الرئيسية / احدث التدوينات / المتحف القومي لتاريخ السودان

المتحف القومي لتاريخ السودان

بيتنا الثاني

#

بقلم: سلمى الباقر

     القاعة الأرضية و الممر المؤدي للطابق العلوي فيهما تسلسل و خريطة زمنية جميلة توضح حضارات السودان من أقدمها قبل الميلاد الى أقربها إلينا زمانا .. الأسماء لا تهمني .. التفاصيل التاريخية السياسية و الإقتصادية الدقيقة لا تعنيني .. ما يعنيني هو الإنسان .. في كل من تلك العصور .. تفاصيل الإنسان لا يحكيها التاريخ  .. إنما تستقى من تفاصيله الدقيقة  .. من تصاميم  أوانيه المنزلية .. من حلي النساء في ذلك الزمن .. من أسلحته .. من تفحم مصابيحه الزيتية .. من ألوان لوحاته الجدارية .. و الحكايا التى تحكيها الوجوه في تلك الجداريات .. لم يفت على القائمين على المتحف أن يوضحوا أسماء الشخصيات المصورة في تلك اللوحات و مكانتهم في ذلك الزمن ..

       أذهب إليه كلما أثقلت روحي من تساؤلاتي عن العالم الذي نعيش فيه .. أهو عيبنا أنه هكذا؟ .. لماذا يؤذي البشر بعضهم بهذه الطريقة؟ .. هل لأن عصرنا ملعون؟ .. شريعة الغاب تسود هذه الأيام .. و تكاد تسيطر على كل العالم .. يؤلمني ضعفي و قلة حيلتي .. أحمل نفسي فوق طاقتها .. أهرب منها إليه .. أو بالأحرى إليهم ..

       أجلس في ركن بناه جد لي قبل ميلاد المسيح بألف عام .. أراهم يتجولون حولي .. أتأمل في أشياء قاطني ذلك الزمن .. و كأن كل تلك الأشياء تهمس لي بعاداتهم .. و عقائدهم .. نساؤهم مثلنا .. في حبهن للجمال .. تفننوا في صنع الحلي و الثياب المزخرفة لهن .. و من أجلهن طوروا تصاميم الآنية عبر الزمان .. رجالهم أقوياء .. عمروا مساكنهم و حموا ذويهم مثلنا .. و تعلقوا بموتاهم مثلنا .. ملوكهم و ملكاتهم قدسوا الخلود مثلنا .. لكن بطريقتهم الخاصة ..

@
       لكنهم أيضا خاضوا الحروب و قتلوا و شردوا طمعا في السلطة مثلنا .. و نظموا الجيوش لحمايتها لهم مثلنا .. قاتلوا و ماتوا بإسم أديانهم و معتقداتهم مثلنا .. ثم كتبوا التاريخ ليبرروا كل ذلك مثلنا .. باعوا و اشتروا .. و سرقوا و قطعوا الطريق مثلنا .. تزوجوا و أنجبوا و ربوا ابناءهم في كل تلك الظروف مثلنا ..

و كأن جدي يهمس لي أن لا شيء يتغير .. ربما تتغير العقائد و العوالم .. لكن ما يفعله  الإنسان اتباعا لتلك العقائد باختلافها لا يتغير ..  طالما أن الإنسان هو الإنسان .. فإن الزمن هو الزمن .. الزمن هو الزمن باحتواءه على الأخيار و الأشرار و الحائرين بين هؤلاء و أولائك .. الزمن هو الزمن بتفرق حقبه بين الظلام و النور و الظلال المشتتة بينهما .. ما يحدث الآن ليس ذنب أحد بعينه .. ولا جماعة بعينها .. و إنما هو ديناميكية الزمن تلعب دورها .. المهم أن تعلمي موقعك فيها .. ما يهم هو أنت .. أنت فقط من يجب عليك العناية به و توجيهه للصواب .. إن ساد الظلام  فليس بمقدورك التغلب عليه .. لا تحاربيه .. محاربته لا تجدي ..  لكن يمكنك نصرة النور بأن تكوني نقطة فيه .. أستمع إليه .. فتسكن روحي و يخف حملها ..
 $
       الإعجاز هنا ليس ما قاله جدي لي .. لأن الحقيقة كما نعرف أنني وحدي من يتكلم هنا .. الإعجاز هنا هو مقدرة مكان ما على هدهدة الروح بهذه الطريقة .. تطالع صورتك في البحيرة الخارجية فتجدها تبتسم لك صافية و قد غسلت من عناءها .. تجلس أعلى التلة الصغيرة بنبتاتها المتسلقة و هواءها النقي فتشعر لوهلة انك في مكان آخر من هذا العالم .. عاملي المتحف و علماءه ببشاشتهم و محبتهم للحضارات القديمة و قصصها يشعرونك بانك تزور بيتك الثاني .. المبنى ككل يفتح ذراعيه مرحبا بك كإبن طال غيابه .. و يودعك و روحك تشتاق العودة .. 

عن سلمى الباقر

mm
كاتبة ومترجمة من السودان