الرئيسية / احدث التدوينات / المرأة بين تحقيق الذات والبحث عن المعنى

المرأة بين تحقيق الذات والبحث عن المعنى

woman_construction_worker-750x500

هناك افتراض غير مُبرر لعلاقة طردية بين تقدمية المجتمع من ناحية وبين ارتياد المرأة للعمل العام ووسمها له من ناحية أخرى. ودليل ذلك أن اللاتي يعتد بهن كرائدات هن أولئك اللائي غزين مجالات العمل التي كانت مقصورة على الرجال بحكم شكل أسبق للمجتمع فرض ذلك. فقائمة أهم خمسة وعشرون امرأة مصرية تربط بين ريادة المرأة من ناحية والسبق الوظيفي من ناحية أخرى؛ كأول صحفية، أول وزيرة، أصغر سباحة تعبر المانش، أول حاصلة على درجة ماجستير، أول داعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

وقبل أن أُصَنَّف، فمما لاشك فيه أن احتكاك كافة طوائف المجتمع، ومنها المرأة، بروح العصر الذي يعيشونه أمر فيه نجاة الجميع إذا كان هدفنا ألا نتقهقر عن ركب الأمم المتحضرة، تحضرًا حقيقيًا. فالمرأة في العصر الفرعوني كانت حاكمة، وفي العصور الإسلامية كانت محتسبة كما خرجت إلى ميادين القتال تقوم بمهام كان منها التطبيب. والمرأة اليوم بما باتت تحظى به من تحلحل قبضة عادات وتقاليد بعضها بالٍ، وبما صارت تتمتع به من وعي، باتت مسئولة كالرجل تماما عن بث ونشر القيم داخل الأسرة وخارجها، فتعقد عالم اليوم لا يقو على مجابهة تشعباته احد الشريكين دون الآخر. لذا، فعليها لتحقيق ذلك الهدف ألا تلتفت إلى معارك وهمية كالثورة على الرجل، وعلى الرجل أن ينصت إليها ويتفهم أسبابها ويستوعب فهمها. وعليه، فالمشكلة في نظري ليست عمل المرأة بقدر ماهي استهجان استنفار كافة فئات المجتمع للخروج من المنزل، وتحقيق الذات، واستهلاك الأشياء، ودعم الأسواق، واقتسام الأعباء…الخ  دون البحث عن المستفيد من ذلك الخروج الكبير.

دار العديد من المفكرين حول تلك القضية –خروج المرأة- جيئة وذهابا. ففي تطبيقه للمنهج التفكيكي للفيلسوف وعالم الاجتماع السياسي الفرنسي “ميشيل فوكو”، كتب “تيموثي ميتشل” في مؤلفه “استعمار مصر” عن تغير طبيعة المسكن في مصر الحديثة تحت إشراف خبراء أوروبيون. فالمسكن التقليدي في قرى صعيد مصر في القرن التاسع عشر كان ينقسم إلى جزئين؛ الأول مضيء ومكشوف وبه نوافذ وهو الجزء الذي يدلف إليه الداخل من باب المسكن ويُستَقبل فيه الضيوف وتجتمع فيه الأسرة. أما الثاني فمظلم وأقل هبوطًا بدرجة لا تكشف للمتفحص ما يوجد به أو يدور فيه، وهو الجزء الخاص بالنوم وبأنشطة الحياة اليومية وتربية الدواجن. وفي الجزء الأخير كانت توجد المرأة، لا يعرف الغرباء شكلها، ولا يقفون على حقيقة دورها وما تقوم به من أنشطة يومية غير مُقننة وغير مكشوف عن ماهيتها للعالم الخارجي. كما كتب فيكتور هوجو في “البؤساء” عن نفس الحقبة التاريخية تقريبا- سنوات ما بعد الثورة الفرنسية- منتقدًا ومحذرًا من ظاهرة استخدام المرأة في أنشطة كالدعارة “Women prostitution” . وكتب آخرون حول تسليع الجسد “Commodifying bodies” كاستخدام نسوة ذوات قوامات ممشوقة وبشرة صافية في الإعلانات الدعائية للشوكولاتة والمأكولات والمشروبات والملابس ومستحضرات التجميل، ناهيك عن تعملق صناعة الأفلام الإباحية بما باتت تمثله من خطر على المجتمعات والعلاقات على حد سواء.

وفي روايته “أفراح القبة” الصادرة عام 1981 تتبع “نجيب محفوظ” خطى صعود المرأة إلى القبة/السلطة. وقرأنا كيف اقتحمت “فُتنة” عالم الرجال وصارعتهم فصرعت بعضهم. ذكاء أسود استولدته شهواتهم. فتخلت عن عاطفتها واعتنقت عقلها واستخدمت جسدها للحفاظ على مكانها ومكانتها. دولة ورجل وامرأة. الرجل سلطة وعقل، والمرأة أنوثة، وعقل حين تغزو مجتمع الرجال فتترجل عن عاطفتها وتسترجل. يصارع عقل المرأة شهوة الرجل وسلطته فتنهزم-المرأة- قبل أن تُهزَم حين تدرك اغترابها فيما آلت إليه من قوة مُتصلبة أفقدتها عاطفتها في سبيل الوصول إلى والاستحواذ على السلطة/القوة/القبة. لا عجب إذن من بزوغ ورسوخ الندية والمواءمات كأساس جديد للعلاقات العاطفية، وهو أساس بات يطاِلب به الرجل كما تطالب به المرأة. فالرجل ‘الطموح’ لا يقنع إلا بامرأة ‘طموح’ مثله، يتشاركان الأفكار والأهداف والقناعات فيتقويان ببعضهما على مجابهة تشعبات الواقع. ولكنهما ربما لم ينتبها إلى ما فقداه جراء تلك الندية والأثرة؛ فقدا استئمانهما ببعضهما فباتا في عداء جراء اصطباغهما بنزعة أنوية لا مكان فيها للمنح ولا للتفهم مالم يعودا بنفع مادي مباشر على كلاهما. والنفع/الأمان/السكينة لم تعد في أغلب الأحوال قيم يستمدها الإنسان من روح يسكن إليها بقدر ما باتت تُستَمد من نفع مادي، أو توقع عقلي، يعود من ذلك السكون إلى نفس معينة ويصب في الذات فتطمح وتتضخم وتضمحل. بينما في روايته “بين القصرين” والصادرة عام 1956 والتي تناولت حقبة بدايات القرن العشرين، كقاص مخضرم عاصر تغيرات كبيرة عصفت بالمجتمع المصري قال على لسان أحد أبطاله:  “ليست أم على هامش الحياة.. هي التي أنجبته والأبناء وقود الثورة، وهي التي تغذيه والغذاء وقود الأبناء، الحق أن ليس ثمة شيء تافه في الحياة.”

الربط المنطقي بين الأحداث وآثارها وانعكاسات تلك الآثار على المجتمعات يدعوني إلى الربط بين الرأسمالية كوريث أو وليد للثورة الصناعية وبين استنفار الجميع بمن فيهم المرأة للخروج، لا للعلم، بل تحقيق ‘الذات’ مدًا لرقعة الأسواق عبر الثورة على العادات والتقاليد والرجال. وإلا فأين الفنون والآداب والفلسفة؟! أين منها الجميع رجالا ونساء؟!

ولنتاج طموح كل منا مستفيدون لسنا هم! فالجميع يكتسب المهارات ويتقن اللغات ويقطع المسافات ويغترب خارج وطنه أو داخل نفسه لا لشيء إلا للحصول على وظيفة ملائمة في شركة مناسبة يتقوَى بها على واقع مؤلم إن لم يتنازل له هُضم فيه. الشركة باتت بديل الدولة في توزيع الأرزاق وإطعام الأفواه، ولكن بعقيدة مختلفة عن تلك التي من المفترض أن تكون للدولة؛ ألا وهي الربح. ومن هنا تغولت المادية في الواقع وفينا، فإذا ما باعدنا بين ‘الطموح’ وبين المقابل المادي له سوف تكون النتيجة مخيبة جدًا لآمالنا لأننا سوف نجد أنفسنا وجهًا لوجه أمام حقيقة عارية مفادها أن “الطموح” هو النقود، وما إن تباعد بينه وبينها وتفصله عنها لن تجده شيئًا في الكثير من الحالات. بنى “جون شتاينبك” ملحمته “عناقيد الغضب” الصادرة عام 1939 – في أعقاب الكساد الكبير- على مأساة أسرة نازحة من الجنوب الأمريكي إثر استيلاء البنك على أراضيهم نظير المُستحق عليهم من ديون. تحمل العائلة إعلان يطلب جامعي فاكهة ثماني مئة. يُمني الجميع نفسه بحياة سائغة. وفي الطريق تفقد العائلة الجد والجدة، ورويدًا تفجعهم الحقيقة ما إن يلتقوا بمئات العائلات النازحة حاملة نفس الإعلان الذي يطلب الجامعين الثماني مئة.

وفي القلب من ذلك كله توجد المرأة ويوجد الحب ويوجد الشعر ويوجد النثر. لا ينفي الذكاء عن المرأة إلا أحمق، فهاهي ذي تغزو ميادين العلم والإدارة. ولكن هناك أعطاب أصابت النظام حديث البناء فضحت استغلاليته. ففي أغسطس 2017 وقع حادث ذا مغزى عميق. فقد كتب أحد مهندسي تكنولوجيا المعلومات بشركة “جوجل” مذكرة داخلية قام برفعها إلى رئيسه وعلى إثر تسربها إلى الصحافة تم فصله. في مذكرته كتب عن وقوف العوامل البيولوجية خلف قلة عدد المهندسات العاملات في مجال تكنولوجيا المعلومات في “جوجل”. وعزا ذلك لأسباب تتعلق بعدم القدرة على تحمل التوتر المصاحب لآداء الوظيفة، ونصح بإعادة هيكلة السياسات الوظيفية المنظمة لها.

لا أعتقد أن الأعمال أنصفت النساء. فدور المرأة في العمل هو ذاته دورها في الأسرة؛ تدفع الأمور والأعمال إلى جمال وازدهار دون تقدير مكافئ لحجم الأرباح التي ولدتها إسهامات المرأة في نجاح الأعمال. فالمرأة خرجت من نطاق ذكوري أصغر إلى آخر أكبر، فهي عاملة في شركة أو مؤسسة يمتلكها ويديرها الذكور دون تدخل أنثوي حقيقي في توجيه السياسات الإدارية والإنتاجية والإنسانية، وهي وزيرة في حكومة من الذكور، وسفيرة في وزارة من الذكور، ووزيرة دفاع تترأس جيش من الذكور توجهه عقائدهم وغرائزهم وأطماعهم، وناخبة لذكر أملا في أن ينصفها الذكر.

ولكن رغم طرقها للعديد من المجالات لم لا تقرض النساء الشعر؟!

الشعر والنثر هما صور لانفعال الإنسان بالقول، رجلا أو امرأة، تجاه الحياة، تصريحًا. والانفعال نثرًا وشعرًا هو تصريح بالقول يعبر عن شعور بالمعنى يستنفره إلماح الأنثى. الأنثى تطمح وتُلمح والرجل يهيم ويتوهم أو يعجز؛ فيكتب، نثرًا أو شعرًا. فالمرأة تُلمح بلا تصريح عن طموح  لها يُجسده الرجل، والرجل يصرح بالقبض على معنى يشعر به يؤكده طموح وإلماح الأنثى فينفجر بيانًا ظانا أنه قبض على المعنى. فكل مُستَوهَبة لا تهبُ عقيم العطاء، وكل موهوب لا يُقرُ جهول.

تحتاج المرأة كي يزداد ويتعمق إسهامها بالكتابة إلى صمت وإلماح من الرجل لا يقدر عليه، فانفعال بالقول منها لم تُخلق له. وإن قُدر وحدث ذلك فربما يكون معناه انعكاس أدوارهما فيصير الرجل واهبا وتصير المرأة مستوهِبة، فيمنح الرجل العاطفة وتتغنى المرأة بها وهو شيء في اعتقادي قد يعني نهاية العالم أو ربما نهاية ذلك الطور للإنسانية وانتقالها إلى طور آخر لا نعلمه وليس بإمكاننا أن نتنبأ به.

عن إسلام علواني

mm
مترجم من مصر