الرئيسية / احدث التدوينات / اللغة..صرخة الحروف.

اللغة..صرخة الحروف.

 

5714671041

لفترة زمنية تعدت العشرة أعوام عشت وسط جماعات لها لغتها ذات المدلولات والمصطلحات البعيدة بشكل كبير عن لغتي الأم ولم يترك هذا أثرًا عميقًا في خطابي اليومي بل حافظت على الإحساس المشحون باحترام كل اللهجات وتعاملت بمرونة في استخدام لهجتي الأم ولهجتهم في آن واحد وذلك للدور الأسري الذي ساعد في هذا الأمر بشكل جيد عبر تداولنا للهجتنا الأم في التعامل اليومي، أضف لذلك عبر الشعر والموسيقى المتمددة الممتلئة بالانفعال اللغوي المنتمي لكافة الثقافات التي تضج بها بلادنا وكان ذلك دافعا منعنا بأن لا ننجرف وراء تيار لغة المجتمع الذي نتوسطه.

 وبعيدًا عن ما ذكر، ذاك المجتمع ساهم بشكل كبير في تطوير لغتي العربية في تلك الفترة عبر المنهج التعليمي المتبع في تلك الدولة إذ أنه ومنذ المرحلة الابتدائية هناك مواد تعليمية يتم تدريسها للطالب بمنهجية جيدة (مادة الخط العربي- مادة الإنشاء”التعبير”- مادة النشاط الثقافي) أضف لها مادة اللغة العربية الأساسية والاهتمام من قبل المعلمين بكل المواهب في مرحلة مبكرة (الفنون بكل أشكالها) وتقديم كل المتاح حتى يطور الطالب نفسه وذلك بإقامة الأنشطة الثقافية الدورية والمنافسة على مستوى المدارس في الدولة.

انتقلت تدريجيًا إلى مرحلة أخرى من الاهتمام باللغة عبر الإطلاع المكثف على الأدب الجاهلي وفي تلك المرحلة اكتشفت أن اللغة التي كتب بها الأدب الجاهلي لم تكن لغة عربية صرفة وان هنالك خلافًا بين لغة “حمير” العرب العاربة ولغة “عدنان” العرب المستعربة ونذكر ما قاله أبي عمرو بن العلاء “ما لسان حمير بلساننا ولا لغتهم بلغتنا” ولكن الأدب الجاهلي كان قاموسًا جيدًا و ماعونًا واسعًا أضاف لحصيلتي اللغوية بشكل ضخم، بعد رحلة بحث طويلة عبر الكتب والصحف والمواد الأدبية الأخرى اكتشفت طريقًا مختصرًا لكهوف اللغة وذلك عبر دراسة النص القرآني فهو مرآة لذلك العصر والقرآن استخدم لغة أدبية رفيعة لم تمثل الحياة الدينية فقط بل مثلت الحياة المجتمعية لفئة معينة من المجتمع فالقرآن لم يمثل كل المجتمعات في تلك الفترة.

وبعد التمرحل في سبيل تطوير لغتي اتجهت نحو المدرسة الغربية في الأدب الذي يحمل مدارسًا مختلفة في اللغة الخالقة لذاتها وقد توقفت كثيرًا عند تجربة الشاعر كولودج الذي أذاب وحطم اللغة المتعارف عليها وخلق لغته الجديدة وتحرر من قيود الجماعة واتبع الإدراك الحدسي المباشر المعتمد على العاطفة والإرادة معًا فقام الكاتب بعملية انصهار في ذاته و موضوعه الأدبي ولغته أنتج بها تراكيب ومفردات وصور جديدة وخلاقة غير مألوفة ،بالتأكيد الأدب الغربي يمتلك الكثير من الأدباء الذين صنعوا لغتهم الخاصة وقاموسهم الشخصي.

بعد المرور بأكثر من مرحلة وتجارب مختلفة ومدارس متعددة تأكد لي بأن اللغة لها صلاحيتها الخاصة في تطويع المعاني وارتياد المواضيع المختلفة وهي تعزيز مباشر لضرورة توصيف عبقري لعمق الأشياء وأن الكاتب العالمي هو من يستخدم لغة الحياة فلماذا يكون الكاتب ذاتيًا منعزلًا في لغة مجتمعه اللغة التي لا يفهمها إلا جماعتها المعاصرة لها وفي هذا تضاد لطبيعة العمل الكتابي الذي من أهم دعائمه أن يكون قادرًا على توصيل كل ما لديه للغير عبر وسيلته الأولى اللغة والغير هنا لا يمكن أن نقيده بالجماعة أو المجتمع المعين.

مع تأكيدي بأن اللغة هي ظاهرة اجتماعية فعلا وأنها أداة تعبير جماعية كان لزامًا علينا أن نفرق بين حالتين:

– حالة الجماعة

– حالة الفن

فليس من شك على الإطلاق أن اللغة اليومية مهمتها الأساسية توصيل المعلومة أو الفكرة من المتكلم إلى السامع ،ومن الطبيعي أن يستخدم المتكلم في وسطه الاجتماعي لغة الجماعة بمفرداتها وتراكيبها ومدلولاتها التي إصطلحتها الجماعة.

أما حالة الفن فهي إدراك وتأمل يحول أي موضوع إلى حالة مدهشة كما لو انه يحدث للمرة الأولى وذلك بتحطيم كل الارتباطات التي علقت في الأذهان وهذه الرؤية تتمثل فيها عملية الخلق الفني ويلتقي فيها الموضوع بالذات يزول بينهما التناقض باللغة وهذا ما على الكاتب أن يسعى عليه وبالتأكيد ليس عليه الاستغناء الكامل عن لغة جماعته لتحقيق هذا الأمر.

قبل مرحلة النضوج اللغوي إذا صحت التسمية تداخلت علي المواقف اللغوية الصاخبة وأصبت بتخمة لغوية رتبت وجداني وسمت بي نحو أفق منفلت من زخم التقليدية فقادني ذلك للخروج من منطقة العادية إلى حالة فنية حداثوية غير متطرفة شكلها لي (محمد الحسن سالم حميد- مصطفى سيد احمد – سليم بركات – محمود درويش -فيروز- بوب مارلي – والت ويتمان- دوستوفسكي – ويتني هيوستن….الخ) لقد كانت اللغة التي خاطبني بها هؤلاء هي عاصفة من الأدوات والتراكيب والمصطلحات التي أضاءت لي الغار اللغوي في سبيل الوصول إلى اللغة الوجودية المستمدة من كل خرائط الحياة فكان لهذا الأثر الكبير في معالجة بعض الثغرات التي حاولت مرارًا تجاوزها محاولًا الوصول إلى مرحلة الاتزان اللغوي و صناعة المفردة الخاصة المتجاوزة واذكر أن أرسطو قد ذكر في إحدى مقولاته (إن مهمة اللغة ليست توضيح معنى الأحداث.. كما أن مهمة الأحداث ليست توضيح معنى اللغة..فإذا لم يكن للحدث واللغة معنى خاص لكل منهما فلا مكان لهما في الحبكة فلكل من الحدث واللغة مهمة صحيحة).

عن راشد محمد عبد الوهاب

mm
صحفي وكاتب من السودان

أضف تعليقاً