انتخاب

متوكل

      شمس الصيف الثقيلة توزع الحرارة بكرم فياض، تجبر رواد المستشفى التعليمي على التجمع في تجمعات صغيرة متفرقة، تحت ظلال جدران اسمنتية متداعية تتفصد جباه الناس بالعرق، ضيق الصدور ندركه بسهولة من شتائهم تتطاير من أطراف الأنوف دونما أسباب معقولة، عطونة الجو، هواء المكان الفاسد المعبق برائحة المخلفات الطبية زاد توتر شاب قلق له عينين مذعورتين، صرخات زوجة الشاب على فراش الولادة ترفع من حدة تقلصات تطعن امعاءه الملتهبة بطبيخ الأمس غير المحفوظ جيداً، والذي تناوله وجبة فطور قبل ساعات من الآن، حاول الزوج الشاب تبديد التوتر بالانشغال في خوض حديث جانبي مع مرافق آخر، كان بالفضاء صوت مقيت لطيور برية مهتاجة تتخذ من تصدعات الجدران القديمة ملجأ لها، ضجيجها أفشل كل محاولة، فجاء الحديث بلا جدوى، صوت الطيور حزين يشبه تماماً غناء جنائزي قديم يثير يأس غامض في القلوب، صرخات طفل مصدرها غرفة الولادة مزقت سحابات هموم توتر الشاب وطردتها بعيداً، لكنها سرعان ما تتجمع من جديد أكثر إصراراً وإلحاحاً من ذي قبل بتأخر خروج الطبيب الذي ينتظر الجميع منه البشارة، ما دفع الشاب لاقتحام الحجرة، وقف متيبساً قبالة السرير الذي استلقت عليه زوجته بينما بحلق في الطفل ـ طفله ـ كان ثمة شيئاً غريباً بالمولود لكنه غامض، صَعُب على الأب تحديده أول الأمر، وحين دقق قليلاً أدرك أن الطفل مختلف عن آخر حديث ولادة رآه، كان للوليد رأس ناضجة بشكل جيد، وعلى جنباته يرقص بياض الشيب، أشجار الحيرة في أذهان الأهل سقتها محاولات الرضيع الوقوف على أقدامه وتمكنه من النهوض واقفاً بعد ساعات زاد من تعقيد الوضع، غرقت الأم في بحر غيبوبة عميقة، بينما الأب كان يطفو ببطء في دموع دهشته المتساقطة من عينيه الفزعتين إلى أن جذبته أصوات طرقت طبلتي سمعه، همهمات خفيضة دبغة مدهونة بالعرق بدأت في الانتشار متسربة من الغرف المجاورة، تتمدد رويداً رويداً تحقن زوايا المشفى المتكدس بالمرضى والأوساخ المتخمرة، بعدها فاحت تجتاح وسائل الإعلام والمدينة، في جميع الحجرات كانت صرخات آلام المخاض المرتفعة تنقطع مرة واحدة مباشرة، تتحول إلى أنين ثقيل يصحبه نشيج متقطع ما أن تنظر الأم إلى وليدها، كان الأطفال يولدون وهم في تمام الستون من العمر؟

      تزمرات الرجال ـ الآباء ـ كانت دوامات صغيرة سرعان ما انتفخت، نبتت لها أجنحة وطارت بحرية في الفضاء المشبع برائحة المجارير، كان الزوج الشاب لا يزال يطفو في بركة من الهلع مذ جلس خائرة قواه حين ألقى أول نظرة ناحية مولوده، كان سؤال واحد فقط يلتهم عقله “لماذا يحدث هذا معه؟”

     بعد لحظات قليلة، ومع تعاقب الولادات، زادت الهمهمات، وما لبثت أن تحولت إلى تزمر، انفلت شتائم من أفواه الرجال واهاليهم، للشتائم واللوم وجهات محددة بدقة – آذان النساء -، ممرضة غريبة الأطوار وجدت متعتها في غرابة الحدث وهوله، لذا طافت بين الحجرات تنقل الخبر بشقف نبي يحمل البشارة، توزعه بصدق وكرم دون أن يطرف لها جفن تردد : “أمر عجيب، أنه شيء عجيب، جميع مواليد اليوم ولدوا بشعر أبيض، وكلهم وقفوا على أقدامهم بعد نصف ساعة من الولادة، إنها علامة الساعة، أقترب يوم الحساب، أقتربت الساعة.”

     الزوج الشاب خائر القوى يشعر بشيء من رضى غامض، راحة لا طعم لها ولا نكهة محددة تتخلل قلبه وهو يسمع أخبار الممرضة، ثم ابتسم بصورة آلية بينما حدث نفسه مواسياً: “طالما هو كذلك لا بأس، موت الجماعة عرس!”، نفس الجملة وآسى بها الجميع أنفسهم، وكانت كافية بشكل مريب، رددتها أسر الزوجات، أهل الأزواج ، وقد ساعدت العبارة الأزواج الأخرين أؤلئك القلقين قبل أن تضع زوجاتهم، فقد تحسنت أمزجتهم مباشرة حين أدركوا أن اللعنة شاملة، وكل الأطفال يولدون كباراً ومسنين.

     كان لكل شيء في البداية إثارة في النفوس بشكل ما تختلف من شخص لآخر، أول الأيام أتفق الناس على أن ثمة غرابة تحدث، واختلفوا في التفسير، كاختلافهم المعهود حول كل شيء، فقد قال البعض بأن ولادة الولدان شيباً ما هو إلا علامة غضب من الله بسبب كثرة المعاصي، هذا تفسير تبناه رجال الدين ثم انضم لهم رهط من الناس مع الوقت، الساسة لهم رأي مختلف هؤلاء فسروا الحدث بأنه نتيجة طبيعة لتردي الأوضاع بكل جوانبها وانهيار البلاد، ثم أكدوا بما لا يدع مجال للشك أن مناهج التحليل المختلفة – خاصة المنهج العلمي – قد تنبأت بحدوث كل ذلك، فئات شنت هجوما شرساً على الحكومة طالبوها بالاستقالة والتنحي، أما وزراء الحكومة فقد كالوا اتهامات كثيرة مختلفة لجهات معادية لم ولن يسموها، وفى خطاب طويل في وسائل الإعلام لمح رئيس الحكومة إلى أن المواطنين هم أكثر من يعرف العدو وأدوات ارهابه الحديث، ومن ثم طالب الجماهير بالالتفاف حول مصالحهم الوطنية، والوقوف وقفة رجل واحد لمجابهة العدوان الخارجي، وقبله ذلك البغيض بالداخل وهو الأهم، صحف عديدة نقلت أراء كثيرة مختلفة، وقامت قنوات البلاد التلفزيونية اللا معدودة بالعديد من استطلاعات رأي، جاءت سطحية وغير مرحة البته، لكن أكثر التعليقات تفرد لغرابته كان حديث بترته القناة لامرأة مسنة، امرأة لها عيني نسر جائع، وأذني قط بري وديع قالت: “أصابتنا هذه اللعنة لأننا لم نطور الظار بشكل ملائم، نعم أصبحنا نستخدم فيه آلات موسيقية حديثة، لكننا بالمقابل عبثنا بجوهر المسألة، إضافة لتفشي الكراهية، وتحول التلفزيون إلى ماكينة تتحكم فينا بدل أن تخدمنا والفتيات،” قاطعتها مقدمة البرنامج بضحكة صفراء، وهمت وضيوفها بالتندر على السيدة تحول الموضوع إلى مساحة للسخرية.

     تستمر الأحداث الغرائبية في الوقوع، ما اسماه طبيب شاب ب “الانتخاب الجديد” يتواصل في تغير شكل المجتمعات البشرية هنا، بالمقابل يتواصل تندر الناس ورواية حكايات ونكات كثيرة مرتبطة بالولادة، يستمر في جلب أطفال بقدرات وأفعال خارقة، فها هو أحد المواليد الجدد يركض بمرح بعد عمر الثلاثة أيام، آخرون يقفزون عالياً بهمة ونشاط، تماماً كصغار أغنام ترقص سعادة منتشية برائحة المطر الخفيف الذي يهطل في تلال قريبة، هكذا تمر الساعات والأيام الأولى للمواليد بسرعة بينما تنمو أجسادهم بسرعة أكبر بكثير، تتطور اعضائهم بصورة ملحوظة، وتصبح قادرة على القيام بأدوارها على أكمل وجه، في اليوم العاشر يصبح الأطفال فارعي الطول، تنمو لهم عضلات مفتولة، وتصبح بنياتهم الجسدية شبيهة ببنية تيس جبلي جيد التغذية، ثم مباشرة تنمو غابات كثيفة على عاناتهم وآباطهم في عامهم الأول، وفي نهاية نفس العام يكونون مستعدين وجاهزين حرفياً للتزاوج فيما بينهم بنات كن أو بنين، هكذا تطورت المسألة.

     وجد الناس في الانتخاب علكة جديدة – أكثر إثارة من قصة القيادي المثلي – لاكتها أسنان شرهة لجلسات طويلة في مقاهي بعيدة، بنوا حولها نكات وطرائف مرحة وأخرى سخيفة ـ مقرفة لسخافتها ـ وراجت الحادثة في كل الأوساط باختلافها، الطلاب، العاطلون عن العمل، رجال الشرطة يتبادلونها بينما يجنون الرشاوى، المحتالين يرون اساطير عن الولادات الغامضة يقدمونها كعرابين ثقة ووفاء، المثقفون بدورهم يتبادلون سرد القصص بينهم بعد إعادة بناءها بمفردات مغايرة عميقة وملتوية، المراهقون نسجوا عبرها أحلام يقظة لزجة، الجميع دون استثناء بدد الوقت يحكي قصص عن الانتخاب.

     عالم منسي مختص بالجينات له بحث قديم يفسر ما جرى، يلخص الظاهرة الغامضة في جمل مبهمة حيث يقول: “الوقت، البشر، الحيوات، عناصر تقوم الطبيعة بإعادة ترتيب التفاصيل فيها، وللطبيعة طرائق مبهمة وملتوية للقيام بذلك، ولها وسائل موغلة في الغموض تسيير بها الأشياء، ووضعها متراصة، بما يجعلها تحت السيطرة الكلية ـ ذلك بالضرورة يعني سيطرة الطبيعة علينا، نحن أيضاً عملياتنا الحيوية كلها بشكل ما! ـ ولما كانت غايتها من السيطرة هي تطوير الجينات عبر انتخاب الأصلح وفق ما يقدر ومواصلة النجاة في الظروف المتاحة، فقد فرضت ببساطة قدرتها ووضعت جينات الأجنة الجدد في الطريق الذي وجدته يتناسب ومناخ الحياة هنا “حياتنا”، ذلك من شأنه أن يضمن لهم مستقبل أكثر استقراراً ــ استقرار هذه كلمة محايدة تماماً.”

     الطبيب الشاب أورد قول عالم الجينات في ورقة أعدها وفسره بجمل مباشرة ناجزة كما يلي: “حسناً، نحن سجناء منذ الأزل للإعادة والسير فوق خطوات اسلافنا، لذا اتخذت الطبيعة خطوة حاسمة وقررت أنه لا فائدة ترتجى من منح إنسان اليوم فرصة عيش مراحل الحياة التي أعتادها الأقدمون، البشر المدمنون على اجترار الماضي دون أي محاولة لخلق طرائق تخصهم، ربما لخلل في الأدمغة جعلها منقوصة الخيال عاجزة عن تصور حياة أخرى مختلفة، الطفولة، الصبى، المراهقة، الشباب وغيرها كلها مراحل الغاية منها التجربة التي قيمتها خلق الجديد المغاير، هذا ما فشلنا فيه باستمرار، ولما كانت هذه المراحل خصماً من سنوات العمر فقد قالت الطبيعة كلمتها لتمنح الإنسان فرصة الاستمتاع بكل يوم في عمره، فها نحن نولد وبعد أيام نقفز متخطين بسهولة مراحل نمو الإنسان العادي، نبلغ سن التزاوج والإنجاب في لحظة لعد الولادة، بمكننا العمل في سن الثالثة، أنه التطور في مرحلة جديدة أنها حكمة الطبيعة أمنا الواعية حين تتواءم وأبانا الانتخاب.”

     في محكمة عاجلة حكم على الطبيب الشاب بالإعدام بتهمة الردة، أما عالم الجينات المنسي فأدين بالسجن المؤبد بتهمة محاولة التحريض ضد القدر، ومعاداة العادات وقيم الاسلاف. كانت أحكام سريعة تهدف إلى إخراس الألسن، ووضع حد للتحليل الجاد أو المختلف لحوادث الولادات الغريبة، ولما كان للناس هنا قدرة يحسدون عليها على التأقلم مع الأشياء مهما بدت غرابتها فسرعان ما اعتاد الناس كل شيء، ودار طاحون الأيام لا يجد غير الأحلام شيء أخر يطحنه، تبدد مع الوقت كل معتاد وتخلق واقع آخر جديد.

     كانت عمليات إزاحة عميقة تحدث، يموت أفراد من فئة بشرية قديمة ويولد مواليد جدد مختلفين تماماً، يشكلون فئة جديدة ستسود، يبلغون الحلم في نهاية عامهم الأول، الذكور يخرجون إلى العالم بعضلات مترهلة، والإناث يولدن بأثداء متراخية تتدلى تلامس بطونهن دون أي مجهود.

عن متوكل الدومة

mm
قاص من السودان