المروحة

13989654171815.jpg

وقاص الصادق:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا

**

تلک الزوبعة الاصطناعية ..تتدلی من السقف کثمرة .. كزهرة تنمو من أعلى إلى أسفل .. ثم تدور .. “دوامة تنبت خارج البحر لأول مرة .. كأجمل مثال للف والدوران المثمر” .. تطل علی الأشیاء من هذا “الفوق” ثم تلوح بأیادیها الثلاثة تلویحة لا نهائیة، کأنها مسافرة “لکنها لا تسافر”، وکأنها عائدة للتو إلی الوطن “لکنها لم تنزل إلینا وتعانقنا” .. معلقة هي هکذا بین الذهاب والعودة، بین الأرضیة والسقف .. کحلم الحیاری ..

المروحة .. لا مبالیة .. عرفت منذ وقت طویل أن الحیاة لیست سوی مرآة لتری فیها نفسک، وأن علی حیاتک أن تدور حولك وحسب .. “لذلک أدمنت الدوران حول نفسها” .. وما الهواء الصادر منها إلا عرض جانبي أظنها تشمئز منه أکثر من أنها تحب إعطائه؛ إذ تتساءل بضیق “هل یستحق البشر تهویة؟!” ..وتظن أن أثاثات الغرفة تستحقه أکثر منهم .. ربما لذلک کثیرا ما أجد مروحة غرفتي فاتحة _رغم أني لم أفتحها_ وذلک لیس خللا في المفتاح؛ بل رغبة المروحة الداخلیة في تهویة أصدقائها من کراسي وسرائر وطاولات ! .. “أتری؟ .. الرغبة لیست خللا!” ..

المروحة .. تکرهها الطیور والزرازیر والعناکب؛ إذ تضایقهم في سقف الغرفة، لکن البشر یحبونها جدا، خصوصا في أوقات الصیف الحارة، أما في فصل الشتاء فلا یبالون بها ! .. لذلک کثیرا ما تردد المروحة: “الشتاء یکشف حقیقة البشر!” .. أما هي فلا شيء یکشف حقیقتها، ولا أحد یقترب منها إلا قطعت أصابعه بأیادیها القویة ..!

المروحة .. أحب أن أجلس تحتها عندما أکتب، لذلک هي أول ما یطل علی کتاباتي، “وأول قارئ وأول ناقد”، تفرش علی مسمعي صوتا هادئا کنسیم یداعب أوراق الشجر، ومنسابا کخریر جدول، خصوصا حین یعجبها نصا، فتبرد الهواء أكثر، تمنح الکتابة موسیقی تصویریة، تبرد حتی جو الحبیبین داخل النص، ثم تبعثر شعر الفتاة وتتلاعب به فیتلاعب الشعر بدوره بقلب العاشق فيقول لها الكلمة التي تنتظرها ! ..

 لکن هواءها یشتد فجأة أکثر من اللازم فیبعثر أوراقي؛ وذلک حینما تراني أکتب نصا سیئا! .. وأحیانا تصدر صوتا، وأحیانا تتوقف عن الدوران فأظن أن الکهرباء قطعت لکن لا، بل تلک رغبة المروحة وطريقتها في منعي عن مواصلة کتابة النص .. “والرغبة کذلک لیست خللا .. بل رغبة” ..

كل ذلک هو ما تعنیه المروحة حین تدور .. فماذا تعني المروحة حين لا تدور؟! ..

ماذا تعني المروحة في سکونها .. وکیف نعرفها وماذا نفهم منها ! ..

الدوامة تعرف بالمیاه الدائرة حول نفسها، وإلا لیست هناک دوامة، الزوبعة تعرف بالغبار والأکیاس التي تلوح بها، وإلا لیست هناک زوبعة، الثمرة تعرف بطعمها، الزهرة برائحتها ومنظرها، لکن ماذا تعني مروحة متوقفة عن الدوران ! .. کطائر لا یحلق، کعاصفة لم تهب، کنص لم یکتب، نص مازال یلف ویدور في رأس المؤلف .. کما تدور المروحة في سماء الغرفة .. نص ربما اسمه “المروحة” !

عن وقاص الصادق

mm
قاص من السودان صدرت له مجموعة قصصية سنة 2015 بعنوان " حضور بلون الماء" .

أضف تعليقاً