الرئيسية / احدث التدوينات / المعيار و شهوة السؤال المدمِّر

المعيار و شهوة السؤال المدمِّر

سؤال

بقلم : محمد سالم 

في يوم القراءة العالمي  الذي يوافق  23 أبريل من كل عام؛في الساحة الخضراء التقيت بأصدقاء مجلة جيل جديد لأول مرة كمجموعة و كان محور نقاشهم غاية في الأهمية؛حيث تساءلوا عن ماهية الفن و علاقته بالأيديولوجيا و المؤسسات السلطوية في كافة أشكالها.

الجيد في الأمر أن الجميع كانوا يتحدثون انطلاقًا من حقولهم التي يتخصصون فيها أو يهتمون بها بدرجة أكبر؛مما جعل الحوارية تسير في طرقٍ و منحنيات شتى.

كان الأمر الجيد الآخر هو توفير جو النقاش..ذاك النقاش الذي لا يقصي رأياً؛إنه حوار حقيقي بلا شك.

*كما هي العادة؛ أقوم على الدوام بالاستماع و تمثيل دور الصحفي الذي يُصغي و يُحلل و يربط الأسئلة بما أنتجته في نهاية مطافها.

شارك في هذه الحوارية: الناقد و المترجم يدجوك أقويت و الروائي مهند رجب الدابي و القاص موافي يوسف و الكاتب سانديوس كودي و القاص مجاهد الدومة و القاص الصادق حسن يوسف و الشاعر محمد الطيب و آخرون و أُخريات.

اعتبر يدجوك أقويت أن الفن بطبعه هو سيد نفسه و هو ليس من أجل هدف أو رسالة معينة؛ كما تريد له المؤسسات و الأيديولوجيات أن يكون.

و الفن كما يرى يدجوك حر من كل التوجيهات الأيدلوجية التي تُدمره و تجعله بلا قيمة فنية دقيقة و حقيقية.

الكاتب سانديوس يُضيف بأنه ليس هنالك تعريفاً موحداً للفن؛مما يجعله أرضية مفتوحة للحرث و الإضافة المتواصلة؛حيث في كلِّ مرة تظهر أشكال جديدة للفنون و تعطِّل ثبات التعريفات المُسبقة للفن.

بالطبع كما هو شأن كل الحواريات المفتوحة؛ كانت هنالك حوارات متداخلة دارت بين جميع المشاركين حول مسألة الذائقة الفنية و ماهية الأدوات التي نقول عبرها أن هذا فناً جيداً و ذاك فن”ساي” كما وصفته المجموعة ساخرة من معايير المؤسسات التعْبانة.

*كل هذا النقاش ذو أهمية بالطبع؛ ما همني فيه بشكلٍ أكبر هو مفهوم المعيار و الأسئلة الشائكة التي “تتدِّيِلك” حوله و ما هي المؤسسة بنوعيها “القابضة و غير القابضة”؛ و ذلك بجانب حكاية الذائقة الجمالية التي صارت حكاية مألوفة و حاضرة في كلِّ نقاش أدبي؛ لأنها أساس كل شيء ..فهي ترتبط مباشرة بعملية التلقي، مدى المقروئية و الإقبال..لأنها تُساهم في تشكيل المعيار في كل عصر؛ فهي كفعل تُوجد قبل المعيار.

بالنسبة للسؤال الأساس عن ماهية الفن؛ فإن تعريفي النسبي له:هو كل إنتاج يُوحِّد وجود الحياة و ينظر لها في مجموعها الكامل بالكيان الإنساني الكامل.

و هذا تعريف ذاتي شديد؛أي أنه يصيرُ اغلوطة حينما يخْضع لمعايير الأخرين.

فهل يُمكننا أن نتحدث عن معيار عام نقيسُ به التعريفات و الآراء و المنتجات الفنية و كل شيء؛و إذا كان ف”كيف” يتشكَّل هذا المعيار العام.

أعتقد أن المعيارية و نسبيتها هي جوهر الفلسفة و الفن”، بالطبع هنالك من يقول ما معياركم في اعتبارها جوهراً للفلسفة و الفن” و نحن بدورنا سنقول “ما معيارك في اعتبارها ليست كذلك”..و إلى ما لا نهاية يستمرُ الديالكتيك و الجدل المتصل دونما انقطاع.

و هذا هو ما يجعل الفن فناً حقيقياً؛ أن يقبل النقاش و السؤال و التفكيك؛حتى يصل إلى نتيجة و لا يصل إلى أي شيء على الإطلاق سوى هذه الحالة النقاشية ذاتها.

فالسؤال المعياري هو حقيقة لا فكاك منها؛ لأنه ما من أحدٍ يقدر على إيجاد الإجابة النهائية دون الناس..دون التلقي.

و هنالك بجانب السؤال المعياري المفيد؛ سؤال مدمِّر أي أنه لا ينتظر إجابة سوى التعْجيز.. سؤال يلغي الحوار لأنه يريد العمل كفعل مضاد على طول الخط و هو لا يدخل في النقاش إلا بهدف النسف.. سؤال فارغ؛ تعرفونه صحيح؟.

أستطيع القول أن المعايير العالمية جميعها المؤسسية وغيرها؛ترى أن هنالك فن أعلى قيمة من الفنون الأخرى؛ على الأقل بالنسبة لكل أمة على حدا.

و بالنسبة لمعاييري المسكينة المتشكِّلة من واقع الخبرة الوجودية و من واقع المعايير الموجودة التي رشحتها الظروف كمعايير عامة؛ فإنني أعتبر”الشعر و السرد و الفلسفة؛ إذا اعتبرنا أنها فناً” ؛أعلى قيمة من الفنون الأخرى.

لأن الفن يرتبط عندي إضافة إلى متعته التي توحد الكيانات “الروح “العقل” الجسد” “الوعي الخارجي”؛ يرتبط عندي بالفائدة و القدرة على التقاط حقيقة الأشياء و حقيقية الأيديولوجيا نفسها و حقيقة كل شيء بأن يتم وضعه على المجهر.

و هذا في ظني منحىً تطويرياً لتيار”الفن للفن” و هو ليس بضده على الإطلاق.

*لقد أخذ الفن خلال حياته الطويلة؛من كل الأشياء التي حوله”الدين؛الأيديولوجيا؛اللهو و اللعب‘العلوم الأكاديمية الصارمة‘وحتى من اللاشيء أخذ الفن مادته التي يطورها بطبيعة الحال”

و من شدة أخذه صار هو بمثابة الملخص لكل الموجودات؛ و لكن هذا بالطبع لدى المجتمعات التي أنتجت الفن لقرون طويلة و استوعبته ضمن سياق الحياة الكامل؛ ك”فرنسا” التي أتاحت لها التجارب السياسية و الاجتماعية و الإنسانية العامة؛ خبرات لا متناهية و الفن بطبيعته يعتمد على الخبرة و محاولة إدراك أقوى اللحظات.

*الخلاصة أن الفن ليس مرتبط بالجمال فقط؛ كما تصور تعريفات كثيرة له..الفن ليس هو الجمال و حتى إذا كان هو الجمال؛ فإن الجمال في هذه الحالة يصيرُ موجوداً في كل شيء؛ و أن كل عين تراه بقدر ما تتعاطى به ذاتها مع الحياة والوجود.

إضافة إلى أن حركة الفن للفن هي رغم تأثيرها الواضح على الإنتاج الأدبي نحو الأسمى؛ فإنها انساقت إلى الانحياز الواضح للشكل الجمالي..مما جعل الكثير من تابعيها من كُتاب الرواية بالتحديد؛ يُقدِّسون الشكل بصورة متطرفة على حساب الموضوع..حتى أن بعض الأدب المنتمي إلى هذا التيار انتهى أمره إلى الأشياء التي يرفضها..صار رومانسياً و غنائياً.

ظهرت حركة الفن للفن كما هو موثق كاستجابة للتحولات الكبيرة التي حصلت في أوربا؛ حيث هي بالأساس تعمل كأداة لتبيئة الحرية في المزاج الأوربي المسيحي المتزمت و السلطوي آنذاك.

أما الأن بعد أن صارت الحرية ممكنة نوعاً ما؛فإن “الفن هو للفن” و “الفن للحرية” و” الفن لخدمة كل الأشياء التي تخدمه و تعاونه ليضيف لمادته الموجودة ك”متعة روحية” كما يصفها كانط”

*انتمائي لحركة الفن للفن أمرٌ لا شك فيه؛ لكن ما الفن أولاً..ما علاقته بالحرية و الحياة؟.

كيف تُسيطر المعايير:

إعتقادي أن الظرف التاريخي المكون من “الحالة الاجتماعية؛ الحالة السياسية‘ الحالة الاقتصادية‘ الحالة الديموقراطية‘ و الحالة الأكاديمية و التعليمية أيضاً”.

هو ـ الظرف ـ يشكِّل في نهاية الأمر معياره العام؛ و كلما كانت الحالات في وضعها الأفضل؛ تُصبح المعايير أكثر فهماً و تفلسفاً؛ أي أكثر قدرة على اختيار المادة الفنية المتعوب عليها ذهنياً و روحياً و معرفياً؛ دون المرور بسُلطٍ كثيرة.

فمراكمة المعرفة و الإنتاج الفني تصير في نهاية الأمر حقيقة جمالية تُوجِّه الاختيار نحو الشيء الواضح الأفضلية..الشيء المحسوب بدقة وعناية و موهبة؛”ما الموهبة؛ما معيارها”.

*في بلادنا مثلاً؛لدينا معايير تتشكل عبر مؤسسات قابضة؛ك”المدرسة و التعليم الأكاديمي عموماً” فمؤسسات كهذه لا يمكن الإفلات منها لأننا لولاها لما عرفنا اللغة التي نتفلسف بها أصلاً؛ لكن المدرسة في الظرف التاريخي الحالي  في عهد الإخوة المسلمين القابضين المؤمنين المتدخلين في كل شيء؛ صارت تُعلمنا أدب قديم شديد رغم التطور الذي حدث في هذه الفترة في دول أخرى شبيهة لنا.

نحن ندرس أدب رسالي و أخلاقي و قيمي شديد الوطأة و القسوة” و هذا يشكِّل معايير المزاج العام؛حيث لا نتوقع من مواطن لم يقرأ سوى الكتب المدرسية الأخلاقية أن يستوعب أن هنالك فناً خالصاً لا علاقة له بالنبوءة و الرسالات و الفتوحات الوحيية.

و كذلك المزاج الاجتماعي العام الذي يُشكِّل المعايير وفقاً لحوجته المرتبطة في غالبها بالواقع السطحي و التاريخ؛ في السودان و غيره من الدول ذات التجربة القرائية الضعيفة لا يمكن أن للقارئ أن يختار الكتاب لوحده؛ إنه في النهاية رهين لضعف تجربته و للمؤسسات الإعلانية التي جعلت الكتب ك “علب الصلصة و المعجون”..و ذلك بجانب خضوعه للكثير من الأهواء غير الموضوعية.

*لقد ارتبط الأدب الروائي في بلادنا بكونه يرصد هموم الحياة و حكاياتها؛و هذا يبدو جلياً في اختيارات القراء.

و هذه معايير ضعيفة و ساذجة بالطبع؛و لكن السؤال في كيفية الإفلات منها..أعتقد لا سبيل للإفلات سوى النقاش المستمر و المنازلة الحقيقية للمؤسسات التعليمية؛ أي توجيه ضد توجيه و تكريس ضد تكريس..فعل ضد فعل؛ مع اختلاف الأهداف بالطبع..الفن للفن؛ أي حرية الفن من كل قيد.

و المؤسسات للتأسيس المنظم و الهش؛ أي الإمساك بالوعي و ربطه على الشجرة.

تكوين الكائن:

ـ هذه المقالة ليست دقيقة بالكامل؛ إنما هي إشارات داخل حقل الإشارات الكبير..داخل الفن.

ـ ماذا نريد من كل هذا؟.

ـ إن الجمال لا معنى له بدون تدقيق فلسفي لماهيته.

ـ الفن هو البحث عن معيار نرى عبره عالمنا الداخلي و الخارجي في آن واحد.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة