المكتبة

مأمون

 مأمون الجاك :
للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك إصغط هنا

ما هو الشيء الغرائبي الذي قد يحدث لعجوز في مكتبة ؟

 لا شيء … فقط حياة رتيبة ومملة .

***

ﺻﺎﺣﺐ ﺍﻟﻤﻜﺘﺒﺔ ﺍﻟﻌﺠﻮﺯ ، ﺍﻟﺬﻱ ﻗﺮﺃ ﻛﺜﻴﺮﺍ ﻣﻦ ﺍﻟﻜﺘﺐ ﺣﺘﻰ ﻏﺎﺭﺕ ﻋﻴﻨﺎﻩ ﻓﻲ ﻣﺤﺠﺮﻳﻬﻤﺎ ﻭﺍﻧﺤﻨﻰ ﻇﻬﺮﻩ … ﻓﻘﺪ ﺃﺷﻴﺎﺀ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ : ﺍﻟﺤﺒﻴﺒﺔ ، ﺍﻟﻨﺎﺱ ، ﻭﺣﺘﻰ ﻧﻔﺴﻪ ﻓﻲ ﺃﺯﻣﻨﺔ ﻏﺎﺑﺮﺓ ، ﻟﻜﻨﻪ ﻟﻢ ﻳﻔﻘﺪ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓ ﻋﻠﻰ الاندهاش ﻣﻦ ﻗﺼﻴﺪﺓ ﺃﻭ ﻛﺘﺎﺏ ﺟﺪﻳﺪ ، ﻟﺸﻤﺲ ﺗﻄﻞ ﻛﻞ ﻳﻮﻡ .

 ﻛﺎﻥ ﻳﻘﻮﻝ : إذا ﻓﻘﺪﻧﺎ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓ ﻋﻠﻰ الاندهاش ﻣﻦ ﺃﺷﻴﺎﺀ ﺗﺒﺪﻭ ﺑﺴﻴﻄﺔ ﻭﻋﺎﺩﻳﺔ … ﻋﻨﺪﻫﺎ ﺗﺼﻴﺮ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻣﻤﻴﺘﺔ .

ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﻨﺎﻡ ﻛﺎﻥ ﻳﺤﻠﻢ ﺑﺘﻠﻚ ﺍﻟﻜﺘﺐ ﺍﻟﺘﻲ ﻟﻢ ﻳﻘﺮﺃﻫﺎ ﺑﻌﺪ ، ﻳﺼﺤﻮ ﻋﻠﻰ ﺻﺨﺐ ﺍﻟﻤﻌﺎﺭﻙ ﺍﻟﻼﻧﻬﺎﺋﻴﺔ ﺩﺍﺧلها ، ﺣﻴﺚ ﺍﻟﺸﺮ ﻫﻮ ﺍﻟﻤﻨﺘﺼﺮ ﻫﻨﺎ ﻓﺎﻟﻤﻌﺎﺭﻙ ﺗﺨﺎﺽ ﺑﻌﻴﺪﺍ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﻨﺎﻳﺔ الإلهية .

 ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﺑﻴﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﺪﺩ ﺍﻟلانهائي ﻣﻦ ﺍﻟﻜﺘﺐ ﻛﺄﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﺑﻴﻦ ﻋﺪﺩ ﻛﺒﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ ﺍﻟﺠﻤﻴﻼﺕ ، ﻟﻦ ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ ﻣﻀﺎﺟﻌﺘﻬﻦ ﺟﻤﻴﻌﺎ ﻟﻜﻨﻚ ﻟﻦ ﺗﻌﺪﻡ ﻣﺘﻌﺔ ﺍﻟﻨﻈﺮ إليهن ﻭﻫﻦ ﻳﺮﻗﺼﻦ .

 ﺑﻌﺾ ﺍﻷﺣﻴﺎﻥ ﻳﻘﻒ ﻟﺴﺎﻋﺎﺕ ﻭﻫﻮ ﻳﺤﺪﻕ ﻓﻲ ﺭﻓﻮﻑ ﺍﻟﻤﻜﺘﺒﺔ ﻳﺘﺄﻣﻠﻬﺎ ﻭﻳﻨﻔﺾ ﺍﻟﻐﺒﺎﺭ ﻋﻨﻬﺎ : ﺍﻟﻜﺘﺐ ﻣﺜﻠﻨﺎ ﻧﺤﻦ ﺍﻟﺒﺸﺮ ﺗﺤﺘﺎﺝ ﻟﻠﻌﻨﺎﻳﺔ .

ﻛﻞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﻟﻲ … ﻟﻘﺪ ﺑﻨﻴﺘﻪ ﺭﻓﺎ ﺭﻓﺎ ، ﺑﻞ ﻛﺘﺎﺑﺎ ﻛﺘﺎﺑﺎ ﻭﻭﺭﻗﺔ ﻭﺭﻗﺔ .

 ﻣﺤﺎﺻﺮ ﺃﻧﺎ ﺑﺎﻟﻜﺘﺐ … ﺍﻟﺘﻲ ﺳﺘﻘﺘﻠﻨﻲ ﻳﻮﻣﺎ ﻣﺎ ، ﺍﻟﻜﺘﺐ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻤﻨﺤﻨﺎ ﺣﻴﻮﺍﺕ ﺧﻴﺎﻟﻴﺔ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﻟﻜﻨﻬﺎ ﺗﺴﻠﺒﻨﺎ ﻋﻤﺮﻧﺎ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ، ﻣﻦ السيئ ﺃﻥ ﺗﺼﻴﺮ ﺍﻟﻜﺘﺐ ﺫﺍﻛﺮﺗﻚ ﺍﻟﺰﻣﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﻤﻜﺎﻧﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻻﻥ ﺫﺍﺗﻪ .

ﻻ ﺃﻧﺘﻬﻲ ﻣﻦ ﻛﺘﺎﺏ … ﺃﺣﺐ ﺍﻟﻨﻬﺎﻳﺎﺕ ﺍﻟﻤﻔﺘﻮﺣﺔ ، ﺃﻛﻤﻠﻬﺎ ﺑﻨﻔﺴﻲ ، ﺃﻏﻴﺮ ﻣﺠﺮﻯ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ … ﺃﻫﺐ ﺍﻟﻬﺰﻳﻤﺔ ﻟﻠﺠﻴﻮﺵ ﺍﻟﻤﻨﺘﺼﺮﺓ ، ﻭﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻟﻠﻤﻮﺗﻰ . ﻳﻘﻀﻲ ﻳﻮﻣﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺮﺍﺀﺓ ﻭﻛﺘﺎﺑﺔ ﺍﻟﻘﺼﺺ ﻭﺍﻟﻘﺼﺎﺋﺪ ﻟﻜﻨﻪ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻳﺪﻭﻥ ﻛﻞ ﻗﺼﺼﻪ ، ﻫﻮ ﻳﻌﺮﻑ ﺃﻥ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﺗﻜﻮﻥ ﺃﺟﻤﻞ ﻓﻲ ﻣﺨﻴﻠﺔ ﻛﺎﺗﺒﻬﺎ ﻭﺃﻥ ﺍﻟﺴﻄﻮﺭ ﻭﺍﻟﻨﻘﺎﻁ ﺗﻘﻴﺪﻫﺎ وتقتلها ، ﻛﻤﺎ ﺃﻧﻪ ﻳﻌﺮﻑ ﺃﻥ ﺃﺭﻭﻉ ﺍﻟﻜﺘﺐ ﻫﻲ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﺣﺘﺮﻗﺖ ﻭﺿﺎﻋﺖ ﻭﻟﻢ ﺗﺼﻠﻨﺎ :

ﻳﺎ ﺍﻟﻠﻪ … ﻟﻮ ﻟﻢ ﻳﺤﺮﻕ ﻋﻤﺮﻭ ﺑﻦ ﺍﻟﻌﺎﺹ ﻣﻜﺘﺒﺔ ﺍﻻﺳﻜﻨﺪﺭﻳﺔ .. ﻭﻟﻮ ﻟﻢ ﻳﺮﻣﻲ ﻫﻮﻻﻛﻮ ﺑﺎﻟﻜﺘﺐ ﻓﻲ ﻧﻬﺮ ﺩﺟﻠﺔ .

 ﻳﻜﺘﺐ ﻋﻦ ﺍﻟﻄﻔﻞ ﺍﻟﺸﻘﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻟﻢ ﻳﻜﻨﻪ ، ﻋﻦ ﺍﻟﺸﺎﻋﺮ ﺍﻟﺮﻭﻣﺎﻧﺘﻴﻜﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻮﺩ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻧﻪ ، ﻭﻋﻦ ﺍﻟﺤﺒﻴﺒﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﺧﺘﺎﺭ ﺃﻥ ﻳﻤﻮﺕ ﻭﻫﻮ ﻳﻘﺮﺃ ﻛﺘﺎﺑﺎ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻳﻤﻮﺕ ﻭﻫﻮ ﻓﻲ ﺣﻀﻨﻬﺎ . ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻛﺎﻧﺖ ﻛﺘﺎﺑﺎﺗﻪ ﺟﻴﺪﺓ ، ﺣﺘﻰ ﺃﻧﻪ ﺑﻌﺪ ﻭﻓﺎﺗﻪ ﺑﺰﻣﻦ ﻋﺜﺮ ﺃﺣﺪ ﺯﻭﺍﺭ ﺍﻟﻤﻜﺘﺒﺔ ﻋﻠﻰ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﻓﻨﺴﺒﻬﺎ ﻟﻨﻔﺴﻪ ، ﻓﺼﺎﺭ ( ﻛﺎﺗﺒﺎ ) ﻣﺸﻬﻮﺭﺍ ﻟﻤﺪﺓ ( ﻭﺍﻟﺬﻱ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﺑﺎﻟﻄﺒﻊ ﺳﻮﺍﻱ ) .

سألته ذات مرة :

بعد كل هذه السنين في المكتبة ، ما هو أعظم شئ تعلمته ؟

قال بعد برهة :

العقول أماكن والقلوب عوالم .

– كيف ؟

– العقول بما أنها تحتوي على رأي واحد ووجهة نظر معينة فهي كالمكان لا يتغير ، العاهرة عقلها ماخور كبير ، رجل الدين عقله حظير ، الطغاة عقولهم مصانع أسلحة وساحات حروب وصحارى قاحلة .

– والرب ؟

– الرب عقله هو الكون … كالمكتبة تماما ، هو يتكون من عقول هؤلاء جميعا .

– لكن ” لا أحد يعلم ما يدور في خلد الله “

– نعم ، ولكننا نعلم ما يدور في خلد الآخرين ،عندما تقرأ كتابا فانك تدخل إلى عالم الكاتب ومكانه في الآن ذاته .

– والقلوب ؟

– القلوب تتكون من غرف كثيرة ، ومشاعر مختلفة ومتضاربة : حب ، كره ، فرح ، حزن ، أمل ، يأس … لذا فهي عوالم .

كانت أمنيته الوحيدة أن يفقد ذاكرته ، مع أنه بهذا سيفقد السبب الوحيد لبقائه على قيد الحياة ، عرفت سبب هذه الأمنية الغريبة وأنا أقلب في أوراقه :

 ” أن تفقد الذاكرة يعني :

أن تعيد قراءة الكتب ذاتها لمرات كثيرة بالمتعة الأولى ذاتها… أن تتخلص من أشباح :

حب قديم / ومعارك خاسرة / وأصدقاء خذلوك كثيرا ..

أن تبحث من جديد عن نفسك الضائعة

في  متاهات الدروب / أن تنسى أخبار المجاعات والكوارث والحروب / أما الحنين الذي كان يؤرق لياليك / والأشياء الجميلة التي حدثت لك في أزمنة أخرى / فلا تخف .. / فأنت لن تتذكرها / وبما أنك لن تتذكرها / فهي لم تكن . “

أخبرني أن الهدوء الذي يلف المكتبة ما هو إلا خدعة ، كل شيء يتغير بعد منتصف الليل ،  عندما تبعث أشباح الكتاب الهائمة ، والجيوش المنهزمة ، اللصوص ، العاهرات ، المغامرين والمنعزلين ، لتصبح المكتبة حينذاك عرس عظيم ، يرقص على أنغامه الجميع … حتى أن هنالك حروب ومعارك تحدث هناك .

 في تلك الأيام لم أصدقه ، لا بد أن الكتب أذهبت عقله … لكن الآن وأنا  “أتكئ على سلالم أيامي المتآكلة ” اكتشفت أنه لم يكن مجنونا … وأنني على وشك أن ألقى نفس مصيره بطلقة طائشة من قرصان خرج من أحد المحيطات وبعث من أزمنة غابرة .

عن مأمون الجاك

mm
كاتب من السودان

أضف تعليقاً