الرئيسية / احدث التدوينات / الياسمينة السوداء

الياسمينة السوداء

CBQKnmFUQAA7Rju

(1)

(ياسمينة): كان هذا إسمها….وكانت هذه حقاً صفتها….قبل أن يختطفها الوحش!!

في غرفة الإنتظار البهيجة والتي تعج بأصص الأزهار الملونة وشجيرات الزينة الخضراء…جلست هي على مبعدةٍ من الجميع….

كانت تضعُ على عينيها نظارةً سوداء مذهبة الحواف…..عريضة كأنها ستارٌ سميك على نافذة….وكانت النظارة تغطي تماماً نصف وجهها لكنما السيدة الثلاثينية ضئيلة الحجم كما حبة القرنفل كانت رغم سترها وضيئة الملامح…يمكنك أن تستبين ذلك رغم حجابها المصنوع من نظارة الشمس السوداء ووشاحها الأسود الداكن….كانت هادئة الجمال….ساكنةٌ تماماً كبركةٍ وسط دغل….وكانت في سوادها الذي اتشحت به وإمتداد سمرتها تبدو حقاً كملكةٍ كوشية خرجت لتوها من كتاب تاريخٍ عتيق…..

كانت ساكنةً مع لمسةٍ من الخوف يتبينها الرائي في تقاطيع جسدها المنكمش على بعضه….أجل السيدة ذات النظارة مُذهبة الحواف لابد وأنها كانت خائفة إذ تضع على وجهها نظارةً سوداء عند الساعةِ العاشرة صباحاً في مكانٍ يعج بالظل في وسطِ مبنىً يضج بالأزهار والشجيرات!!…السيدةُ ذات النظارة مذهبة الحواف كانت خائفة من أن يراها أحد….وكانت خائفةً أكثر من أن ترى أحد…..أي (أحدٍ) كان….كانت (تريد) و(تحب) لو تبقى وحيدة…وحيدةً بإمتداد الأبد…فلا يُهلك صفاءها صوتٌ إنسي قَط…..!!

…….

الساعة العاشرة إلا ربع…..

لقد أتت مبكرةً عن موعدها، كانت خائفةً من أن تعطلها الأشياء… إشارات المرور…السائقون الغاضبون….تذمرُ سيارتها وإنقطاع أنفاسها في الأوقات غير المناسبة…. لكن قبل كل شئ….كانت بذاتها خائفةٌ من أن تخذلها (نفسها)….أن يعاودها الوسواس في القرار الذي ماطلته أشهراً عديدة فيجعلها تعدل عن المجئ…..!!

أرادت أن تسبق الوقت وتسبق السائقين وتسبق إشارات المرور التي ما إن تراها فيحمر وجهها….أرادت أن تسبق كل شئ وأرادت فعلاً أن تسبق الحياة…..قبل أن تسبقها (الحياة) فتتركها كومةً من حطام…..

حين دلفت للمبنى كانت بواسطةِ كعبِها المستدق تعزف سيمفونيةً هادئة على الرخام البارد رغم قلبها المشتعل….سيمفونيةً هادئة وحزينة…..في حينها ارتفع نظر إثنين أو ثلاثة من الجالسين لكي ينظروا لها أما البقية فقد كانوا مشغولين أكثر بأنفسهم……

ثم جلست….جلست تماماً كوردة….تحديداً كتوليبةٍ ملكيةٍ غامقة اللون….سكنت كغيمةٍ راحلة….وكانت مُلقيةً ببصرها على البهو المممتد أمامها تتأمله كما المجرة…..إذ بات ممتداً أمامها إلى ما لا نهاية…..

 

(2)

في إنتظارها ذاك أغمضت عينيها……وفي الخلفية كانت الطبول تدق….المرأة التي في الجلباب الأبيض والقبعة الحمراء كانت تذكر مقاطع لا نهائية من أغانٍ قديمة وتدق على طبلٍ صغير تحمله بكفها اليسرى….كان الجميع في الحلبة الصغيرة يتمايلون….البخور يعبقُ في المكان….أرواح الجميع كانت في تذبذب….ومن آنٍ لآخر كانت النساء يصرخن…..بعضهن يمور…..وواحدةٌ أو اثنتين يتنفسن الترانيم حتى يصبن بالخدر…فيسقطن…..

أما هي فكانت هنالك بنصف عقل ونصف قلب ونصف جسد…..

دقات الطبل تجعلها تشعر بالحنين للأرض وللماء وللهواءِ الطلق….

دقات الطبلِ اتحدت مع دقات قلبها……

أرادت أن أن تصرخ بأنها مصابةٌ بالرهق….مصابة بالخدر مما يحدث حولها في العالم….أرادت أن تصرخ :”أرجوكم….ساعدوني…فأنا أريد أن أكون بـــ(خير)”…. 

لكن في تلك الحلبة كان الجميع مشغولين…..

المرأة في الجلباب الأبيض ترفع بصرها للسماء تصرخ….. وتردد:”ياااااا بشير لومي….ياااااا تنقوري”* فتتمايل النسوةُ أكثر…

أما هي فكانت تردد:”يا بشير….يا تنقوري دعوا ياسمينة ترجع!!”

هل كان ذلك صائباً…..لطالما ربتها والدتها على طلب الحوائج من القدير ولا أحد آخر قط….ولكن من هو بشير؟ ومن هو تنقوري؟ وأي شئ بينهما والقدير؟ هي لاتعرف ولا تريدُ أن تعرف

تريد فقط أن تكون بـــــــــ(خير)

والدها….والد الياسمين لو كان حياً لكان فقط ابتسم لها وأخبرها:”استفتي قلبك يا ياسمينة”

تسكت….تُصغي لقلبها…..لكنه لا يقول شئ….قلبها صامتٌ ومغمض العينين…..تشك هل توقف؟!…..ثم تهز رأسها بشدة يمنةً ويسرى من سذاجة الفكرة

ثم تفكر في (إبراهيم)……

(إبراهيمُ) زوجها يؤمن فقط بآياتِ الكتاب المقدس وسحر القرآن…..

لكن كل المشايخ الذين زارتهم وكل آيات الرقية التي استمعت لها كانت تصيبها فقط بالخدر….الخدر اللطيف المهدئ سريع الزوال…. والذي من بعده سرعان ما يعاود الوحش الظهور….ويعود الألمُ لموضعه……

كلهم لم يساعدوها كما لم تساعدها المرأة في الجلباب الأبيض والقبعةِ حمراء اللون….

(3)

تمر في رأسها صورة طفليها وهما يسألان بقلق حين لا تحضر إفطارهما ولا تصب لهما الحليب….يسألون والدهما ودمعتان تلمعان على خديهما: “ماما مالها؟؟”

يخبرهم بإغماضةٍ بعد تنهيدة: “ماما تعبانة”…..

تسمعهم من غرفتها…..تحاول أن ترسم إبتسامةً لهما لكنها لا تستطيع فتجر الغطاء فوق رأسها وتحاول أن تجعل النوم يأتي….لكن الملعونون مثلها لا ينامون….مكتوبٌ عليهم أن يصارعوا وحوشهم في الصحو طوال الوقت….وفي ساعاتِ النوم القليلة التي تزور أجفانهم تكمل الأحلام السوداء وصلة العذاب……

إن أحداً لم يعرف لماذا الــــ(ماما) تعبانة…..وإن أحداً لم يستطع أن يعطي الـــ(ماما) شئياً ليساعدها على النوم أو يطرد عنها الأصوات التي لا تتوقف عن الحديث إليها فيجعلها تكون (ماما الحلوة) والزوجة (قطعة السكر)…..

ثم تتقاذفها الأفكار عن:  إبــــــــراهيم…..

إبراهيم زوجها قطعةٌ من الجنة…..

إبراهيم رجلٌ طيب….تفكر: “لقد آلمته أكثر مما يجب…..إبراهيم أجمل من أن يتزوج كومة خردةٍ مثلي…..”

رجل يعرف دينه ويؤمن بالله….يستحق الأفضل من كل شئ….ولكنها كانت الأسوأ….

حين أخذتها جارتها لأول حلقة زار…كانت أكثر يأساً من أن ترفض….كانت تريد فقط أن تصبح بـــ(خير)….دون أن ترهق نفسها بماهية هذا الخير….من أن يأتي أو من يُحضره….

لو عرف إبراهيم كان سيغضب لا محالة…..وهذا سرٌ آلت ألا تخبره به قط…..!!

ولكن يا ترى ماذا سيقول إبراهيم عن مجيئها اليوم إلى هنا؟…..ماذا سيقول أهلها وجيرانها…وطفليها؟!!
هل أصبحت حقاً ياسمين (المجنونة)؟!!

وهل تعود ياسمينة أبداً؟!!

وهل ستتفتح بتلاتها قط بعد أن أصبحت ذابلةً ومنتهية الرحيق؟!!

ثم فجأة الفتاة في مكتب الإستقبال الأنيق إستدعت إسمها:

“ياسمينة عــ….” فقطعت حبل أفكارها وحرقت عليها مراكب التراجع…..

دخلت منكسة الرأس….. ثم جلست على الكرسي لا تلوي على شئ…..

سألها الصوت من الجهةِ المقابلة للمكتب أبيضِ اللون…

_”مرحباً”

سكتت مسافةً ولم تجب….وحين نطقت فقط أخبرته:

“أنا عيااااانة يا دكتور”

أخرجتها بقوة بكل الزفير والقلق الذي كان يغلي كبركان داخلها…..

(……)

ثم تحدثت…..ولأول مرة كانت تتحدث دون أن يصاب مرافقها بالدهشة….هدأت أعصاب جسدها….حتى أصابتها السكينة….إذ هناك شخصٌ يسمع ما تريد أن تقوله…..تمتمت في نفسها:

“يكفيني فقط هذا….حتى لا أصاب بالموت!!”

(4)

جلست قرابة الساعة…وهي تحكي وتحكي وتحكي…..حكت عن كل شئ وعن كل (اللاشئ)…..اللاشئ  الذي يخيفها ويحيل حياتها جحيماً لا يُطتاق

ثم وبعد كامل الساعة توقف الحكي وخرجت….خرجت كما لو أنها ريشةً أو فقاعة……خرجت وهي تعرف أن أسرارها التي أرهقتها لعمرٍ طويل مخبأةٌ لأول مرة عند روحٍ أخرى فخفف ذلك من حمل الرصاص الذي يسحقها…..خرجت وهي تعرف أنها منذ اليوم لن تقاتل الوحش وحدها فالرجل خلف المكتب الأبيض سيكون حليفها منذ اليوم……وابتسمت

أرادت أن (تُشفـــــــى)

وربما كانت هذه أول خطوةٍ  في طريقٍ طويل إسمه الشفاء….

………..

في المساء….فتحت علبة الأدوية التي وصفها الطبيب….ولأول مرة تنام بـــ(عمق)….دون أن يزور أحلامها الوحش

لا أحد يعرف عما قد يحدث في الغد….,لكنها عرفت أن هناك أناسٌ كثيرون مثلها يقاتلون وحوشهم بصمت…..وأن هناك أشخاصٌ أرسلهم الله ليساعدوا هؤلاء المتعبين على نضالهم وقتالهم ضد الوحش……

هذا الألم الذي كانت تشعر به حقيقي….ربما لم يجدوا طريقةً لتفسيره بعد…..لكنه موجود…..حتى وإن لم ينزف دماً أو يكسر عظماً …..إلا أنه كان قادراً على أن يقتلها….وأن يُسكتها للأبد بــ(صمت)….

سيدةُ الياسمين في موعدها القادم بعد شهر تخلت عن نظارة الشمس السوداء….ولأول مرةٍ بمبنى العيادة رأت أن بالمكان أصصاً عديدة للأزهار….وبأن للأشياء لوناً سوى الرمادي….وبأن للأزهار من حولها  ألواناً مبهجة…..

وفي داخلها كانت تحس بأن اللون يغازلها فينبت من قلبها نحو أطرافها كما أشعة الشمس…..

(النهـــــــــــاية)

____________________________________

هـــــــامش:

 

*(بشير لومي): أغنية زار –  طقس روحي وثني إفريقي قديم 

** الإكتئاب مرض نفسي مصابٌ به اليوم 300 مليون مريض كل عام…800,000 منهم يموتون سنوياً بسبب الإنتحار

***حسب تقرير منظمة الصحة العالمية يقدر معدل الإصابة بالأمراض النفسية والعصبية هو معدل واحد من كل أربعةِ أفراد في أي فترة من فترات الحياة.

 

 

عن إسلام أحمد منير

mm
كاتبة من السودان