الرئيسية / احدث التدوينات / المسرح والجوع … هي ونحن … حلمنا المحاصر من الرصاص

المسرح والجوع … هي ونحن … حلمنا المحاصر من الرصاص

FB_IMG_1484165701305

      ثُم في دفتري، ورقة حمراء، حملتها من بين نهر الدماء، ونيل الدموع، جملة واحدة، كان عنوانها (دماء وأدمع)، قلت لنفسي: “وهل يحفظ التأريخ كل ذلك؟، ربما، لكني أظن أنه يحفظ، لأن من عادة التأريخ أن يحفظ أيام الدماء كثيراً، كانت الورقة الحمراء مسرحية، صخبها طفولة، عنوانها: (لا تقتلني … لا تجعلني جائعاً)!. تعطي الحق في توصيفها بأنها مأساة، ليس بعدها مأساة، صوت الطفلة التي تضع لمحاصريها خيارين للحياة، لا تقتلني، لا تجعلني جائعاً، حتى طفولتها عرفتْ أنهم سيضعونها بين جوع وقتل، فكانت توسلاتها.

      لنقرأ مسرحيتها، ثم نصرخ مع صرختها في الختام: “لا تقتلني ..لا تجعلني جائعاً!”، في مدينة تهتم مدارسها بالمسرح المدرسي، تهتم به باعتباره أداة قوية في التعبير عن الطفل. وتبدأ الحكاية بـ (المسرح مضاء بالألوان الزاهية، وفجأة يدخل خشبة المسرح طفل جريح، عليه آثار دماء، وجراح كثيرة جداً، يئن من الألم، يصرخ من شدته، تنزل منه الدماء قطرة .. قطرة، يحاول أن يصرخ بأقصى ما يستطيع من صوت، لكنه لا يقدر على ذلك، الألم يتصاعد، والدماء تنزل كثيفة .. كثيفة. وفي وسط الألم، تدخل خشبة المسرح طفلة تلبس أزهى الثياب، بألوان جاذبة وصارخة، تقترب من الطفل الجريح، ترفع رأسه، تقلها، تبكي على صدره، وتصرخ:

      ((قتلوك  .. قتلوك .. لكنهم ما قتلوا الوطن .. لن يستطيعوا فعل ذلك، لن يستطيعوا .. لن نهزم .. لن نهزم .. إن حياتنا كأطفال تستحق أن نعيشها كما نريد .. لماذا يقتلوننا؟ .. هل نحن نحمل بندقية؟ .. هل نحن نقاتل أحداً؟ .. هل رفعنا سلاحنا في وجه أحد؟ .. أجيبوني يا من ترفعون السلاح .. وتقفون في وجه من يحاول أن يأتي لنا بالطعام .. نموت نحن .. طفل يرضع .. طفل يمشي .. طفل يصرخ .. طفل يُقتل .. هل نحن أطفال مثل بقية أطفال العالم؟ .. هل نحن نعيش مثلهم .. نموت نحن من قذف جوي .. من رصاصة بندقية .. من جوع لا يرحم .. من رجل يحمل السلاح .. يقتل أمي .. يرمي أبي برصاصة في قلبه .. نهرب نحن مع أهلنا إلى مكان جديد .. نسكن في صحراء .. بيتنا الصحراء .. ننتظر الطعام .. أحياناً يأتي .. وأحياناً لا .. يموت أخي الأصغر .. تموت أختي الصغرى .. في ذلك المكان لا أحد يبكي عند الموت .. لا تبكي .. عادياً أن يموت طفل من الجوع .. من المرض .. من الإهمال .. لا أب له .. لا حيلة لأمه .. أين جده .. مات في الحرب .. أين جدته .. لقد ماتت في طريق الهروب من الحرب .. ماتوا .. ماتوا كلهم .. يموتون لأن الحياة عندنا بندقية .. الحياة عندنا رصاص .. الحياة عندنا رجل يحمل سلاحاً .. رجال يتقاتلون .. نسمع دوي المدافع بدل أن نسمع الأناشيد والغناء للوطن .. نسمع صوت الرصاصة .. بدل أن نسمع صوت الموسيقى .. نسمع صوت الرجل يقول (هيا للمعركة) .. بدل أن نسمع صوت الرجل يقول: (هيا للغناء .. هيا للمسرح)..هل نحن أطفال؟ .. أنا طفلة في العاشرة من عمري .. ليس لي أب .. وليس لي أم .. أمي امرأة في معسكر الصحراء .. هي أمي بعد أن ماتت أمي .. وهي تضع أخي الأصغر الذي مات أيضاً .. لم أسأل أين أبي .. لأني أعلم أن الحرب تقتل الرجال أولاً .. ثم النساء .. ثم الأطفال .. ثم نموت كلنا في النهاية .. لكي تبقى الرصاصة .. ويبقى الوطن بلا ناس وبلا حضارة.

      وطني الجوع .. وطني الرصاصة .. وطني الدماء .. هل تصدقون؟ .. هل يسمعني أطفال العالم؟ .. هل يسمعني أحد؟ .. أموت أنا .. يموت غيري .. تموت الطفلة في حضن أمها .. يموت الطفل الرضيع في الطريق .. يموت أبي برصاصة .. تموت أمي من الجوع .. عندما خرجنا من بلدنا .. خرجنا خوفاً من الرصاص .. لكن وجدنا أن الجوع أصعب من الرصاص .. هل رأيتم طفلاً يبكي من شدة الجوع؟ .. عظامه تكسرت .. الجوع .. الجوع حصد أصحابي .. الرصاص قتل أصحابي .. من يتقاتلون في الخارج .. هل سمعوا بآلاف الأطفال يموتون من الجوع؟ .. هل سمعوا بالأم مريم التي رأت طفلها يموت أمامها، ولم تستطع أن تفعل له شيئاً ؟ .. هل سمعوا بالأم خديجة وقد تركها الناس في الطريق، في الصحراء القاحلة، بلا أي شيء ،بلا أي شيء؟ .. ليس معهم شيء .. تركوها لأنها وهنت .. توقفت عن المسير .. لم تستطع أن تحمل طفلها الثاني مع رضيعها .. تعب الطفل .. وقع على الأرض من شدة الجوع .. لم تستطع أن تحمله .. توقفت عن المسير .. انتظرت في الصحراء .. انتظرت طويلاً .. لفرج سيأتي .. أو لمخرج لها ولطفليها .. لكنها لم تجد المخرج .. مات الطفل الأكبر .. لم تجد من يدفنه معها .. كانت تبكي حتى مر عليها أناس آخرون .. هاربون من جحيم الحرب .. وجدوها وقد رقدت وطفلها الأصغر على صدرها .. والذي مات أيضاً .. تحضنه بكلتا يديها .. دموعها تجمدت .. حتى الدموع توقفت عن النزول .. أي حياة كانت فيها .. وجدوها هكذا .. رفعوها وقد مات الثاني أيضاً .. هي الآن في معسكر الصحراء .. لا تعرف شيئاً .. لا زوج لها .. مات طفليها .. وصوت الحرب ما يزال مدوياً .. صوت الرصاص مازال متواصلاً .. تبكي فقط .. وأحياناً تبكي بلا دموع .. تبكي بصوت الأنين .. ترقد على  الأرض وتحضن قماشاً بالياً .. تظنه طفلها .. وتنادي أحياناً على طفلها الأكبر .. فقدت عقلها .. هي الحرب هكذا.

      من ينقل صورتنا في الصحراء؟ .. من ينقل معاناتنا؟ .. من ينقل جوعنا .. هل أنا طفلة؟ .. هل هذا الذي ينزف طفل .. ترفع رأسه إلى أعلى .. وتصرخ .. أنظروا إلى دمائه .. أنظروا إلى وجهه .. هل نحن أطفال .. لا نحن لسنا أطفالاً .. نحن وقود الحرب .. طفل يصرخ .. أنا جائع .. أمه تنظر إليه .. ليس في يدها شيء لتفعله له .. كأنها تقول له: (يجب أن تموت .. هكذا حكم عليك الذين يحملون السلاح) .. صادروا طفولتك .. صادروا  حقك في الحياة .. صادروا صوتك .. قتلوك ألف ألف مرة .. مازالوا يقتلون المزيد)).

      صوت رصاص وصراخ على خشبة المسرح، التي تتحول إضاءتها إلى إضاءة خافتة، ثم تعود الإضاءة شيئاً فشيئاً تدريجياً، مع صوت الرصاص، وصراخ الأطفال والنساء، الذي يعلو بطريقة تصاعدية، يملأ المكان والزمان، وصوت يعلو (هيا أهربوا .. هيا) .. وصوت لأناس يهربون، ولا تزال الإضاءة تفسر الحركة المحيطة بالناس، كل حركة معها إضاءة، وصرخة. وبعد كل ذلك الصراخ، فجأة يحدث صمت رهيب في خشبة المسرح، صمت يستمر لعدة دقائق. وتعود الإضاءة قوية جداً، وفجأة يقف الجمهور على أرجله، مندهشاً، يقف ويصفق بقوة، تصفيقاً حاراً، عادت الإضاءة، وكان المخرج بارعاً، حينما أظهر الطفلة، بطلة المسرحية، وهي تغرق في الدماء، والدماء تتدفق مثل النهر، حتى تفيض على خشبة المسرح، وتنزل إلى الجمهور، الذي تعجبه الفكرة، ويواصل في التصفيق، وتواصل الطفلة في صرخاتها (هل نحن أطفال؟ .. هل نحن أطفال؟). ثم تسدل الستارة على صوت الطفلة وهي تقول: (هذه دماءنا أغرقت الوطن .. أبحثوا لكم عن وطن آخر.. إن هذا الوطن وطن بلا مستقبل .. وبلا حياة .. وطن يضيع أطفاله .. يموتون من الجوع .. يُقتلون بالرصاص .. لقد قُتلنا .. لقد قُتلنا). بعدها صمت رهيب خيم على المسرح، الجمهور لم يستطع أن يخرج من المسرح، المسرحية ذات الأبعاد الإنسانية الصعبة كانت مؤثرة جداً، الطفلة (خيرات) بطلة المسرحية، ومعها الطفل مشاركها في البطولة (خالد)، يخرجان وهما محمولان على الأعناق، والجمهور يهتف باسم كل منهما.

      المسرحية كانت من تأليف وإخراج (خيرات) و(خالد)، وهما يصوران في هذه المسرحية (معاناة أطفالنا)، الذين يعانون من ويلات الحرب، والجوع، وضياع الطفولة بينهما. خيرات قالت: (كان لازم النهاية تكون صادمة .. لازم الدماء تنزف وتسيل مثل النهر .. حتى يعرف الناس حجم المعاناة للطفل الصومالي .. ونتحرك كلنا لإنقاذه . هيا لإنقاذه .. ليكون صوتنا الأعلى  .. إنهم يقولون هيا للحرب .. ونحن نقول هيا لإنقاذ أطفالنا ومستقبلنا.. هيا ..هيا)

      خرج الجمهور من المسرح، أطلقوا الرصاص على المسرح، صرخت خيرات، ورجعت وهي تهتف : (لماذا؟ .. لماذا؟ .. الموت لهم .. الموت لهم). لكن كان الموت لها، الرصاصة الأخيرة كانت من نصيبها. ونكتب نحن مرثية لنا كلنا، هي المسرح والجوع .. هي ونحن .. حلمنا المحاصر من الرصاص، خوفنا من السلطة والرصاص، خوفنا من مجرد الحلم، الحلم الذي يتوقف عندما تبدأ السلطة في تحقيق أحلامها بمحاصرتنا، ثم خرجنا للفضاءات، بفجيعة الموت لنا، هتاف يحاصرنا من الرصاص نفسه، ظني أن كل رصاص الدنيا أصبح يعشق قتلنا، من أوحى للرصاص بأننا لا نستحق الحياة، من همس له قائلاً : (سيموتون جوعاً، أو بالرصاص، لكن الرصاص أسرع)، هي حياتنا، كتبوا على ورقتها الحمراء (الموت لهم ، جوعاً ورصاصاً).

      السؤال هو، هل هنالك انسان يعرف فقط صناعة (الموت) للإنسانية، هل يمكن أن نقول أنه مثلنا، أو كان مثلنا؟، فمن يصنع فيه ذلك؟، هل هنالك قوى خفية تصنع في الانسان فلسفة صناعة الموت رصاصاً وجوعاً؟. يقيناً ليس ذلك بإطلاق، لكن من اليقين أيضاً صورة (الخوف) التي تحاصر حياتنا كلها، نحاف من عطر الورد لأن رائحة الرصاص تغتاله بكل عنف، ثم نهمس لأنفسنا، ومتى نهزم الرصاص، فيقتلنا قاتل ليصرخ فينا : (كفاكم همساً وحلماً بهزيمتي، لن تستطيعوا ذلك). ولكننا سنظل نهمس أمام قلم توقيعاته كلها بالرصاص، يكتب يجب أن يقتلوا، القلم الذي يعمل بضد كامل ضد كل الأقلام النظيفة، حتى قلم الطفلة (خيرات). تم محاصرتها ومحاصرتنا، ثم اغتيالها واغتيال صوتنا .. صوتنا منها فقط.

عن هيثم الطيب الفقي

mm
صحافي وناقد سوداني متخصص في الفنون الأدائية...دبلوم عالي في الصحافة التنموية.. معهد البنك الدولي،واشنطن