسقوط الأندلس فقدت العربية مكانتها لصالح اللغات و الحضارة الأوروبية التي نقلت كل ما تمكنت من نقله الحضارة الأندلسية..

أما في فترة الفتوحات العثمانية أصبحت اللغة العربية هي اللغة الرسمية الثانية في عهد الدولة العثمانية، و لكنها سرعان ما فقدت مكانتها مع بداية القرن السادس عشر فأصبحت لغة الدين الإسلامي فقط في الدولة العثمانية.

انتعشت العربية في أواخر القرن التاسع عشر بعد النهضة الثقافية التي شهدتها بلاد الشام و مصر لازدياد أعداد المثقفين و المتعلمين في هذه الفترة و نُشرت الصحف الحديثة باللغة العربية لأول مرة، و أقيمت العديد من الجمعيات الأدبية مما أدى إلى إعادة إحياء اللغة العربية الفصحى من جديد، ولعل من أشهر الأدباء الذين ساهموا في إثراء اللغة العربية في تلك الفترة ، أمير الشعراء أحمد شوقي و الشيخ ناصيف البازجي و بطرس السبتاني و شعراء المهجر مثل أمين الريحاني, جبران خليل جبران ، و قد ظهرت على يد هؤلاء القواميس و المعاجم العربية الحديثة مثل قاموس محيط المحيط و دائرة المعارف و التي لا تزال بعضها إلى الآن تستخدم ، كما تأسست الصحافة العربية التي كان لها دور كبير في إحياء الفكر العربي ، و لكن اقتصر هذا على الأدب فقط لا المجال العلمي ففي أواخر القرن العشرين، أصبحت اللغة الإنجليزية هي اللغة المنتشرة في غالبة الدول حتى بالدول العربية خاصةً بعدما أصبحت اللغة الأساسية في التعاملات و الرسائل التجارية و العلمية .

 

اللغة العربية و الحداثة.. لماذا؟؟

بداية دعونا نتفق أن هناك نوعان من تطور أي لغة من حيث الإضافة إلى قواعدها, أو ترجمة المصطلحات العلمية و السياسية و الاجتماعية التي تظهر  بين وقت و آخر عالميًا و إضافتها لقاموس اللغة, و النوع الثاني من التطور و الذي يعني أن يقوم أديب أو شاعر بابتكار و خلق ألفاظًا مستحدثة, أو كلمات و أسماء تصبح مع الوقت من ضمن مفردات اللغة التي يكتب بها.. و تحضرني هنا قصة اثنين من كبار الأدباء الإنجليز العالم..

أولهما هو الأديب تشارلز ديكنز, و الذي ابتكر شخصية باسم العم سكروج Uncle Scrooge  في روايته ترنيمة عيد الميلادChristmas Carol  و التي أصبحت لفظة تصف البخل, لأن العم سكروج كان بخيلًا بشدة, و تلك الشخصية أصبحت لقبًا للبطة دهب أو Uncle Scrooge Mc Duck  كشخصية من شخصيات ديزني المعروفة.

أما الآخر فهو الروائي جي. أر. أر. تولكين مبتكر سلسلة سيد الخواتم الشهيرة, و الهوبيت, و غيرها من كتابات الفانتازيا و التي كان يؤلفها خصيصًا للأطفال, و بالطبع أغلب من شاهد الأفلام المأخوذة عن السلسلة, أو قرأها يعلم أنه ابتكر لغة داخل اللغة و مصطلحات و أسماء أصبحت جزءًا من اللغة الإنجليزية نفسها.

إذًا فإن أي لغة تتطور و تتجدد باستمرار و تنمو, و هذا لا يحدث إلا على يد أدباءها و شعراءها هؤلاء الذين تسكن اللغة قلوبهم و تلامس أناملهم بحروفهم التي يسطرونها.. و بنظرة على لغتنا العربية, تساءلت هل تتطور بتلك الطريقة؟ هل هناك تغييرات و إضافات ثورية طرأت على اللغة؟؟ هل تتناسب وتناسب تلك اللغة -التي تعلقت بها و أنا بعد صغيرة أتعلم القراءة متلعثمة في قراءة الكلمات الصعبة- ابنتي و جيلها؟! هل يحبون اللغة العربية كما أحببناها و نحن في مثل أعمارهم؟!

أعلم الإجابة, نتيجة لملامستي القريبة لعلاقة الكثير من الطلاب باللغة العربية, سواء أكانوا من طلابي أو من خلال علاقتي بابنتي كنموذج لهؤلاء الطلاب و الطالبات, خاصة ممن يتلقون العلم بمدارس تدرس المواد العلمية باللغة الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية بالإضافة إلى تدريس مادة اللغة العربية نفسها كمادة مستقلة؛ ناهيكم عن دراسة بعضهم في مدارس دولية لا تقوم بتدريس العربية على الإطلاق.. هروبًا من رداءة التعليم في المدارس الحكومية..

و نتيجة لتقاربي هذا معهم و بكل صدق أستطيع أن أقول:

أغلبهم لا يحبون اللغة العربية

 نعم! هذه حقيقة لا أستطيع إنكارها, يشعرون أنها لغة ثقيلة ملآنة بالمحسنات اللفظية و العبارات التي يصعب فهمها.. فطريقة تدريس اللغة العربية و تأثرهم بدراسة اللغات الأخرى شكّلت حائلًا بينهم و بين لغتهم الأم, خاصة مع كونهم يتحدثون و يتعاملون حياتيا بالعامية, مما صنع فجوة بين لغة الحياة و لغة الدراسة  غير تعاملاتهم المستمرة مع الانترنت و تطبيقات الهواتف المحمولة و التي يتواصلون من خلالها بلغة “الفرانكو” و هي كتابة العامية بحروف إنجليزية. 

 

كانت لي تجربة شخصية مع ابنتي, أشارككم بها؛  فرغم أنها قرأت و تقرأ الكثير من الكتب بالفصحى, و لكبار الكتاب, إلا أنها لا تستسيغ اللغة العربية كثيرًا, هي بالمجمل أفضل لحد كبير من أبناء و بنات جيلها, لكنها مثلهم لا تحبها.  

هي تتلقى تعليمها الثانوي على نظام إنجليزي دولي, تُدَرّسْ فيه اللغة العربية كمنهج قياسي و هو ما يعني منهجًا دراسيًا موحدًا لكل الدارسين بها في أنحاء العالم من طلاب هذه الشهادة..

بالاختبار النهائي العام الماضي كانت قطعة الفهم عن “فن الموشحات الأندلسية” و علاقة أشعار الصوفية بالموسيقى و التوزيعات اللحنية, و دور عالم الأندلس الشهير “زرياب” – الذي اكتشفت أن شهرته لدى الطلاب الأجانب أكبر من الطلاب المصريين أو العرب- كثيرون من الطلاب المصريين و العرب تساءلوا ماذا تعني موشحات؟

و ما علاقة الصوفية –التي ربما لا يعرف البعض عنها إلا عرض التنورة- ما علاقتها بالموسيقى؟! و من هو زرياب؟!

الغريب أنني علمت فيما بعد أن هذا السؤال لم يشكل موضع تساؤل من الطلاب من جنسيات أخرى غير ناطقة بالعربية

و منهم الطلاب الإنجليز أنفسهم دارسي اللغة العربية..

بالنسبة لابنتي كان اسم زرياب فقط هو الغريب, أما عن علاقة الموسيقى بالشعر الصوفي و فن الموشحات, فهذه المعلومات توافرت لديها, لأنها تقرأ أشعار “ابن الرومي” –بالإنجليزية- و تعلم شيئًا عن الصوفية أيضًا من قراءات باللغة الإنجليزية!!!!!!!

أعتقد أننا نحتاج لوضع الكثير من علامات التعجب..

التعجب ذاته الذي يظهر على وجه الكثيرين إذا ما أخبرتهم من منطلق تخصصي في علم الحاسوب, أن الأرقام العربية ليست بعربية, بل بهندية, و أن الأرقام باللغة الإنجليزية هي الأرقام العربية الأصلية!!

و بعد؟!

فهل نعرف لغتنا العربية بعيدًا عن كونها لغة القرآن الكريم أو لغة الضاد؟؟

 

تعالوا إذًا لنحاول النظر إلى لغتنا العربية بمنظور حداثي, فقط علينا ألا نتناسى أن الحداثة العربية ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بلغة واحدة, و بفترة زمنية واحدة ألا و هي فترة وجود كبار الصوفية الفلاسفة, أمثال ابن عربي, و السهروردي الإشراقي, و الجيلي. بينما الحداثة الغربية على العكس من ذلك تمامًا.. فليست أحادية اللغة و لا أحادية الأصل, بل متعددة اللغات و الأصول؛

و ليست مرتبطة بمرحلة زمنية واحدة, بل نتاج مراحل زمنية متداخلة..

و علينا أن ندرك أن الحداثيين الجدد لا يرون الحداثة في الخروج عن الشعر التقليدي إلى الحُرّ, أو الاستعاضة بالعامية عن الفصحى.

بنظرة للحداثيين العرب في العصر الحديث يلفت انتباهنا كونهم إما

شعراء تأثروا بالنهج الصوفي مثل: أدونيس, و صلاح عبدالصبور, و محمود درويش , و عبدالوهاب البياتي

أو مفكرين و كتاب الأدبيات الإسلامية الحديثة مثل: محمد إقبال, محمد أركون, نصر حامد أبو زيد, و الجابري..

و من أكبر المتأثرين بحداثة اللغة الصوفية الشاعر علي أحمد سعيد “أدونيس” فماذا يقول الرجل عن مأزق الحداثة العربية

هو يرى أنه يتمثل في ثلاثة نقاط أساسية :

* أولاً :

الشعور بأن هناك انفصام بين الدارسين العرب و تراثهم الفكري بين ما سياسي فكري و فني, و يتمثل السياسي في الحركات المناهضة للسلطة(الخوارج, الزنج,  القرامطة), أما الفكري فيتمثل بالتصورات الاعتزالية و العقلانية و الإلحادية و التصوف.

أما التيار الفني فقد أبطل القديم و تجاوزه, و تحول فيه الإبداع إلى جهد إنساني يمارس فيه الإنسان“عملية خلق العالم”.

* ثانيًا :

يقول: أن جميع ما نتداوله اليوم فكريا وحياتيا , من الغرب, أما فيما يتصل بالناحية الحياتية فليس عندنا ما نحس به حياتنا إلا ما نأخذه من الغرب, نعيش بوسائل ابتكرها الغرب , و نفكر بلغة الغرب من (نظريات, مفهومات, مناهج تفكير, و مذاهب أدبية, رأسمالية, إشتراكية, ديمقراطية, جمهورية, ليبرالية, حرية, ماركسية, شيوعية, قومية, منطق, دياليكتيك, عقلانية, واقعية رومانتيكية, رمزية, سريالية), و هذا معناه أن جزء من حداثتنا في جوهره حداثة اغترابية, بمعنى مغتربة عن الواقع الاجتماعي و متعالية عليه, كما هي متعارضة مع التراث الأصيل.

* ثالثًا:

يتحدث عن أن هناك حداثة “انتلجنسية” بمعنى حداثة نخبة معينة يتداولها مثقفين لا علاقة لأفكارهم بواقعهم إذ لا يعبرون عنه و لا يؤثرون فيه.

و التي يقول عنها المفكر المغربيعابد الجابري”:

“إن هذه الصفوة فئة قلية جدًا و غير مؤثرة التأثير الكافي في واقعنا الثقافي، إن الكتاب الذي يصدر بيننا و يؤلفه واحد منا نتداوله فيما بيننا نحن فقط, و لا يوزع منه إلا حوالي ستة آلاف فقط في شعب يزيد على مائة و خمسون مليون”.

بنظرة على تحليل أدونيس, و فكر الجابري نتساءل أين يكمن دور اللغة هنا, و كيف يكون هذا الدور بمنظور حداثي؟

نعود للمتصوفة لأنهم هم قادة الثورة اللغوية في التاريخ العربي, و يمكن القول أن بداية الحداثة في تاريخ اللغة العربية, انطلقت مع كلام المتصوفة, فإلى اليوم هم سادة علم اللغة, و مازال تأثيرهم قويًا في الشعر الحديث, و في الأدب المعاصر عمومًا, و للأسف لم يأتِ, منذ أيام المتصوفين العرب إلى اليوم, من استطاع أن يفجر اللغة و يتفوق على اللغة الصوفية.

إذًا فلو تعددت طرائق الحداثة في عصر العولمة, فإن الحداثة التي تتجذر في تراثنا الصوفي اللغوي الأصيل هي ما يمكن أن تعيد إحياء و تجديد و تشكيل هوية الإنسان في سياقاتها المعرفية و الفكرية؛ فقط بتطوير اللغة العربية بما يتناسب مع مقتضيات العصر الذي نعيشه, نحن قادرون على هذا, و إن كنت لا أدري حقيقة كيف سيتفق أهل اللغة على هذا الدور و كيف يمكنهم القيام به و تنفيذه فعليا على أرض الواقع. خاصة في ظل الظروف التي نعيشها في مجتمعاتنا..

 ولكن! دعوني أقول: أننا عندما نناقش قضايا كتغيير المفاهيم, مراجعتها, أو كتجديد التراث الديني و المعرفي لدينا, يتفق الكثيرون على الاستعانة بالذخائر العلمية التي تركها علماء كإبن رشد و الفارابي, حيث يكمن فيها الكثير مما نحتاج للتطوير و التحديث, اتفق معهم تمامًا و لكنني بالوقت ذاته أرى أننا علينا الاهتمام بلغتنا العربية بشكل مختلف, فلنجرب النظر إليها من خلال أشعار الصوفية و كتاباتهم.

يقول الإمام الأكبر محي الدين ابن عربي:

“الحروف أمة من الأمم مخاطبون و مكلفون، و فيهم رسل من جنسهم و لهم أسماء من حيث هم و لا يعرف هذا إلا أهل الكشف من طريقتنا ”

إن كتابات المتصوفة أوجدت ما نطلق عليه مصطلح اللغة داخل اللغة , حيث قام المتصوفة بتوظيف خاص للغة, و الكتابة بالأسلوب الذي يتاخم آفاق الشعر دون الارتباط بإيقاعات الخليل بن أحمد و عروضه الشعرية وحدها..

هؤلاء المتصوفة الفلاسفة, لم تتعارض لغتهم المطورة و المحدثة, بالموازاة مع أفكارهم مع كون اللغة العربية لغة القرآن, أو كونها لغة الشعر الجاهلي المتوارث و لغة المعلقات..

و المتذوق للغة العربية سيدرك تمامًا أن التراث الصوفي لهؤلاء الشعراء الصوفيين هو أجمل ما تركوه بما انساب من كلماته بسلاسة و رشاقة و فيض من خيال يشبه السحر, و يحمل من الجرس الموسيقي ما يكفي لتكون الكلمات كالألحان برقتها و تناغمها.

 

فقط للتذكرة

شاعر ألمانيا الشهير جوتة ممن تأثروا بالتصوف و باللغة الصوفية, و أشعارها, هل يُنْسَى ما قاله عن العربية:

“ربما لم يحدث في أي لغة هذا القدر من الانسجام بين الروح و الكلمة و الخط مثلما حدث في اللغة العربية, و إنه تناسق غريب في ظل جسد واحد ”.

و هل يُنْسَى أن أدباء العصر الرومانسي كإمرسون و ثورو و غيرهم ممن أعادوا تشكيل وجه الأدب في الولايات المتحدة الأمريكية ليغادر مرحلة التشاؤمية إلى مرحلة الرومانسية قد تأثروا تماماً بما نقلوه عن الأوربيين من أشعار الصوفية و لغوياتها و أفكارها.

و في عصرنا الحالي فإن من أكثر الكتب انتشارًا في الغرب مؤلفات محي الدين ابن عربي و التي ترجمت من العربية للإنجليزية.

ناهيكم عن أشعار جلال الدين ابن الرومي سواء المأخوذة من لغتها الأصلية الفارسية أو المترجمة عن العربية.

و بناء على ما سبق, ألا يحق لي التساؤل..

هل ستبقى مجالات تطبيق الحداثة في الأدبيات الصوفية كالشعر مجالاً وحيدًا؟!

أم أنه يمكن التوسع  بها و لتكن البداية بالتعليم, بداية بتعلّم اللغة العربية بأسلوب مختلف!!

أسلوب يضمن لنا أن يتساوى أبناءنا الدارسين للغتهم العربية مع –نظرائهم- من البلاد الأوروبية كألمانيا و انجلترا و الذين يدرسون اللغة العربية كلغة ثانية؛ أفضل مما نُدَرِّسها نحن كلغتنا الأولى.

في النهاية لا يفوتني إلا أن أتذكر معكم ما قاله هؤلاء عن لغتنا العربية

فعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين اعتبرها كائنًا حيًا

أما العقاد فوصفها بأنها لغة شاعرة

و أخيرًا

لا أنسى صوت الراحل فاروق شوشة بالإذاعة المصرية و عبارته الشهيرة عن اللغة العربية     لُغَتُنـَا الْجَمِيلَة

 

المصادر و المراجع:

* لسان العرب في مادة ض, د – ابن منظور

* الصاحبي في فقه اللغة و سنن العرب في كلامها – أحمد بن فارس

* كتاب في الأدب الجاهلي –  د. طه حسين

* كتاب الثابت و المتحول – أدونيس

* فقه اللغة العربية و خصائصها- إميل بديع يعقوب

* موسوعة الثقافة و المعلومات ج2- مهدي سعيد رزق

* الأبعاد الصوفية في الإسلام و تاريخ التصوف- آنا ماري شيمل ترجمة محمد إسماعيل , السيد رضا,  حامد قطب

* الحلم الأمريكي – د. عبدالعزيز حمودة

* موقع المرصد الأوروبي لتعليم اللغة العربية

* مقال التصوف و الأدب و اللغة, الملحق الثقافي لجريدة الثورة, يناير2011- الباحث عقبة زيدان

* إدارج أسماء من لغات غير الإنجليزية بمعاهد الولايات المتحدة للثقافة العالية- نيلي فورمان , ديفيد جولددبيرج, ناتاليا لوسِن.

 

 

عن عبير عواد

mm
كاتبة من مصر تحمل ثلاثة مفاتيح لأبواب عالمها هي : الكلمات .. الموسيقى .. الطبيعة .

أضف تعليقاً