المشنوق

14808824_1587819017910335_761067435_o (1)

 

• تاليف :ميشيل ترامبليه
• ترجمة :د/ محمد عبدو النجاري

يشنق في بلادي، من يقتل جاره. هذه بلاهة، ولكن الأمر كذلك.
أما أنا فأعمل خفيرًا على المشنوقين. عندما يموت المشنوق في السجن الذي أعمل فيه، فإنهم لا يفكونه، في الحال، عن المشنقة، بل يدعونه معلقًا طوال الليل، وأنا، خفير المشنوقين، أحرسه حتى شروق الشمس.
لا يطلب مني البكاء، ولكني أبكي على الرغم من ذلك.
كنت أستشف جيدًا بأن هذا المشنوق لن يكون مشنوقًا عاديا. فعلى عكس كل المحكومين عليهم بالإعدام، الذين رأيتهم حتى الآن، لم تبد عليه علائم الخوف، لم يكن يبتسم، إلا أن عينيه لم تكونا تنمان عن أي هلع. كان ينظر إلى المشنقة نظرة جامدة، في حين كانت تنتاب الآخرين – عند رؤية المشنقة – نوبة عصبية لا مفر منها.
أجل كنت أستشف جيدًا بأن هذا المشنوق لن يكون مشنوقًا عاديا.
عندما أزيح الكرسي، تمدد الحبل مصدرًا صوتًا جافًا، فأحسست بشيء يتحرك في بطني. لم يقاوم المحكوم عليه. كل من رأيتهم من قبله، كانوا يتلوون، ويترنحون على نهاية حبالهم طاوين ركابهم، أما هذا المشنوق فكان ساكنا.
لم يمت في الحال. كنا نسمعه يحاول التنفس … ولكنه لم يتحرك. لم يكن يتحرك بتاتا. الجلاد ومدير السجن وأنا كنا نتبادل النظرات، وجباهنا قد تجعدت. استمر ذلك بضع دقائق، ثم أطلق المشنوق فجأة، صيحة طويلة بدت لي مثل ضحكة هائلة لامرئ مجنون. قال الجلاد بأنها النهاية.
ارتعش المشنوق، وبدا جسمه قد تمدد قليلاً، ثم لا شيء بعد ذلك.
أما أنا، فقد كنت متأكدًا من أنه ضحك.
كنت وحيدًا مع المشنوق الذي ضحك. لم أتمالك نفسي عن النظر إليه. لقد بدا لي أنه زاد تمددا. وهذا القناع الذي طالما كرهته! القناع الذي يخفي كل شيء وفي نفس الوقت يدعك تخمن كل شيء. وجوه المشنوقين لا أراها أبداً، ولكنني أتكهنها، وهذا باعتقادي أكثر إثارة للرعب.
أطفأت المصابيح كافة، وأشعلت النواصة الصغيرة فوق الباب.
كم كان الظلام دامسًا، وكم كنت أخاف هذا المشنوق!
قرابة الساعة الثانية بعد منتصف الليل، غفوت غصبًا عني، أيقظني، لا أعرف في أية ساعة بالضبط، صوت خفيف أشبه بتنفس طويل وكأنه تنهيدة. أهو أنا من تنهد هكذا؟ لا بد أنه أنا، إذ ليس من أحد سواي هنا! ربما تنهدت أثناء نومي فأيقظني تنهدي.
نظرت غريزيًا، إلى المشنوق. لقد تحرك! لقد دار ربع دورة على نفسه، فصار الآن يواجهني. ليست هذه أول مرة يحصل فيها ذلك، لابد أن الحبل هو السبب، كنت أعرف ذلك جيداً، ولكنني على الرغم من هذا ارتعشت خوفا. وهذا التنهد! التنهد الذي لم أكن متأكداً من أنه صدر عني!
استغبيت نفسي تماماً، ونهضت لأخطو بضع خطوات. وما أن أدرت ظهري للمشنوق حتى سمعت التنهد من جديد. تأكدت من أنني لست أنا من تنهد هذه المرة. لم أتجرأ على الالتفات.
أحسست بساقي تضعفان، ثم جف حلقي. سمعت ثانية التنهد مرتين وثلاث مرات، سرعان ما تحول إلى تنفس غير منتظم أولاً، ثم إلى تنفس أكثر تواصلا. أيقنت يقينًا مطلقًا أن المشنوق كان يتنفس، فخارت قواي.
التفت أخيرًا مرتعد الفرائص. كان الميت يتحرك. كان يهتز على طرف حبله، اهتزازًا بطيئًا لا يكاد يلحظ، وكان يتنفس أقوى فأقوى. ابتعدت عنه أكثر ما يمكن. والتجأت إلى إحدى زوايا القاعة الكبيرة.
لن أنسى أبدًا المشهد المرعب الذي تلا ذلك. كان المشنوق يتنفس منذ خمس دقائق تقريباً، قبل أن يشرع في الضحك. توقف فجأة عن التنفس القوي وراح يضحك ضحكًا هادئا. لم يكن ذلك ضحكًا شيطانيًا، ولا حتى ضحكاً صفيقاً، إنما كان ببساطة ضحك من يتسلى بجنون. وبسرعة شديدة، بلغ ضحكه مداه، إذ سرعان ما قهقه المشنوق لاوياً خاصرتيه. كان تأرجحه يزداد شيئاً فشيئاً …. وهو يضحك … ويضحك….
كنت جالسًا على الأرض، ملصقًا ذراعي ببطني، وكنت أبكي .
تأرجح الميت تأرجحًا قويًا، حتى كادت قدماه، في لحظة من اللحظات، أن تلمسا السقف. استمر ذلك دقائق عديدة. دقائق ذعر حقيقي بالنسبة إلي. فجأة، انقطع الحبل، فأطلقتُ صرخة مدوية. سقط المشنوق على الأرض سقوطًا قاسيا. انفصل رأسه وجاء يتدحرج عند قدمي. نهضت ووثبت إلى الباب.
عندما عدنا إلى القاعة، الحارس ومدير السجن وأنا، كان الجسد لا يزال هناك ممددًا في إحدى الزوايا، غير أننا لم نعثر على رأس الميت. لم نعثر عليه أبدا.

قاص وشاعر من كندا

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة