الهروب

يادجوك

بقلم: إدوارد إريموغو لوكا*

ترجمة: يدجوك اقويت

 

      كانت نصف القمر تذوب ببطء في طيات الغيوم الممطرة الداكنة. وظلالها تختفي رويداً رويداً في زوايا المجمع السكني، كما لو أن لحافاً كبير قد فُردت على المنزل. في إحدى الزوايا البعيدة المظلمة، كانت أربعة أضواء صغيرة تتلألأ وتتحرك. قطط سوداء. وقفت على عتبة الكوخ. الليلة لا تزال في بدايتها، والمدينة تغط في نوم عميق، وهدوء تام. لا توجد كهرباء عامة هنا في المدينة، فقط بضعة مولدات مملوكة لوجهاء البلد، وكان الأطفال الذين اعتادوا على الغناء والرقص في الليالي قد ذهبوا إلى منازلهم. كانت ليلة كئيبة، ككل الليالي التي تذكرني دوماً أنهم سيأتون لأجلي يوماً ما. وعندما يفعلوا، سأكون مستعداً لهم. برغم أنهم بلا وجوه، إلا أنني أملك فكرة عن هويتهم.

      جوبا، 1991. كانت أوقات عصيبة لأولئك الذين يعيشون في تلك المدينة المحاصرة. بلغت الحرب الأهلية أكبر مدن الجنوب. وكان يمكن للمقيمين بها سماع أصوات الأسلحة الثقيلة، والقتال خارج المدينة، قُصف جوبا مراراً وتكراراً. زادت وتيرة الحرب بسبب تعرض الجيش الشمالي لخسائر فادحة. كما لو أنهم ينتقمون لهزيمتهم في ساحات الوغي، نشر الشماليون الرعب داخل المدينة. كانوا على يقين أن مقاتلي الحرية، المتمردون، يختبئون هنا بين المدنيين. عملوا على الإيقاع بهم، جنباً إلى جنب مع المتعاطفين معهم. الفرق بين الأبرياء والمذنبين لم يهمهم الآن.

      “عندما يأتون لأجلي، سأكون مستعداً” ، قلت لنفسي. قد أعتدت على السهر. كنت استيقظ منتصف الليل وانتظر في المجمع السكني حتى انبلاج الصبح. لم أكن أحاول تخويف اللصوص اللذين يختبئون بين الحشائش، الليل وقت مناسب لرؤية النجوم تتلألأ بحرية مثل اطفال  يلعبون بكل براءة. كان الوقت المناسب للتفكير. النسيم العليل لليالي المدينة يريح ذهني ويغلفني بالهدوء. لحظات كهذه هي انسب وقت للتفكير ملياً والتخطيط.

     قبل أسبوع، أخبرني صديقي المُقرب أن الأشباح أتوا لزيارته. وهي مسألة وقت قبل أن يقضوا علي. أنا أناسب صفات المطلوبين: مثقف، أعمل في مجال التعليم، مشهور في المدينة. بالنسبة لهم، أنا مشتبه به.

      رأيت عدد لا يُحصى من الناس اعُتقِلوا في مُنتصف الليالي لاماكن مجهولة، ولم يُسمَع عنهم مرة أخرى. اعتادت العائلات البحث عن احبائهم، لم يكن هنالك أحداً ليقدم اجوبة. عندما يتم إدخالك إلى البَيت الأبيض المشؤوم، إلى زنزانات الاحتِجاز، لن ترى ضوء النهار مرة أخرى. أسماها مواطني جوبا بشكل غير مناسب بالطبع؛ الجميع يعرف أنه ليس منزلاً فاخراً. في الواقع لم يكن هناك “منزل” على الإطلاق، أبيض أو غيره، فقط سلسلة من حاويات النقل، وبعضها تحت الأرض، حيث يبقي الشماليون المواطنين المحتجزين. قليل منهم خرج من البيت الأبيض على قيّد الحياة. ليموتوا لاحقاً بسبب الإرهاق، الجفاف أو الخوف.

      كنت أعرف الكثير من الذين اختفوا. يتم اعتقالهم ليلاً، وتعذيبهم للحصول على معلومات. كانت أسَاليب الحكومة متطرفة، لدرجة تدفع المُعظم لذكر اسماء اصدقائهم حتى يُفرج عنهم. احكم الخوف قبضته على الجميع.

     إذا كان لي أن أموت، أريدُ أن أموت وأنا أقاتل. لا أريد أن يُضاف اسمي إلى لائحة المفقودين المتزايدة يومياً؛ ولا الانضِمَام إلى الجُثث المُتحللة العائمة في النيل، بأذرعهم وأرجلهم المربوطة بالأسلاك والحِبال. وجد أحد أقاربي والده داخل جوال سكر كنانة قديمة تم سحبها من الماء. لم يتمكنوا من التعرف عليه إلا بالملابس الذي كان يرتديها ليلة اختفائه. كان الجميع يعرفون أن هذا عَمل الأشُبَاح.

     كانت ليلة مُخيفة، النِباح المُعتاد للكلاب، نسيم طَفيَف يتدفق عبر الأشجار العملاقة بأوراقها الصلبة. كانت ليلة مثالية للعملية، كنت على استعداد. كنت وحدي؛ فقد أرسلتُ زوجتي وأطفالي للبقاء مع والديها. ستكون آمنة هناك، على الأقل في الوقت الراهن. كنت أعرف أنه سيحدثُ الليلة، دخلت الغرفة، وعندما سمعت طَرقَات على البٌاب، فتحته فوراً.

     دخل جوني و لوامبو. كان جوني يرتدي ملابس رثة، تُغطى وجهه حَبات عرق صغيرة لامعة في الضوء الخافت في الغرفة. امسكتُ بمقبض مصباح الكيروسين لرفع الفتيل واشعاله، اضئت الغرفة. جلس جوني على مقعد صَغير بالقُرب من الباب.

     لوامبو رجلاً عاتي كبير الصدر كما الملاكمين. يعمل ميكانيكي بمرآب في منطقة [حي ملكال]، عندما جَلس على السرير، اخرج السرير صريراً وكأنه يحتج على ثقل وزنه. لبضع لحظات، لم يتفوه أحد بكلمة واحدة. عرفت مباشرةٍ انها لم تكن زيارة اجتماعية ابداً. جوني ولوامبو أصدقاء طفولتي. عشنا معاً في نفس الحي، درسنا معاً وكنا لا ننفصل. بعد أن درسنا [الفرسان الثلاثة] لالكسندر دوماس في المرحلة الابتدائية، بداء الجميع بمناداتنا ب[أثوس، بورثوس وأرميس].

خارج الكوخ، بدأ المطر بالهطول. لم تكن كالأمطار الغزيرة المعتادة، مع الرياح والرعد والبرق. كان مطراً خفيفاً، النوع الذي يستمر لأكثر من أربع ساعات دون توقف، وتهطل طوال الليل. كنا نحب هذا النوع من الأمطار عندما كنا صغاراً. كنا نسميها [سيكي سيكي]. عندما تبدأ بالهطول في الصباح، كان يعني أننا لا يمكننا الذهاب إلى المدرسة. نبقى في المنزل طوال اليوم، مجتمعين حول النار في كوخ المطبخ، في انتظار عصيدة ساخنة مخلوطة بزبدة الفول السوداني.

      لوامبو (بورثوس) كان من كسر الصمت، وبرغم أن صوته عادة ما يكون قوياً، الا أنه كان مهزوزاً اليوم، وأقرب للهمس:

      – يجب أن تغادر الليلة.

      – لن أذهب إلى أي مكان، إنه بيتي، إنها مدينتي.

      – استمع لي، لا يمكنك البقاء بعد الآن، لا شيء يُدعى وطن الآن، هذه منطقة حرب، أنت رجل معروف ومحترم هنا، لقد فقدت الكثير من أفراد أسرتك في هذه الحرب، ولا شيء سيعيدهم للحياة ولا يمكن لأحد أن يفقدك أيضاً.

      – ولكن لماذا يجب أن أركض؟ لقد خططنا لمواجهتم لفترة طويلة، وأنا الآن على أتم الإستعداد لهم.

      انحنى جوني إلى الأمام. كان الأكثر هدوءاً في الثلاثي. كعادته، تحدث فقط لتقديم الرأي النهائي وإقناعنا جميعاً، فقال:

      – لا، ليس كذلك، لقد أخذوا بالفعل توماس وبامبو هذه الليلة، وأنت تعرف ما يعنيه ذلك، وهم يعرفون أنك التقيت معهم قبل اسبوعين، لقد رصدوك برفقتهم. وكان توماس وبامبو صديقين آخرين أعرفهم جيداً. وكانا يعملان على وضع خطة لمقاومة الاشباح. كنت قد خططت للقتال معهم، ولكن الآن اختفوا.

      – يقولون أن الجبان يهرب، ليحيا من أجل قتال آخر. سيكون لديك وقتك، أراميس.

      عم صمت المكان.

     – ماذا سيحدث إذن؟

     سألت أنا.

      رد جوني:

     – هناك رجل ينتظرك في نهاية الطريق بالقرب من المقبرة.

     كان صوته قوياً وثابتاً. وقد خطط لكل شيء.

      – سوف يأخذك إلى ضفة النهر، حيث ينتظرك قارب العبور للجانب الآخر، هناك، ستلتقي المرشدين الذين سيوصلونك إلى طريق أوغندا. لدينا العديد من الأصدقاء الذين ذهبوا قبلك.

     قال لوامبو:

     – سوف تضطر إلى المغادرة الآن.

     – إذا علموا بذهابي، سيعتقلونكم.

     قلت ذلك محاولاً تجنب الذهاب واقناعهم. ثم أضفت:

     – علينا أن نذهب معاً.

     قال لوامبو:

     – لا يمكنهم إثبات أننا مذنبون. اذهب أنت. إذا زاد الأمر سوءاً سوف ننضم إليك.

     كنت أعرف أنه ليس لدي خيار آخر. نظرت حول الكوخ الضيق، ثم أمسكت بحقيبة سفر صغيرة، وحشوت اثنين من القمصان وزوج من السراويل. لم يكن هناك الحاجة إلى الكثير من الملابس. كنت أرتدي بنطال جينز وقميص. ارتديت معطف كبير للمطر وقفت. كان جوني ولوامبو يراقبونني بصمت.

      سار لوامبو إلى الباب. نظر إلى الخارج. قد توقف المطر. هب هواء بارد داخل الكوخ. احكمت المعطف من حولي.

     وقال لوامبو: “حان الوقت”.

     كنت أعرف ما يجري في أذهانهم. لقد أمضينا جزءاً كبيراً من حياتنا معاً. كان من الصعب أن نفترق الآن.

     أخذت حقيبة الظهر وتبعته للخارج. أغلق جوني الباب من خلفي. ترك المصباح مشتعلاً. وسيشتعل حتى نفاذ الكيروسين. لن يعود أحد إلى ذلك الكوخ مرة أخرى.

     تبعناه في طريق واحد متجهين إلى تخوم المدينة حيث المقبرة. وكان لومبو دليلنا على الطريق، كان يتوقف من وقت لآخر للتحقق من الطريق إلى الأمام. عندما يتوقف، كنا نركع جميعاً وننتظر إشارته لمواصلة السير. لم نكن نريد أن نخاطر بالوقوع في إحدى دورياتهم الليلية ومواجهة تهمة التنقل غير القانوني ليلاً، بسبب حظر التجول المفروض على المدينة.

     كان المخالفين الدائمين لحظر التجول من السكارى. في الصباح، تحلق رؤوسهم أمام مركز الشرطة، ويقادوا لتنظيف المراحيض بالمرافق الحكومية كعقاب على خرقهم للقانون.

     قادنا لوامبو عبر طرق المقبرة الطويلة إلى الطريق المؤدي للنهر. لم يكن للمقبرة أسوار. كان مخلعاً، مسارات ضيقة متعرجة بين القبور. كانت القبور عشوائية. بعض ذوي الموتى أقاموا أسواراً وحواجز كبيرة حول قبور أحبائهم؛ في الظلام، كانت القبور تبدو كأشباه. تقدمنا بخطى حثيثة نحو الأدغال. عندما اقتربنا، ومضت ضوء مرتين من اتجاه أشجار المانجو، لوح لنا لوامبو وركعنا بهدوء، انتظرنا. حتى ومض الضوء مرة أخرى.

     قال لوامبو: “هذه هي الإشارة. فلنذهب”.

     تابعته، وتبعني جوني مرة أخرى.

     ظهر ثلاث رجال في وقت لاحق. صافحونا دون أن ينطقوا كلمة واحدة. قام أحدهم بتوجيهي إلى الزورق على الشاطئ. ترددت أولاً، ثم استدرت نحو أصدقائي.

     – سوف نجتمع مرة أخرى، إخوتي.

     قلت بهدوء.

     عم المكان صمت مطبق. كان الصوت الوحيد صوت جريان المياه في النهر، وارتطام الأمواج على شاطي النيل.

     – بالطبع سنجتمع مرة أخرى، قال لوامبو. وأضاف:

     – لكن لا تراجع الآن.

     عانقتهم واتجهت نحو الزورق. ساعدني أحدهم على الصعود، بينما جلس آخرون على مقدمة الزورق. وباستخدام مجداف عريض، بدأ الرجل الأول يجدف بنا بعيداً عن الشاطئ.

     من الزورق كنت بالكاد استطيع أن أرى أصدقائي الذين ابتلعهم الظلام. عبرنا النهر في غضون نصف ساعة. وقفت على تلة صغيرة، كان من الممكن أن تمنحني منظر جميل لجوبا خلال النهار. ولكن ليس الليلة، في هذا الظلام الدامس. هل سأرى عائلتي مرة أخرى، تساءلت؟

     شرخ طلقة نارية صمت الليل الصارخ. التفت للخلف واتبعت دليلي في الظلام. بدأ المطر يهطل مرة أخرى. كنت متيقناً من شيءٍ واحد فقط: “سأعود يوماً ما.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* قاص من جنوب السودان.

عن يدجوك اقويت

mm
كاتب، مترجم و مهتم بالأدب و الفنون