المِحراب

b62ca20f8e8028f236a41fd9ba37f979

لا تخف مما لم تكتب، خف من المكتوب، فالكتابة تحرر المأسور.

 

***

 

دوران..

 

دوائر حمراء كبيرة متداخلة، تتحرك بانسياب يخلق عمقاً على طول حركتها، يغمق لونها، تسود وتصغر، تتخللها بعض الخيوط الصفراء، تبدو كدوامة لا منتهية، حلقات كحجر ارتمى على بحيرة ساكنة فأربكها، عندما يستقر وسطها، يكشف عن نفق ضيق يمتد على عتمة بطول انسحاب التموجات إلى الداخل، لا يكاد بصري يستقر على سكونها حتى تبدأ حركة التموج من جديد، تتسع وتفقد انتظامها، تتشتت الرؤية، أبحث عن النفق، عن الموج، عن دليل الطريق، فلا أشعر بشيء سوى خطوط غير متناسقة، ينفلت المشهد من أمامي، تتشابك الألوان، وتتعاظم الدوائر في اتجاه عكسي، أشعر بقوة هذه الحركة، كإعصار مندفع يلقي بي بعيداً.

 

***

 

أسقط على سريري..

 

 

أفتح عيني ببطء، يتسارع قلبي، وأجدني في مكاني، على سريري، داخل غرفتي، لا شيء مقلق، ماذا هناك؟ لا أدري، أشرب جرعة من كوب الماء الموضوع على المنضدة قرب سريري، ثم أنفض رأسي كالعادة، وأوسد رأسي يدي اليمنى، أطلب النوم من جديد. إلا أن الأصوات التي تصدر عن تلك المروحة المتدلية من سقف حجرتي، مربكة، هاهي تدور وتدور فوق رأسي، ترتطم أجنحتها بالهواء من حولها، يعلو صوتها كلما انتبهت لها، كل شيء ساكن إلا من صوتها، أحاول جاهدة عزل الصوت، لا فائدة، توجهت نحو المفتاح أدرته قاطعةً عنها التيار، وابتسمت في انتصار، بدأت سرعتها في الدوران تتباطأ، وأنا مستلقية على سريري أبحلق فيها، وكلما انخفضت سرعتها علا صوت الاحتكاك بداخلها مصدراً صريراً مزعجاً، لكل شيء طريقته في الرفض، حتى هذه المروحة البائسة. أعدت تشغيلها على سرعة متوسطة، فقلت حدة الصوت، ثم أخذت أحدق في أجنحتها، أرسم معها الدوائر بقلق حتى غلبني النعاس.

 

 

***

 

ويستمر الدوران..

 

هاهي هناك من جديد، حمراء، تتقاطع ثم تسود وتصغر، انقبض قلبي، مرة أخرى، إنها الدوامة، شعرت بالخوف وراودني إحساس السقوط، فتصاعدت وتيرة أنفاسي، وأغمضت عيني بقوة استعدادا للارتطام بتلك الموجات المتسارعة، لم يحدث شيء، فتحت عيني على هدوء الأمواج، درت في مساحة السواد التي تحيط بي، لاشيء يكسر سوادها سوى بقعة ضوئية صغيرة منحدرة عبر نفق طويل يلفه الظلام، ويد مائعة الملامح ترسم الطريق من بعيد، أمشي بخطىً حثيثة متبعة الطريق، والطريق لا يعرف النهاية، حتى بدأت اليد بالتلاشي وبدت العتمة أكثر اختلاطا بخيوط الضوء، حيث انتهى بي السعي إلى ما يشبه الانبعاج، إذ اتسع المكان فجأة واستدار على نفسه فلا شيء بعده، يبدو كمحراب مهجور، تقدمت إلي الأمام أختبره، فإذا بجسد صغير هناك في عمق السواد، يسقط عليه سرسوب من الضوء من كوة لا أدري كيف وُجدت، ولا من أي فضاء ترسل هذا الضوء، إنها طفلة صغيرة بدت لي تمثالاً لسكونها، يبدو حجمها ضئيلاً، شعرها أسود كثيف ومتموج، مرتب علي شكل جدائل سميكة ليست بالطويلة، إقتربت منها فلم تتحرك، خلتها للحظة لم تنتبه لوجودي، إلا أنها التفت إليّ بعينيها الواسعتين، فكانت نظرتها حادة لامعة، استطعت تميزها رغم العتمة، لم أستغرب منها، بل شعرت وكأنني اختبرتها من قبل، فملامحها مألوفة لي بميلان رأسها وابتسامتها الباهتة. تقدمت خطوات نحوها، مددت يدي لأصافحها، إلا أن ملامحها تبدلت بسرعة، صغرت عيناها، وإبيض شعرها، هرمت هكذا فجأة واختفت، لم تمهلني حتى حق الاندهاش.

 

***

 

سقوط آخر..

 

أفقت علي جفاف في حلقي، وانقباض شديد في صدري، هممت بتناول هاتفي من على الطاولة المجاورة لسريري، فارتطمت يدي بكوب الماء، تدفق وابتلت القطعة الصغيرة المفروشة على سطحها، رفعت الهاتف في حركة انعكاسية سريعة لئلا يبتل، لمحت الساعة كانت تشير إلى الثانية وأربعة وخمسين دقيقة، استعدلت كوب الماء، رفعته إلى الأعلى اتجاه فمي، أبحث عن قطرة واحدة فقط يبتل بها حلقي، فكان فارغاً تماماً، نظرت إلى الكوب مطولاً أستجديه أن يُظهر ماءً، إلا أن الكوب لم يتفاعل مع نظراتي البلهاء وظل فارغاً. لم أستطع تجاهل عطشي فاخترت الذهاب إلى المطبخ لشرب بعض الماء، وأنا في طريقي انتبهت لضوء القمر الداخل عن طريق المنور أعلى السلم، رفعت يدي مقابلة الضوء أتتبع أثره، استدرت إلى مكان استقراره هناك على مجموعة الصور المعلقة على الحائط، تحركت نحوها، اقتربت من تلك الصورة تحديداً في الوسط، طفلة صغيرة ضاحكة العينين مميلة رأسها إلي اليمين بابتسامة بريئة، تسمرت مكاني، وجدت نفسي متعلقة بعينيها مميلة رأسي في محاكاة لها، رأيت النفق في عينيها، ولم أدر كيف أصبحت فجأة هناك، أقف مقابلة الصغيرة ناظرة إلى عينيها، كما هي لحظة التفتت إلي، عيناها واسعتين وابتسامتها باهتة، أما نظرتها فلم أعد قادرة على تفسيرها، لم أجرأ على الاقتراب منها، كنت خائفة من أن تختفي مرة أخرى، أدركت هذه المرة الشبه بيننا، هي أنا، ونحن هي، تلك الطفلة المعلقة على الحائط.

 

***

 

كُشِف الحجاب..

كان السكون يزحم المكان، وقفت أمامها، دون حِراك، كما لم تتحرك هي الأخرى، طفلة في ملامح الكبار، أرى على كتفيها هماً متراكماً يعطيها انحناءة خفيفة إلي الأمام، مازلت أخشى أن أقدم على حركة تفقدني اتصالي بها، لم أُسقط عيني عنها وهمست بصوت المخاطب نفسه “أنا…”

رفعت حاجبيها قليلاً، وحركت شفتيها، فجاءني صدى صوتي “أنا…”

صدقاً لم أتفاجأ، بل أحسست بشيء من الحنين. أعرف هذا المكان، هنا جلست كثيراً، وتحلق ألمي حولي، فامتد نفق من أوجاعي. كثرت صلواتي، وازداد تعلقي بإيماني، فأطرق قلبي، وحد بصري، حفظت خطوط المكان، وإعوجاجاته، أستطيع القول كم من خيوط الضوء قطعت عتمتي كل مساء. أذكر جيداً عدد التفاتاتي، وعدد خيباتي، يا لأنانيتي هربت مني فتوهمت نجاتي بشقائي. إن بعضي لبعضي لا نجاة لي دون أحررنا من ثِقل الماضي. شعرت بفيض من الدموع يندفع من عيني، وتحركت نحوها، وقد فارق الخوف قلبي، فقد شعرت أنني قادرة علي اللحاق بها أينما اختفت، إلا أنها لم تهرب مني، فوقعت علي ركبتي أمامها، حتى شعرت بألم الوقوع، ضممتها إليّ بقوة، وبكيت حتى تساقط الوجع عن كتفينا، وضعت يدي على جدائلها، وهمست لها أغسل عنّا الماضي، فليرحل بسلام.

 

فجاءني صوتها، صوتي طفولياً “أنا…”

فرددت ودمعي يسبقني “نعم أنا…”

 

***

 

سقوط أخيير..

ربما وقعت هذه المرة حقيقة، فكأنما سمعت صوت اصطدام ركبتاي بالأرض، خررت باكية، وما كنت أعلم الذي أصابني، بكيت بقوة حتى انتبهت على صوت نحيبي، فاستيقظت أتلمس الدموع التي بللت وسادتي، مازالت دموعي منسكبة وقلبي معصور بالألم، نظرت إلى ساعة الهاتف مجدداً، كانت تشير إلى الثانية وأربعة وخمسين دقيقة، ما هذا؟ نهضت مسرعة، فشعرت بألمٍ قوي في ركبتي، إلا أنني أسرعت نحو السلم، لم يكن هناك منوراً أعلاه، التفت إلى الحائط قبالته، لم تكن هنالك صور معلقة، ما الذي حدث لي، تحسست حلقي، ومررت يدي فوق شعري، وتحركت تجاه المرآة التي في الحمام، نظرت لوجهي، تلفت يميناً ويساراً، خللت شعري بيدي بحثاً عن الشعرات البيض اللاتي أعرفهن، لم يزددن

آه حلم آخر…

لمست انعكاسي علي سطح المرآة، ثم أملت رأسي قليلاً وابتسمت لنفسي، تذكرتُني، الطفلة ذات السنوات التسع بشعرها الأسود وعيناها الواسعتين، ربما ضاقت عيناي قليلاً وارتسمت بعض الخطوط تحتهما، إلا أن ابتسامتي ظلت كما هي، واستحال قلبي محراباً أصلي فيه لطفلة هناك هي أنا.

عن سارة النور

mm
سودانية بحب هى أنا .. طبيبة محبة للحروف .. ومابين سماعتى وقلمى أتوه .. متفائلة حد الأمل ما وُجِد له حد .. باحثة عني ولعلي إذ أكتب فإننى أكتب لأعرفنى أكثر .