المنفى

72575_141708039208373_136812026364641_224636_61262222_n

كوثر عبد الله :

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

بدأ أزيز واهتزاز طائرتي إيذاناً بإقلاعها متزامناً مع إرتجاج كياني واصطخاب الأفكار في عقلي، لوهلةٍ كدت أجنح لإلحاح صديقي المتواجد في حياتي بشكل متوازن ـ أو هكذا كنت أحسبه ـ إذ اكتشفت في أيامي الأخيرة والعصيبة أنه أقرب إنسان إلي، كان يسألني : لماذا تود الرحيل؟، ألأجل وظيفةٍ استحقيتها بمستواك الأكاديمي ولم تحصل عليها وتريد أن تعوضها؟، أم فراراً من ذكرى حبيبةٍ زهدت فيك وتخلت عنك عند أول مفترق الطرقٍ وتريد أن تثبت لنفسك أنها الخاسرة؟.

اسمع يا أخي – قالها وهو يشد على ساعدي بقبضتيه ويكسو ملامح وجهه الأسى – الحياة لا تسير على نمطٍ واحدٍ، إنها متغلبةٌ ومتغيرةٌ ولا تركن إلى حال، لذلك لابد للأوضاع أن تتحسن ولابد للأحوال أن تنصلح، فقط ثق بأن الغد سيكون أفضل، وأنك ستجد الوظيفة التي تليق بك وبمرتبة الشرف التي نلتها بجدك واجتهادك، كما وأنك ستحظى بأنثى جميلةٍ وصادقةٍ تليق بإنسانيتك الطاهرة. أمط شفتي وأتململ في جلستي، يتعالى منسوب مرارتي حتى يبلغ حلقي وأزدرده بصعوبة، أميل للأمام مختلساً النظر من خلف زجاج نافذتي وأرى مدينتي بعينين يملؤهما الأسى وهي تتباعد عني كلما حلقت طائرتي عالياً منفلتةٌ منها محلقةٌ وحاملةٌ إياي نحو مصيري المجهول.                  

بعد إقلاع الطائرة واستوائها في الجو تمددت في مقعدي مفكراً في الحوار الذي دار بيني وبين صديقي وأرد عليه قائلاً بيني وبين نفسي: حسناً يا صديقي الطيب والوحيد الذي ساءه ارتحالي، دعنا نعيد ترتيب الأمور حتى يتسنى لنا رؤيتها بالشكل السليم ومن ثم نضعها في نصابها. أنا أعرف أن أهم الأسئلة التي تدور في بالك هو لماذا أسافر؟، هل لأنني سليل عائلةٍ عاديةٍ تعمل في فلاحة الأرض وزراعتها بالأجر الزهيد؟، وليس لها حول ولا قوة كما ولا تمتلك أي نصيب من المناصب الحكومية المرموقة ولا وشائج إتصالٍ وطيدةٍ بالرأسماليين المعروفين!. أنت تعرف جيداً أن هدفي الأكبر من دخول كلية الهندسة هو إحداث تغيير جذري في الوضع الذي تعيشه أسرتي، وذلك بأن أرحم أياديهم التي تشققت بملح الأرض وجلودهم التي تفسخت بسموم الصحراء. لذلك سعيت جاهداً للتفوق الأكاديمي وحافظت على المركز الأول الذي حصلت عليه من أول امتحانٍ جلست له وحتى تخرجي، وبعد تخرجي بشهورٍ ليست بالقليلة قرأت في إحدى الصحف إعلاناً لوظائف في شركةٍ عملاقةٍ فسارعت بالإتصال بحبيبتي الفاتنة!، وردتي الجورية، كي أزف لها الخبر وأبشرها بقرب انفراج الأزمة، يا إلهي هذه الكلمات تنسل من ذاكرتي متحشرجة وملتهبة ،حسناً سأدخل أصابعي العشرة بعيني كي أرجع دموعي الطافرة، فأنا رجلٌ أخبره أباه ومنذ نعومة أظافره بأن الرجال لا يبكون فإياك والبكاء !، إذن سأجمد الدموع في أعماقي !.                                      يبدو أن زفراتي المتلاحقة قد أحرجت الكاهن ذو اللحية الطويلة والبيضاء والوجه الصبوح الجالس في المقعد الملاصق لمقعدي – قديماً كنت قد سمعت أن أكثر ما يحرج الكهنة هو موت الأطفال، فهل ما أنا فيه يشبه موت الأطفال.؟! – فمال ناحيتي ووضع يده على يدي برفق، حينها ولا أدري لماذا شعرت بشيء من السكينة يسري في دواخلي، وغمرني ذلك الدفء الذي يأتيني عندما أصاب بالحمى في فصل الشتاء ويضع والديّ العديد من الأغطية الثقيلة فوقي برغم عنفوان الصقيع في قرانا المتبعثرة على صدر صحراء شمال السودان. قال لي الكاهن بصوت عميق وأخاذ: هون عليك يا بني، هذا هو فقه الحياة، رحيل واعتياد وعودة. ستقضي في رحلتك هذه ما يشاء الله لك ثم تنقضي وتعود بعدها إلى وطنك الحبيب. أومأت برأسي عدة مرات دون أن أنبس ببنت شفة، كان خلالها الكاهن يحدق ملياً في وجهي ثم قال: تبدو عليك سمات الطيبة والروح النقية، فافرح لأن أصحاب الأرواح النقية سرعان ما يجدون السعادة الأبدية أتدري لماذا؟ – قلت له: لماذا؟ – قال لي: لأنهم لا يأطرون في شكل معين أو وضع معين أو مكان معين. وافقته دون اكتراثٍ لأن النعاس سرى بأطرافي حتى تمكن مني ونمت ولم أستيقظ إلا على تراقص الطائرة فوق مدرجات مطار جوهانسبيرغ.  

     حسنا يا صديقي ها أنا أكتب لك من هنا، من مدينة   (الكاب)التي تحمل اسم قريتي المنسية في رقاع ولاية نهر النيل. مدينة الكاب المتمتعة بمناخ البحر الأبيض المتوسط والذي يكون حار جاف صيفاً ودافئ ممطر شتاءاً، على عكس ولاية نهر النيل التي ترزح تحت وطأة داء السرطان والذي تفشى فيها أثر تلك النفايات المدفونة بقلب الصحراء. أكتب لك لأجيب عن سؤالك القديم والذي كان لماذا تود الرحيل والذي أصبح لماذا رحلت؟، رحلت وذلك ليس لأن عواصف الضمير الميت جاءت بما لا تشتهي سفن أحلامي ولا لأنني سوف أضطر للتسكع في الوظائف الهامشية التي لا تمت لشهادتي بصلة والأسئلة الوحشية الملحقة بها، ألست خريج هندسة؟، إذاً لماذا تقود عربة مواصلاتٍ عامةٍ،  أو لماذا تتجول بالصحف بائعاً، أو لماذا تعمل كمندوبٍ لمبيعات مطعم؟!، رحلت يا صديقي لأنني أرفض تجميل الفقر وتزيين الزيف، أرفض الخوف والخنوع والخضوع، أرفض مديح جلادي والتعلل له، أرفض الإستسلام لمعتقدات مجتمعٍ يرفضها جهراً ويفعلها سراً -هكذا -نفاقاً دون أن يعرف أو يعبأ بأصول مرجعيته أن وجدت أصلاً. رحلت يا صديقي لكي أبني صروح آمالي هنا في مجتمع يقدس العمل أكثر من نوع العمل أو شكل العامل وهيئته.     

  عندما ذهبنا أنا وحبيبتي إلى مقر الشركة عرفنا أن عدد الوظائف المطلوبة عشرة فقط، لذلك وضعوا شروطاً صارمةً للمتقدمين، أولها أن يكون المتقدم للوظيفة حاصلٌ على مرتبة الشرف الأولى وحبيبتي كانت في المرتبة الثانية، إلا أن المدير الذي كان يرمقها بنظراتٍ ثاقبةٍ فاحصةٍ، أخذ أوراقها وقال لها هامساً: المرتبة الأولى شرط متعلق بالذكور فقط يا آنسة!. دهشت بقدر فرحتها ولكنني فرحت لاحتمال عملنا معاً في مكانٍ واحدٍ. ولأنني كنت الوحيد ضمن المتقدمين لوظائف تلك الشركة المستوفي للشروط المطروحة فقد استغربت جداً من كوني الوحيد الذي لم يقبل فيها عندما أعلنت النتائج فهرولت إلى مكتب المدير مستفسرا وكانت الكارثة. 

كانت الكارثة يا صديقي وحينها لم أستطع أن أحكي لك لأن الآلام الكبرى لا تحكى، فهي تهرئ اللسان وتقطع الحبال الصوتية، لكن الآن وبعد أن تعافيت سأحكي لك. عندما دلفت إلى مكتب المدير لم يروعني وجود حبيبتي بين ذراعيه في وضع لا أخلاقي، لا حيائي، لا …….، لست أدري

مهلاً .. مهلاً

 لماذا يتوجب على الفتاة المحافظة على عفتها وشرفها ولأجل ماذا؟!، لأجل الدين؟، لأجل المجتمع وأعرافه وتقاليده؟، أم لأجل ذاتها وعزتها وكرامتها؟. لم يروعني وجودها بين ذراعيه بانتشاء دافق بقدر ما راعتني نظرتها المتوحشة، الواثبة والجريئة، لم ألمس في نظرتها أي شيء من الخوف أو الخجل أو الحياء أو حتى الندم!، كانت نظرتها معتقة بالجرأة، وكأن هذا هو الوضع الطبيعي لها وما ذلك الحياء الذي عرفته فيها طوال الخمسة سنوات الماضية إلا محض زيف!. خمس سنوات كانت هي حبيبتي والمعروف عنها أنها أكثر الفتيات تهذيباً وتأدباً وعقلانيةً، وحافظت أنا على ذلك، فكنت أحدثها باحترام وفير، كنت أحميها من كل شيء حتى من نفسي، كنت أحرص على أن لا أختلي بها أو أقترب منها كثيراً حتى لا يحدث شيء يضايقها، كنت أحرص على كتم رغباتي ونزواتي والتغلب عليها لأنني كنت أعتقد أن من أسباب نجاح العلاقات العاطفية التعقل والصبر والالتزام بالقيم الأخلاقية، لكنها فاجأتني وجعلتني متعجباً من قدرتها على إخفاء طباعها الحقيقية خلف المساحيق والأصباغ الزائفة التي كانت تضعها على ملامحها طوال الخمس سنوات الماضية!، ولو أنها كانت تتعامل بطبيعتها ما كانت ستضطر للغوص في مياه أخليوس كي تجدد عذريتها أقصد أصباغها ومساحيقها. نعم يوجد الكثير من الأشخاص الذين يذهبون لغرف المكياج كي يضعوا أقنعة تتناسب والأشخاص الذين يودون مسايرتهم، لكنهم يتوقفون في الثلث الأول من الطريق، فكيف استطاعت هي الصمود ومواصلة التمثيل حتى النصف الثاني من الثلث الأخير من الطريق؟!، ما من شيء أقبح من النفاق يا صديقي. ولأن الجروح الكبيرة لا تحتاج إلى تبرير فلم أكن أنتظر منها أن تحتذي قطعتين من الحديد الملتهب لتمشي على وجعي الطازج وتقول لي:

اسلخني من قلبك، انزعني من روحك، أحرق ذاكرتك الموجودة أنا بعمقها، أطلق النسيان بوريدك بدلاً عن حبي، سامحني إن شئت أو إن استطعت أو اسقط على رأسك من علوٍ شاهقٍ إن لم تستطع!.

لكنها جاءت يا صديقي، جاءت لتقول لي: أنت لست الرجل الذي أريده أنا!، اعتبر أن شخصاً آخراً مشى بساقيك في طرقاتٍ لم تذقها قدماك أبداً من قبل. حينها تذكرت قولاً قديما مأثوراً:” إن مما أدرك من كلام النبوة الأولى، إذا لم تستح فأصنع ما شئت”.

 أيا صديقي الأزلي وإن شطت بنا الطرق وتشعبت بنا المسارات ستظل أنت .. أنت محفوراً بعمق ذاكرتي وقلبي وروحي، متوسطاً كل أحبائي الطيبين في وطني الطيب والحبيب.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً