الرئيسية / احدث التدوينات / الهوية الواحدة أو الجامعة: خدعة سياسية وأداة لقتل بذرة التعايش السلمي

الهوية الواحدة أو الجامعة: خدعة سياسية وأداة لقتل بذرة التعايش السلمي

تلبو

      المتتبع للرأي العام السوداني هذه الأيام سيلاحظ الهياج الحاد السائد بين أوساط المدونين على مواقع التواصل الاجتماعي بخصوص جزء غامض من كلمة الرئيس الفلسطيني محمود عباس ابو مازن في مؤتمر طارئ للدول الاسلامية بتركيا هذا الأسبوع، وبعيداً عن محتوى المقطع المعني من كلمة الرئيس الفلسطيني وهياج مدونو الرأي السودانيون حول عروبة دولة السودان من عدمها، وما يتبع ذلك من جدل عقيم تجاوزته الحضارة الانسانية سنتساءل هنا عن حقيقة ما يسميه بعض الساسة بـ”الهوية الجامعة” داخل الدولة رغم معرفتهم التامة بأن مصطلح الدولة هو في الاساس يعني: آخر ما توصل إليه الإنسان في إطار الهوية الجامعة. فالهوية على معانيها الكثيرة يمكن إجمالها في: التعبير عن المصلحة المشتركة التي يجب على الجميع الإجماع في حمايتها والمحافظة عليها واعلاء امجادها وبطولاتها. ولكن دعونا نختبر ادعاء الساسة بهذا السؤال: هل حقيقة هناك اجماع على هوية واحدة غير “الدولة” بين المكونات الاثنية والثقافية والدينية المتباينة التي تكون انموذج الدولة في عالم اليوم؟.

      كحقيقة معاشة، العالم الآن يتكون من دول متباينة التكوين الاثني والديني والثقافي، رغم التداخلات العميقة بين هذه المكونات إلا أنها لا تشترك كلياً في شيء سوى “الدولة” فأي جزء من هذا العالم مهما صغر بإمكانه أن يصلح كعينة للتركيبة المتباينة للإنسان الحالي، ولكن رغم ذلك يدهشنا السياسيون وأشباههم من مرتزقي السياسة وأصحاب الوجاهات في بلادنا باحتيالهم العلني وقوة عينهم واستغبائهم لنا عندما يتحدثون عن الهوية الجامعة للشعب. ومع ذلك الاسفاف نطلق تساؤل أخر ملح الآن: لماذا يحرص السياسيون على حشرنا في خُن الهوية الواحدة؟ الإجابة على هذا السؤال تصبح واضحة لو تتبعنا كلمات السياسيين انفسهم التي يختمون بها ادعائهم الزائف ذلك، فهم بارعون في الوقاحة واللعب على الذقون، فمأربهم هو تسهيل قيادة الناس عبر دمجهم في قطيع الهوية الجامعة والتسلط عليهم عبر تمكين أنفسهم عبر دعاوى الحفاظ على تماسك الأمة أو الزود عن الدين. الاجابة ببساطة هي: ليصرفوننا عن المطالبة بحقوقنا المهضومة من قبلهم في الهوية الجامعة الحقيقية، حق المساواة في الحقوق والواجبات، حق سيادة القانون وحياد الدولة تجاه مكوناتها الاثنية والدينية، حق العمل وفق كفاءتنا لا ولاءتنا، حق الحياة، حق الحرية، حق التعليم والصحة، حق التمثيل السياسي، حق الاقتراع وحرية الرأي. إذاً الهوية الجامعة هي حبل متين لحزم “كليقة” الشعب قبل رميها في نار الاستعباد والقهر. وبالاستناد الى ما سبق يتضح جلياً أن الساسة السودانيون بغض النظر عن مواقعهم ( معارضة أم حكومة) يولون مسألة حشر الناس في اقفاص الهويات الثقافية والعرقية والدينية الواحدة اهتمام خاص وصارم رغم معرفتهم بأن الدولة هي اسمى تجلي للهوية الجامعة في هذا العصر ونجد ذلك جلياً في تحوير رؤية دكتور جون قرنق للهوية وقولبتها فيما سمي بـ”السودانوية” بين أوساط مثقفي الحركة الشعبية واصدقائهم، ليدعوا أنها هوية بديلة للأسلاموعروبية الواحدة التي بُني السودان الحديث على أساسها. ولكن المدهش هو أنه وبحسب الشواهد التاريخية والوثائق المكتوبة والمروية والتي جاءت على لسان ناحت المصطلح – القائد المغدور به – نفسه ليس هناك وجود لهوية تسمى “السودانوية” إلا في اذهان وألسنة الساسة المِحوارة التي استطاعت خلقها من العدم، فدكتور جون في اطار بنائه لمشروعه الذي سماه “السودان الجديد” أو دولة القانون والمواطنة، عمد الى تكسير تابوهات الهوية الجامعة عبر اشارته الى “السودانيزم” وكان واضحاً في تفسير قصده عندما تحدث عن المواطنة كأساس للحقوق والواجبات في الدولة وكذلك عند حديثه عن المكونات الثقافية السودانية ( العرب والفور والهدندوة والدينكا….الخ) باعتبارها مكونات أصيلة للأمم السودانية التي من المفترض أن تبني الدولة السودانية العلمانية المفترضة، والتي تقوم على اساس القانون والمواطنة، لترعى الديانات وجميع الثقافات الموجودة داخل السودان، ويتبناها افراد من الشعب السوداني، الدولة العادلة التي ترعى التباين والتنوع من أجل النهضة لا لتتبنى ثقافة أو عرق من هذا التباين أو تنحاز إلى دين أو جهة دون الأخرى. وهنا يتضح جلياً أن مصطلح “السودانيزم” و”السودانوية” شيئان مختلفان، حيث يمكن للسودانوية أن تصير مكون من مكونات دولة “السودانيزم” ولكن ليست هوية رسمية بديلة للهوية الرسمية المتبناه من الآن قبل دولة الإخوان المسلمين التي يتزعمها عمر البشير الآن، فما كان جون يقتل “مرفعين” خوفاً على قطيع غنمه ثم يجلب “باحش” في محله. بل السودانيزم هي الإجماع على اللاهوية، وهنا لا أقصد خلع جلابيب الهويات من الناس قسراً وتركهم “أم فكو”. وإنما نزع جلباب الهوية الجامعة – الهوية الرسمية المنحازة سواء كانت اثنية أو ثقافية أو دينية – من الدولة وتركها دون أي هوية، فالدولة لا تحتاج إلى هوية رسمية حتى تنال مقعداً في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولا حتى في التمثيل الدبلوماسي بين نظيراتها من دول العالم، لأن الدولة هي في ذاتها هوية ثقافية، وهي آخر تجليات الحضارة البشرية في التعاضد من أجل البقاء. أما وضعية بعض التحالفات الاقليمية مثل “الجامعة العربية والدول الاسلامية… الخ” فهذه تجمعات سياسية قائمة على أساس المصالح المشتركة، وليست الهوية الجامعة كما يتصور بعض الناس، وبقاء الدولة السودانية من عدمه في هذه التحالفات يقيم على أساس ماهية المشاركة والكسب السياسي والدبلوماسي، وليس العاطفة أو الوجدان، ووجودها لا يؤثر سلباً أو ايجاباً على عدالتها بين مواطنيها، طالما هي دولة ذات سيادة وديمقراطية.

     يبقى السؤال هنا: من هو الذي يحتاج للهويات القديمة المتبقية من غير السياسيين البائسين؟ الهوية اصلاً هي عقيدة إنسانية مقدسة، ابتدعها الإنسان لضمان التعاضد والتوحد، وقد تغيرت وتدرجت هذه العقيدة بتغير وتدرج الحضارة الإنسانية، من الأسرة إلى العشيرة، ومن الدين إلى الملك، ومن الثقافة إلى الدولة، ثم إلى العالم، ولازالت تتطور وتتغير بحسب وعي وتطلع الإنسان على سطح هذه الأرض، ولكن عدم جدوى الهوية الجامعة على المستوى الرسمي لا يجعلها عاطبةً كل العطب، فهناك بعض العوالق والتداخلات العويصة داخل النفس البشرية لا زال أخذها في الاعتبار مهماً بل ضرورياً بالنظر إلى بند قدسية الحقوق الذي تؤمن به الحضارة البشرية السائدة، فطالما أن كل شخص يحتفظ بهوية خاصة له كجزء من تكوينه الشخصي، ويعتبر ذلك شيئاً مقدساً يعتز به، يجب أخذ أمر الهوية الفردية على محمل الجد. قد تكون هذه الهوية ثقافية أو عرقية أو دينية، وقد يجتمع مجموعة من الناس حول هوية خاصة واحدة، وفي بعض الأحيان هذه المجموعات تتحد مع مجموعات أخرى في هوية ثانوية أخرى، ثم ثالثة في تجمع أكبر، وقد تتباين وجهات النظر حول الهوية بين شخصين من أب وأم واحدة، لذلك يجب اعتبار الهوية الشخصية حق شخصي غير قابل للإلغاء لمجرد أن المستوى الرسمي قد تجاوزه وكذلك غير قابل المتاجرة السياسية، أو التكوييش على الدول، ولتبيان ذلك أكثر يمكننا التطرق إلى فكرة التعدد الهُوياتي عبر الانموذج الأمريكي كدولة تجاوزت هذه العقدة بمئات السنين الضوئية. فالأمريكي من أصول جمايكية يرى أنه جمايكي أمريكي، مثله مثل الأمريكي من أصول غانية الذي يؤكد دائماً أنه افريكان أمريكان، على الرغم من أن افريقيا في حد ذاتها ليست تجمعاً عرقياً أو ثقافياً واحداً وإنما قارة متباية التكوين تشمل في تعددها الاثني حتى المجموعات الأنجلوسكسونية التي يتبرأ منها هذا الافريكان أمريكان وتتبرأ منه داخل اطار الدولة الامريكية. ولكن على الرغم من ذلك التباين الاثني والثقافي والهُوياتي داخل الدولة الامريكية الا أن الدولة لا تتبنى أياً من هذه الهويات كهوية جامعة لتحشر نفسها فيها، فالهوية الجامعة هي الدولة، لأنها تجلس على كرسي الحكم بين الهويات الفردية والجماعية التي تحويها في ثوب المواطنة والقانون الذي ترتديه.

     بالرجوع إلى موضوع أزمة الهوية المفتعلة من قبل الساسة السودانيون، حول عروبة أو أفريقانية الدولة السودانية، سنقول، الدولة السودانية القائمة منذ خروج المستمعر هي دولة غير سوية بل هي دولة عنصرية بالتمام، لأنها تحشر فيل “الدولة” في فأر “الهوية الجامعة” فبعد أن إنحازت لهوية واحدة من الهويات المكونة لها عملت على حشر الآخرين قسراً في الجلباب الضائق بأصحابه أصلاً، بل عملت على محاربة الاختلاف علناً بعد انقلاب الجبهة الإسلامية في يونيو من عام 1989 عبر فرض الثقافة العربية والدين الإسلامي على مؤسسات الدولة الرسمية، ودائماً ينجح القائمون على أمرها في التخلص من خصمائهم السياسيين عبر فزاعة التربص بالهوية الجامعة.

    كخاتمة أقول فيما يخص الزوبعة الأخيرة التي أثارها حديث أبو مازن المُحوّر- لأن في المقطع لبس عميق بين الإشارة إلى القمم/ المبادرات أم الدول التي قامت فيها – إن التربص الزائد بهوية “دولة” السودان الجامعة المُدعاة هو سلوك طبيعي ناتج عن استراتيجية القهر التي تنتهجها هذه الدولة اتجاه مكوناتها الأخرى عبر حشرهم في جلباب الهوية العرقية والدينية الجامعة، فالعرب والمسلمون جزء أصيل من مكونات السودان الأثنية والدينية، مثلهم مثل الزنوج والنوبا والنيليون والاستوائيون والاتراك والمسيحيون، والوثنيون واليهود ووالخ من مكونات السودان العرقية والدينية، ولكن ذلك لا يعطيهم الحق في اختطاف الدولة، لأن الدولة ملك للجميع والدين حق ربنا مثلما قال جون قرنق في تسجيل مصور يخاطب فيه بعض مأسوري الحرب من جيوش حكومة الجبهة الإسلامية في حربه ذات القدسية المُتراجع عنها.

حل معضلة الهوية السودانية يكمن في هيكلة الدولة السودانية على أساس المواطنة كأساس للحقوق والواجبات، مع الحياد التام للدولة تجاه مكوناتها التي تنعم بالمساواة أمام القانون والدولة كأفراد بهوياتهم واتجاهاتهم واعراقهم المختلفة.

عن دهب تلبو

mm
قاص وشاعر من السودان