المطارات

is-lietuvos-emigruoja-verslas

شيماء الرشيد

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا

**

المطارات هي مبكى المودعين، ورهبة المسافرين، وحد يفصل بين دنيتين، ماض ومستقبل، وحلم و حلم آخر، المطارات هي أرض القسوة التي تدعي جمع الأشتات على أرضيتها الأنيقة الباردة، وأرض الفراق الذي يبدأ ولا ينتهي.

تنقلنا في أحيان كثيرة إلى حيث لا نريد دون أن تنطق بكلمة واحدة لأجلنا، تجمعنا بأشخاص لا نطيق العيش معهم وتبعدنا عن آخرين بدون وعد بلقاء آخر يجمعنا، تتركنا بمجرد أن نضع أقدامنا خارج بواباتها المنزلقة ولا تدري بعدها ما تفعله الحياة بنا، تحافظ على هيئتها وبرودة هوائها وجودة منتجاتها لتظل دائماً جاهزة لاستقبال المزيد من الحالمين بحياة أفضل، لا تخبرهم بقصص من سبقوهم إلى هناك، ولا تترك لهم فرصة للتفكير أو التراجع بتنبيهاتها المتتالية.

تمتلئ بأمتعة محملة بالذكريات، يحرص عليها أصحابها أكثر مما يحرصون على أنفسهم، لأن فيها حياتهم، فيها دليل على أنهم كانوا أحياء طوال تلك السنوات، فبعد سنوات من الغربة تتحول الحياة إلى أشياء، ويتحول الأشخاص إلى مجرد ذكرى تمر علينا في لحظة صفاء.

المطارات دفتر زوار كبير، يفاخر بعدد من مروا عليه دون أن يراجع ما كتبوه بدمع عيونهم، دون أن يسجل عدد صلوات استخارتهم ودعواتهم المترددة بين البقاء والرحيل، لا يلتقط لهم صوراً عندما يقفون أمام مراياه الأنيقة، حتى لا يرى تلك الوجوه الخائفة، والأوداج المنتفخة، والنظرات البريئة، وفي أحيان أخرى النظرات القوية الواثقة التي تستطيع أن تلقي خلفها كل شيء دون التفات ودون حنين أيضاً، دفتر زوار يوقع الناس فيه على تغير حياتهم للأبد، ربما نحو الأحسن أو الأسوأ، فهناك من يسافر إلى نجاحه ومجده، وهناك من يسافر إلى بلد ستكون موطنه الجديد الذي سيحيى ويموت على أرضه، وهناك من يتوه في بلاد الله لا يجد في أي منها رزقه وأهله، وهناك من يلتقي بنصف الروح، ويكمل نصف الدين، ويكون أسرة مليئة بحب لم يعشه، وهناك من يحقق أخيراً لوالديه أحلام العمر ببيت وحجة وعمل جديد.

والمطارات أيضاً هي أرض العودة الحارة حين تقرب البعيد، وتعيد الغائب، وتجبر خاطر الأم المتلهفة لضم أبنائها، وحمل أحفادها الذين تحفظ صورهم كما تحفظ اسمها، وتضحي مقابل لقائهم بكل شيء، فليست المطارات من تختار حياتنا، بل نحن الذين نختارها.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً