الرئيسية / احدث التدوينات / الملكة جودت ، سنار* و النهر

الملكة جودت ، سنار* و النهر

57175f39-08bc-4f37-831e-47b5d401d39e

 بقلم : محمد سيف الدولة أحمد (*)

حين داعبَ ظل سنار العائد من زوالهِ أمواج النهر الواهنة صمتت المدينة و أنتبهت لهمسةِ النهر الخافتة المُستدركة و أحست أنهُ يُريد أعادتها لسببِ التداعي :—

” عبر قنديل الدهب و دليلهِ المياه التي خاضتها الملكة الغامضة ذات الأسماء العديدة .”

 ردَّت سنار :—

 ” تعني “جودت”١ حين صعدت شاطئك الصخري و عاينت دغلي الكثيف و أستعرضتني ذات مطاردةٍ دامية ؟! “

ردَّ النهر :—

نعم جودت أحدى الملكات الأثنتا عشر اللائي تبادلن مع العشرَ ملوك حُكم أعالي النيل الأزرق و التخوم الدُنيا للحبشة . 

تضاربت أصول المملكة ونعوتها – هكذا أبتدرت “سنار” خيط حكايتها الجديدة القديمة – لكنني سأستقر على تسميةِ “بنو الهموية”٢ الذي أدرجته الوثائقِ الأكسومية و العربية و أكدته الروايات المحلية ذلك لأنَّ “بنو الهموية” عِنْدَي مزيجٌ لتلاقحِ كوش و ممالك” داموت”٣ القديمة و معبرٌ أنتقلت عبره أول لغة أفرو-أسيوية  قبل ما يقارب المائتي ألف سنة من أعالي النيل لأسافله ثُمّّ أضافت “سنار” كنت أخرَ أرضٍ في حدودِها الشمالية ، تتصل بي أيام قوتها و تنقطع عني حين تضعف سطوتها لكنَّ أخبارها لا تنفك تغشاني فيفيض حنيني و تبارحني الكادرات لأنَّ أرضها أصل كوش و كُلي بعضها مُنذ زمانٍ بعيد يعود لما قبل مروي و علوة ثُمَّ أنهُ على أيامِ قوة النوبة صعدَ العنج النهر حتى فازوغلي حيث الذهب و أقترانِ الدندر بالنيلِ الأزرق و ربما ألى أعمق و أبعد من ذلك ذهبوا في الأرض القديمة حيث أرتطبت الرؤية بالحقيقةِ و الْحُلْم بما يبقيه في حيزِ الأسطورة الفاتنة رغم حوافر الخيل و أشتباكِ التؤاريخ في المنبعِ أو عند وعورة الهضبة و أستواءِها  أو فيما جرى بهِ النهر و لحقني من أثره الكثير و القليل ،

— هل تنقلت في الرِكَاب ؟! ، 

أم كُنت هنا و هناك بذاتِ الوقت حتى قبل أنتقالِ “المكِ الأول”٤ أليَّ حيث يخوض الأن القنديل النهر ليدركني ؟! .

تدخلت شمس الظهيرة بأندهاشٍ بيِّن :– 

— أهكذا تتساءل مدينتي الساحرة التي ليس كمثلها حاضرة في عموم أفريقيا رغم علمها الواسع الذي لا تجهله أشعتي !! . 

“جاوبت سنار” :— 

لا أيتها الشمس الحبيبة  عليَّ أختبار وجودي فالأصوات تجذبني من  أطرافي اللينة و من أكمام قبولي و حيثما ظلت جيادي لا تنفكَّ عن الصهيل و أنَّ غَلَبَت على راياتِي تدريجياً ألوان القادم المتعايش بلا عسفٍ سواء الأنتفاع من ثروات مكاني و تأميني لمعابرِ التجارة القديمة ، كنت أراقب من مكامني العديدة قدرة المعدن النفيس على حفظِ سلطة الكوشيين بأعالي النهر رغم أنهيار مملكتهم في أواسط النيل ، ربما أنتفعَ بقاءِهم العصيَّ ذاك من طبيعةِ الأرض الغامضة و رسخَتهُ سيطرة الذهب و قيمته التبادلية الحاسمة في أسواقِ العوالم القديمة و حما وجودهم نفورهم الغريزي من الغرباءِ مع أستقرارِ معاهداتهم و ممالك الهضبة و سواحل بحر القلزم٥ كما ساعدهم نفاذهم المبكر لميناءِ “دَهلَك”٦ في منطقة أدولس “عدولي” منطلقين أليه من فازغولي مروراً بأصوصا ثُمَّ أكسوم و أيضاً أرتباطهم القوي بالمحيط الهندي عبر طريق زيلع٧ ثُمَّ مرورهم المطمئن بمملكةِ “شوا”٨ أو غيرها من الممالك الاسلامية  و أيضاً دعمَ تفردهم التسلل البطئ للدين الجديد – ألأسلام – و أستيطانه الهين و مسايرته لطبائعِ أرض الذهب و النهر و الغابة العتيقة . 

همس النهر :— 

التجار لا يعنيهم من الدين سواء قدرته على المقايضة .

ردَّت سنار ضاحكة :— 

بينما ينسج الرعاة من خيوطه أثوابِ المصاهرة ، ثُمَّ أفسحت للنهر ساحة التداعي . 

أبتدر النهر الحكاية فأقتعدت سنار قمةَ مُنحدرهُ الصخري مأخوذةً بذاكرتهِ الطاعمة كماءِ الفراديس ، 

قال النهر العتيق :— 

كنت نائماً حينما نزلت “الملكة جودت” رملي لم يفزعني حضورها المفاجئ فلقد تعودته مثلما وطنت نفسي على شغفها البالغ بالكمال حدَّ حثَّها نهراً كمثلي للقيامِ بما يليه من مهام و رغم عتاقتي فلقد أرتضيت ضمي لحاشيتها الأسطورية ربما يعود الأمر لدأبها الذي ما عرفت لَهُ خمولٍ و لهِمَتِها التي تجعلك تنغمس في نبشِ نقائصك ، صرتُ صديقها السِّري و أن أدعت أمراً أخر ليس لَهُ جدوى فيما يخص علاقتنا الممتلئة بالغرائبِ والأسرار حتى أني بتُّ أحنَّ  لزياراتها المتوقعة و المفاجئة ، كانت تأتيني مع الفجر فيرتج كياني من عريها الذي لا يشبه عري الملكات ، تتبعها وصيفةٌ بكماء تشعُّ أسنانها في الدُكنةِ الخفيفة ، تصلني ضحكاتهم أولاً في موضعِ جلوسي ذلك  بجرسها الرنان فأستقيم جالساً متصنتاً لجُمل الملكة الطويلة مدركاً وصفَ حُلمها من نهايات الحروف و تشابكَ المشاعر و الأنفعال الذي لربما يقتضي كبحهُ حضور أخرين في مدى السماع ، أمسكتني ذات مرة متلبساً بحشرِ خَشمي :-

” اللهم أجعله خير “

لا أذكر الْحُلْم وأن تذكرت دهشتها الملوكية لحظةَ تشالقَ٩ صوتي الراعش ، أشتعل غضبِها لما ظنتهُ قلةَ أدبٍ نهرية و قاطعتني و الماءَ ليومين كاملين تضررت فيهم كثيراً بينما كرهت ” جودت ” رائحة جسدها رغم ذكاءِ عطورها العُودية مما دفعها للعودةِ دون عتابٍ أو عقاب ، قلت لنفسي لحظة نزولها المنحدر :— 

الأنهار الشقية لا تُلام أو يمكن عقابها ، 

لكنني مسكت “خَشمي” الخفيف و نوعت قدرتي على التلصلص و أستراقَ السمع  و بلغت بذلك شأواً طقوسياً عجيب فغضبت عروسات جوفي و أمسكت غيِّرة حامضة بالواردات رسغي دون رقيب و أحجمت الصيادات الشغوفات عن رمى الشباكِ لأصطيادي و تلجلجت بنات سبيل رحمتي و ثارت مجنونات دميرتي من كُلِّ طيفِ و شاكلةٍ و قبيلٍ يسعى في الأَرْضِ أو تمتلئ بهِ الأكوان . 

علقت الملكة جودت سيفها في رقبة وصيفتها السمراء ثُمَّ عند موقع رملي المفتوح علي بدايات الماء وضعت بيديِّ صديقتها البكماء عباءةَ نومها و ثيابها الداخلية متعريةً بذاتِ البطءِ و العنايةٍ التي تحفظ مراسمه الذرات المبلولة و الحصى المشاغب ، تَعبَّقت الأجواءِ القريبة و التي دنت من بُعدِها النائي برائحةِّ الدخان الطازج و سرى عبير الطلح الفاتن بكياني المرتجفَ فصحوتُ في صحوي ، فارقني ما لا يعرفني و ما يعرفني ، عُدت صبياً رغم عتاقتي المؤكدة و أميراً في سلطاني الشاهد و شاعراً يكتبه الشعر و جميلاً جداً جميل ، عزفتني الأوتار النائمة و المشدودة و غنتني في غفوةِ نومها الطيور و زقزقت بعشقي عصافير الجنة اللائي صاحبنا نزولي من الفراديس و زاملني من تخلفن في بقاعِ السماء و نادت بأسمي القوافل المسافرة و دَوزنَ جرياني الفاتر والنشيط نُدَمَاءُ َالليلة الفائتة و القادمة و العشاق الجيدين و الصبايا الحالمات بالحبِّ ثُمَّ حيث مشت “الملكة جودت” شَهِقتُ حتى أدرك مائي ضُفرَها الكبير ذلك قُبيل أن تبارحَ و فتنتِها سجادة الحصى السعيدة و وقعتُ في ما لم يُجربه نهرٌ قبلي و تعرقت جُزري الكبيرة و الصغيرة و عمَّ بياض الملح ضفافي لكني حاذرت كل حركة أو سكون تلفتها لعشقي الفاضح ،،،،،

:- كيف يكون الذي لا يُمكن أن يكون ؟! 

سألت سنار بشغفٍ بالغٍ لحظةَ أحتبس صوتها و هدأت أنفاس الوجود ….

لا تسأليني بل أفتحي كتاب العشق — ردَّ النهر ثُمَّ أنداح في التداعي — لمع جسد الملكة الممشوق في الظلمة الخفيفة و رأيت ما لم يرهُ بشر و لا حتى زمرة أزواجها العديدين ، غَلبني حياءٌ محض لا يشبههُ حياء الناس فأطرقت مُسْلِماً لدقات قلبي القياد ، أحتواها مائي فتعانقت رعشتي و رعشتها وذبت كأني لست أنا و لا “جودت” هي الملكة ، رجع الطين لماعونِ الماء و أغتسل الدمع و الدم من طعمِ الملح و حفظ صدري خرائط نشوة صدرها الناهد و تملكتني عطور جسدها الأسطورية – الطلح ، الجلاد ، بوح الصندل و زيوت الأعواد – فككتُ بشغفٍ بالغٍ شفرةَ شوقها الغامضة فصارت ملكي حيث لن يؤذي مائي بعضهُ .

عامتني الملكة الفاتنة فأنتخب موجي أعذب تياراتي و صحبتها ما بين الظلمةِ المتهاوية و الضوء الغالب و تحللت من حماقاتي و غتاتة* الأنهار الراتبة ثُمَّ ببطءٍ فاتن لَبِستُ عريها و توشحنا أزار وجدٍ ناضج ، صارت فيَّ و صرتُ فيها ، تصالحنا ، أغتسلت من غضبها و بارحها التكدر و دفنت بنهرِها عزَّي و تاج ممالكي القديم ، همست فأكملت قولي الذي لم أقله و أبتسمت فضحك عناقنا وأطلَّ فجرٌ جديد .

” قالت سنار ما أقسى الوداع ” .

ردَّ النهر ” ما أقسى فراق حبيبتي جودت ” 

سبحت الملكة ببطءٍ صوب الشاطئ فتمطى  مجرى مياهي وتمدد طويلاً حتى خفت يا سنار أن تغرقين  قبل ولادتكِ لكنَّ غضبة ضفتي المشتاقة صرفتني عن تدبرِ الأمر فصرختُ ضاحكاً  بكُلِّ ما فيَّ من عجبٍ و حزنٍ و لوعة :-

” تريثي يا حمقاء ستغادرنا أجمعين ” 

ثُمَّ عدت لسباحةِ الملكة الهادئة كما سيادة الضوء و تعجبت لعلماءِ اللغةِ الوافدة و تفريقهم العميق الحكمةَ ما بين العومَ و السباحة ،،،،،،

” العَوْمُ عِلْمٌ لا يُنْسَى 

العَوْمُ : الجَرْيُ في الماءِ مع الانغماسِ و السِّباحَةُ : الجرْيُ فَوْقَه من غيرانغماس”** فما بين عوم الملكة جودت و سباحتها كان برزخي الأعظم وفتونتي التي لا يشبهها صبا ولا يماثلها جمال لكنَّ الحقيقة قد لا تُطابق منطوق القواميس أحياناً و أن قاربتها ذلك لأنَّ الفعل الطبيعي أنضرَ من الكتابة و أعمق من أن يلتقطهُ بصر البشر أو تجلي بصائرهم و برغم محبتي لتفسيرِ العوم بالجَرْيُ في الماءِ مع الانغماسِ الا أن تخصيص المعنى لأنغماس الملكة وحدها ألتبسَ على مداركي النهرية لأنَّ مقدار ذوباني فيها فاق منتهى أنعماسها فيَّ حدَّ جريانَي عشقاً فادحاً بنهرِ صدرها الجامح و فجأةً صرتُ وجوداً تهواهُ الأرض و تشتعلُ من أجل أرضائِهِ الخرائط ، خفتّ أن تفوتني أستقامتها فضممت عليَّ حُزني لكنَّ الأمر تمَّ بسرعةٍ عجيبة حتى قبل أن يرتد للشاطئ الذاهل عنما سوى “جودت” طرفهُ الصحيان ، أدركت الوصيفة ملكتها حتى قبل أن تكتمل أستقامة جسدها الممشوق ، لفَّتها بعباءةِ نومها و سارتا على عجلٍ لا يشبه عادةَ “جودت” عند مبارحتي .

توجست كثيراً – قال النهر- .

 

مجتزأ من رواية جديدة

_____________________________________________________________________

الهوامش

*/ سنار مدينة سودانية قديمة تقع علي نهر النيل الأزرق .

١/ الملكة جودت : وردت في وثيقتين اكسومتين تناولتا أحداث حروب الملكة التي اجتاحت الحبشة وقد عرفت في هذه الوثائق بعدد من الأسماء أشهرها جودت (Judit)و يقال أنها حكمت مملكة بنو الهموية لمدة أربعين سنة انتهت بموتها عام 910 .

٢/ بنو الهموية : وردت في كتابة لأبن المقفع و أعتمدت عليها الوثائق الأثيوبية . 

٣/ ممالك داموت : هي مواطن الذهب و تقع في و حول منطقة فازوغلي الحالية .

٤/ المكِ الأول : المقصود هنا عمارة دنقس مؤسس مملكة الفونج ١٥٠٤م 

٥/ بحر القلزم : ألأسم القديم للبحر الأحمر 

٦/ دَهلَك : أرخبيل دهلك تجمع جزر في البحر قبالة شواطئ إريتريا قرب مدينة مصوع،  عليها منذ 1996 أكبر قاعدة عسكرية إسرائيلية خارج حدودها . (( المصدر ويكبيديا )) 

٧/ .زيلع : مدينة صومالية تقع في الشمال الغربي على ساحل خليج عدن المقابل لدولة جيبوتي و قد مر على المدينة الرحالة أبن بطوطة .(( المصدر ويكبيديا )) 

٨/ شوا : (283 – 684هـ = 896 – 1285م) أسست هذه السلطنة على يد أسرة عربية تسمى «بنى مخزوم» سنة (283هـ = 896م) في أواسط الهضبة الأثيوبية .

٩/ تشالق : من الشلاقة وهي كلمة عامية سودانية تعني الخفَّة و الشقاوة .

**/ العوم و السباحة : القاموس المحيط شرح تاج العروس .

             

روائي من السودان

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة