الرئيسية / احدث التدوينات / المخيال الديني

المخيال الديني

15

إننا أمام مصطلح مفخخ إلى درجة بعيدة ويحتاج من يكتب فيه بعدًا معرفيًا كبيرًا و أن يصاحبه عصف ذهني كبير، ولأجل الولوج إلى مصطلح المخيال الديني وتفكيكه يجب أولا أن نبين الشق الأول من العنوان ألا وهو المخيال، في القرن المنصرم كانت هناك دراسات عديدةً تتعلق بالمخيال lʼimaginaire وتأثيره على الفرد والجماعة. وأول مَن تطرَّق إلى المخيال، في الحقيقة، هو أرسطو، معبِّرًا عنه بكلمة phantasma؛ وقد أخذه عنه الفلاسفة العرب، كالفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم، وعبَّروا عنه بكلمة “فانتاسيا”. أما الفلاسفة المعاصرون الذين اهتموا بهذه المسألة نذكر منهم كانط وفيخته وشلِّنغ وغيرهم. ومع تطور علوم النفس والدراسات الأنثروپولوجية، توسعت الدراسات وظهرت بحوث جديدة، كتلك التي قام بها جان پول سارتر وجلبير دُوران. وقد أولى المفكر اليوناني كورنيليوس كاستورياديس الموضوعَ أهميةً خاصة، حيث خصَّص له كتابًا بعنوان التأسيس الخيالي للمجتمع.

ما المخيال؟

يقول ابن رشد شارحًا أرسطو:

محال أن يوافق أو يطابق الخيال المخيال ظنًّا أو حسًّا أو علمًا أو عقلاً، وعمومًا، أيًّا كانت من ملكات العقلانية. فهو ليس متركبًا من الظنِّ والحسِّ، كما يقول بعض القدماء. فجلي أن الخيال ليس ظنًّا مقترنًا بحسٍّ ولا بملكة مركَّبة من الظنِّ والحس. إذن الخيال ليس إحدى تلك القوى ولا مركبًا منها.

ويقول في مكان آخر إن المعاني الخيالية هي محرِّكة العقل، لا متحركة. فالخيالات هي ضروب من المحسوسات عند غياب المحسوسات. فالإيجاب والسلب في غير الخيال. والعقل يجرِّد التصور ويخلقه.أي أنه يجعل الصورَ التي تتخيلها النفس psyché معقولةً، وهذا بخلاف ما يفعله العقل القابل أو العقل المنفعل. في كتاب النفس تطرَّق أرسطو إلى المخيال: فهو يرى أن “الفانتاسمات”، بالنسبة إلى النفس العاقلة والمفكِّرة، هي مثل الأحاسيس عند غياب الأحاسيس؛ ولذلك يستحيل على النفس أن تفكر من غير “فانتاسما”.إذا فالمخيال في نظر أرسطو وابن رشد، شيء مخالف للإثبات والنفي،الصواب والخطأ. إذا بعد شرح ظاهرة المخيال ننتقل إلى الشق الذي تدور حوله الرحى ألا وهو الدين .

يُعتبر الدين – بصفته منظومة معتقدات جمعية – عنصراً قوياً في حياة الإنسان منذ القدم إلى الآن، لكنّ هذه المعتقدات الجمعية المختلفة باختلاف العصور والمصادر الدينية والأجناس والثقافات أنتجت تصورات دينية بلغت حدّ التناقض والصراع.

شكل اللجوء إلى الدين حلاً سهلاً لإخضاع المجتمعات وممارسة التسلط، وصل أقصى تجلياته المعنوية في المجتمعات الإسلامية إلى استغلال الخوف – حد الرّهاب – من عذاب القبر ومن جهنم، لممارسة التسلط بمختلف مستوياته: دينياً وسياسياً واجتماعياً واقتصادياً ، وهذا ما دعا مجموعات دينيه لتوظيف المخيال الذي تشكل، وهنا يكون التأويل فعالًا ويتمظهر كاتجاه يتخذ بعدًا مطلقًا و يشير لوجوده وعمله ويعطي فاعليته داخل المجتمع

ولان القاعدة التي ينطلق منها المؤول ذات بعد مطلق لا يمكن نقده فانه بذلك يتحول إلى أداة قطع على كل ناقد او ذو رأي مخالف فعلي حد قول محمد اركون إن الإنسان لا تحركه فقط الحوافز المادية والاقتصادية، وإنما تسيره أيضا الصور الخيالية والأحلام الوردية. فكثيرا ما يتهيج الناس وتخرج الجماهير إلى الشارع، لمجرد أن شخصا قد ضرب على وتر المخيال الجماعي، أو عرف كيف يحرك النوابض الأساسية لهذا المخيال، والمخيال الإسلامي الذي حركه الخميني بشكل هائل هو من هذا النوع. ولهذا المخيال تاريخ يضرب بجذوره في أعماق التاريخ الإسلامي . وقل الأمر نفسه عن المخيال الذي تحركه الحركات الإسلاموية الحالية بمجملها. هكذا وجب حسب أركون القيام بعمل تفكيكي للمخيال الجماعي الذي يستغله الإسلامويون في تجييش الجماهير.

لذلك وجب أن يتفكك هذا المخيال الذي أصبح أداة فعل مهمة جدا من خلاله يتم تقديم كل خارج عن الوعي الجمعي إلى محاكمة عبرها يتم تثبت المخيال الديني و بذره أكثر في رحم المجتمع .

وهذا لا ينحصر على دين واحد دون غيره ولا منطقة دون أخرى بل في عمق الدول الحديثة مثل الولايات المتحدة الأمريكية فالجمهوريون يمثلون صوت الرب فجورج بوش الابن عندما احتل العراق تحدث بان هذه حرب من اجل الرب وبدأ الجنود الأمريكيين في تلاوة الصلوات ، وكذلك عندما قدمت إذاعة الكوتر التي تبث في أنحاء البلاد على قراءة ورد يومي من اجل تحصين البلاد من شرور أمريكا.

إن مثل هذه الأفعال تقوم على أكتاف المخيال الديني وهي تعيق الفرد في الخروج بتجربة ذاتية مختلفة كما أنها تفكك الهالة العظيمة التي أخذها رجال الدين و الجماعات الدينية كذلك ، إننا بتفكيك المخيال نمنع ونعطل مفاهيم يتم حشرها دون وعي من أحد داخل الخطاب الديني .

فالفرد هو جوهر تجربة الدين التي يجب أن نعمل على بذرها داخل المجتمع ، من أجل أن تتاح حرية معتقد كامل للأفراد يصب مباشرة في تيار الديمقراطية التي يحب أن تقوم على عاتقها الدولة الحديثة وعلينا بنقل التجربة الدينية إلى مربع الفردانية ليصبح الفرد مرجعاً لنفسه في الاستمداد والتلقي والممارسة والتوجيه والسلوك والتمثل. حيث يسقط كلّ المرجعيات والسلطة الدينية، سواء كانت تقليدية كالمسجد والأسرة والزاوية، أو حركات الإسلام السياسي، أو غيرها من المؤسسات الرسمية أو غير الرسمية التي كانت تنتج وتعيد إنتاج القيم الدينية. ولا شك أنّ هذا المفهوم، جاء ليحلّ محلّ التدين الجماعي المرتبط بالولاء للأسرة وللقبيلة وللأمّة وللجماعة وما إلى ذلك. ومن بين مميزات التدين الفردي أنّه يستطيع أن ينشئ نموذجه التديني، بمعزل عن كلّ المؤثرات والحيثيات والقواعد والأعراف والمؤسسات بذلك نكون قد جعلنا اعدنا الدين مربعه الذي يعمل فيه بصوره فعاله وعملنا علي خلق اجواء ديمقراطيه تفعل من حاله الفرد وتعلي قيمته

عن حسان الناصر

mm
كاتب من السودان