المقهى

10881864_368993486614706_7609700860051207369_n

إبراهيم جعفر :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

 جلس العمُّ  رزقة في مقعدِه المعتاد، طرف المقهى، يشربُ الشّايَ المُحلّى باليانسونِ والنعناع، وينصتُ لصوتِ زيدان الشجي، المنبعث من آلة التسجيل القديمة:

“ﺟﻨﺒﻚ ﻋﻤﺮﻱ ﻛﺎﻥ ﺃﻣﻼً ﻣﻔﺮﻫﺪ ﻳﺎ ﻏﺮﺍﻡ ﺍﻟﺮﻭﺡ،

ﺑﻌﺪﻙ ﻳﺎﻣﺎ أتأﻟﻢ ﺣﺰﻳﻦ ﻭأﻧﻮح…”

    وراح بوجوم يتأمل معاني المفردات، غير عابئ بما يدور من حوله، كأنه انتقلَ في خضم هذيانه للعالمِ الآخر؛ عالم السكوت.. فحتى عندما جاءَ أحدهم وسحب الكرسي المقابل، وحيّاه، لم يتأتَ له الرد، بل إكتفى بإيماءة من عينيه الناعستين، مُلصقاً على وجهه تعابيرَ نفور… ولمَّا حاول بعض الناس محادثته -ومنهم الشخص الذي جلس للتو- رفض رزقة أن ينساق، احتمى كُلّيّة وراء ستارة من صوت إحتساء الشاي، وفكر في كم أن الدنيا قاسية إذا ما أراد الإنسان أن يفصح عن خيباته..

قال الرجلُ بجواره، بعد أن ضجر:

– “حسناً، أودُ أن أبيعك شيئاً، وسيكون لكَ بسعر خاص! ” وأخرج على الفور برطمان ملفوفة بكيس أسود ، ووضعها على المنضدة..

         لم يرد رزقة ، حوّل عينيه إلى فتاة المقهى وهي تمسح الطاولات وتعدل الكراسي، وخطر في باله أن بإمكانه دفع حسابه والمغادرة.. لكن الرجل أمسك بيده وهمس:

– “إنه مجرد عسل.. عسل أصلي”، ثم فتح له البرطمان، ورجّها نحوه ليتأكد: “هاك خذ، ذق!”

        لبرهة شرد عقل رزقة، تابع الفتاة التي بدت الآن بعيدة جداً، أبعد من أن يطولها، وحينما انتبه كان بالفعل قد تخلى عن فكرة النهوض… فتناول البرطمان وقربها بحركة آلية من أنفه، وشمّها كما تُشمُّ الزهور.. فلسعته الرائحة المركزة أعلى الجوف. سأل:

– “أهو كمجي؟!”

      إنشرحت أسارير الرجل، قفزت على ثغره ابتسامة مكر تدل على أنه انتظر مطولاً سماع هذه الإجابة، قال مهتاجاً:

– “أجل، إنه العسل الإثيوبي الأبيض”، وشرع يعدد مزاياه؛ فهو نوع نادر، يُجمع من أعلى مرتفعات الهضبة، ولا يمكن الحصول عليه إلا عبر مهرب موثوق… ثم أمال البرطمان قليلاً ليبرهن على كثافة القوام وتماسكه.

      كانت رائحة العسل قد غمرت كل جنبات المقهى، حتى خيل لرزقة أن بمقدوره رؤية خيوطها تحيط به وتخنقه، فمدَّ يده في الفراغ كأنه يقطعها.. ولما لم يكن هنالك شيء سلّ طرف أصبعه الخنصر على حافة الإناء، لعق العسل، أحس بطعمه النقي يخدر وسط لسانه، وبشوائب الشمع المُرة.. قال:

– “إنه جيد، وليس مغشوشاً بالنشا أو بعصير السكر!”

عندما اقتربتْ صبية القهوة تمنى رزقة أن تنقذه، أن تسحبه بهدوء من حسرته، لكنها بدلاً عن ذلك جثتْ على الأرضية، تفرشخت بَاسطة ساقيها النحيلتين، وأرْختْ سمعها للحوار. ولم يكن أمام رزقة سوى مراقبة الرجل وهو يخرج علبةَ كبريت، ويقزّ منها عودي ثقاب في البرطمان.. وبعد مرور وقت ثقيل، أشعل أحدهما فاتَّقد، وأضاء كالسحر خد الفتاة..

قال رزقة مصطنعاً الدهشة:

–  “أووووه، لا بُدَّ وأنه أصلي”،  وهزت البنت عنقها موافقة.

        قهقه الرجل، عاود سحب الثقاب الآخر، وتركه يُقطِر بعض العسل على الأرض، تدحرجت حبيباته كاللؤلؤ، ثم أشار بحماس:

– “هه، لم تعلق حبة تراب واحدة!”

       هنا تحديداً، عاود عم رزقة النظر للفتاة وهي تمد عقيرتها نحو للعسل، فبدت له مألوفة تماماً.

سألها:

–  “أتودين أن اشتريه لك يا بنتي”

       لمعت عيناها برغبة ملحة. اُحتُجِز عم رزقة بالكامل داخلها، وللشبه الشديد واتته ذكرى ابنته المتوفاة منذ أمد.. اختلط عليه الوقت، فقدر فجأة بأنها حيّة ترزق وأنه لابد أن يبتاع لها العسل. كانت مريضة بالسرطان وكان مستعداً للتشبث بقشة..!

قال أخيراً والدموع تملأ خده: “بكم؟!”

عن إبراهيم مكرم

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " ملاحم " 2015 م .

أضف تعليقاً