الرئيسية / احدث التدوينات / المهمشون في الأرض

المهمشون في الأرض

رجب

بقلم: رجب سيد

 

     اليوم هو ذكرى يومٌ أقلعت فيه عن شرب الحشيش، تماماً. كان ذلك منذ سنوات، وقبل أحداث كثيرة، وقبل أسعد حادثة في حياتي: حادثة زواجي. لقد صار تاريخ زواجي تأريخاً لما قبله وبعده، وكذلك يوم أقلعت فيه عن الحشيش، كان قبل زواجي.

     في مجالس المتزوجين أكذب عليهم فأقول أن إقلاعي عن الحشيش ضمن خطة الزواج، فتركته رحمةً بزوجتي. هم لا يعرفون الحقيقة، ولا أحد يعرف السر، إلا صديقاً واحداً لأنه كان الشاهد الوحيد، كان الشاهد العجيب حقاً، اسمه قبلان.

     اعتاد قبلان أن يزورني في الليل لنشرب الحشيش معاً، ونتدوّل أحداث العالم وأخباره، ونضحك كثيراً، إلا في تلك الليلة التي أقلعت فيها عن الحشيش، لم أضحك أبداً. لم يكن على عادته في تلك الليلة، فقد كان ساكناً، ويتناول مني السيجارة دون مداعبة كما اعتدت معه. سألته عن حاله، فقال:

     – تعبت من التهميش.

     – خلاص بلاش تاكله!

     لم يبادلني الضحك، فكففتُ عن ضحكي خجلاً. شكواه المعتادة تقليدية: الأسعار، الراتب، المواصلات… إلى آخره. لكنه اليوم عجيب حقاً؛ إذ يشتكي من التهميش، فهو الأول من بين دائرة معارفي الذي أراه يشتكي من التهميش. بعد أن سحب نفساً عميقاً من السيجارة، ونفثه ببطء، قال:

     – لازم أروح القسم.

     – القسم؟

     – آه .. القسم.

     – هتعمل إيه في القسم يا قبلان؟

     – هروح أشتكي من التهميش.

     – يا سلام! وهتقولهم إيه بقى في القسم؟

     – هقول إني مهمش، وعاوز حقي في حياة محترمة.

     – وبعدين؟

     – وبعدين يشوفوا حل للتهميش.

     – أظن كده إن الحشيشة دي حاجة من الإتنين: إما هي مغشوشة، أو حاجة أفغاني أصيلة.

     – أنا فايق أوي على فكرة .. وهثبتلك ده حالاً .. أنا قايم رايح القسم.

     – آه .. تبقى الحشيشة مغشوشة .. أنا عارف الحشيش المغشوش بيقلب نكد وغم.

     في لحظة جنون، سقطتُ من السماء السابعة إلى الأرض، ذلك حينما وجدته جاداً في كلامه، وعازماً كل العزم أن يذهب إلى قسم البوليس. حاولتُ تهدئته ولكن هيهات. هرولت خلفه قبل أن يخرج من بوابة الكوخ، لردعه، ولم يرتدع أبداً. فقال:

     – جاي معايا ولا لأ؟

     – جاي بس بشرط .. هقف من بعيد اتابعك .. علشان لو اتورطت أعرف انقذك.

     – ماشي تعالى ورايا.

     لم ينطق بكلمة خلال الطريق إلى القسم، ولم يبدر منه غير التأفف والغضب. يزداد غضبه كلما اقتربت السيارة من القسم .. أما أنا فقد كنت أتمنى معجزة تصده عن عزمه، ولكنه القدر.

     في القسم جلستُ عن كثب قريب من موقع تسجيل المحاضر النيابية، جلست أراقب الأحداث وأرى ذلك المجنون يناطح الثور الهائج.

     – من فضلك عاوز أعمل محضر.

     – طبعاً طبعاً .. ممكن بطاقتك الأول؟

     – اتفضل.

     – ها؟ مين سرقك؟ أو ضربك؟

     – لا ده ولا ده .. أنا عاوز أعمل محضر تهميش.

     – نعم؟!

      – أنا مواطن مهمش، وعاوز اشتكي.

      – آه .. طيب استنى شوية، هدخل لحضرة الملازم وراجعلك.

      يذهب أمين الشرطة، الأمين جداً، إلى مجلس الملازم ويخبره بالأمر. ينهض سيادة الملازم ويذهب نحو صديقي قبلان، ويسأله عن شكواه:

      – إنت عاوز تعمل محضر ايه؟

      – محضر تهميش، سعادتك.

      – تهميش من إيه؟

      – من كل حاجة في حياتنا.

       لم ينطلق لسان صديقي قبلان، فهو المشهور بطلاقة لسانه واحترافه مهنة البيع، ها هو الآن يخرس تماماً. لقد تورط في مشكلة كبيرة، نعم. بعد أن أمر الملازم بتفتيش جيوبه، وجد معه قطعة حشيش. ها هو العريس يتم زفافه إلى الحبس.

      في تلك الأثناء يتدخل القدر المتقلب ذات اليمين وذات الشمال ولطفه باسط ستائره حول الأرض. السيد: حمود أبو العزايم. الممثل والفنان المشهور، يدخل من بوابة القسم وصوته الصارخ يهز أركان القسم. الجميع ينتبه له، ويهرول حضرة سيادة الملازم نحوه ليسأله شكواه:

      – أهلاً .. أهلاً بالأستاذ الكبير والفنان الجميل .. خير سعادتك؟

      – يجي منين الخير بس .. بقى أنا سيارتي تتكلبش علشان ركنت صف تاني دقيقة فقط؟

      – خير سعادتك .. كل مشكلة ولها حل.

      – ده أنا يدوبك كنت نازل اشتري علبة عصير وماشي بسرعة، من المحل اللي جنب القسم.

      – سعادتك تتفضل تستريح هنا وتشرب عصيرك براحتك خالص، وخلال دقايق نفك سيارة سعادتك.

      في ظلَّ تلك الأجواء الهزلية؛ إذ انهمك السادة الضباط، والملازمون، والأمناء، انهمكوا جميعاً واحتشدوا واختلفوا من أجل هدف واحد: صورة مع الفنان الجميل الشهير. في ظلَّ تلك الأجواء تسللتُ نحو أمين شرطة، وهو شديد الأمانة، ويعمل ساهراً على رعاية المواطن المهمش، وطلبتُ منه العفو عن صديقي قبلان.

      بينما الجميع منشغل بالواحد، تحرر صديقي وأخذتُ برأسه أجُره خارج القسم. لقد كان ثمن ذلك العمل البطولي مائتين من الجنيهات المصرية قد أخذهم حضرة الأمين.

       فهل فهمتم أعزائي المتزوجين؟ هل أدركتم سبب إقلاعي عن الحشيش؟

عن رجب منى السيد

mm
قاص من مصر