انسلاخ

متوكل

      ليلة هادئة كما لم يكن من قبل، سماء صافية تتشح بنجوم متلألئة انتشرت في عبث جميل تزين الأفق، يميل القمر كما لو كان يبث سراً خاصاً في أذن الأرض، أو ربما كان يريد طباعة قبلة على وجهها، قضى الناس ليلتهم تلك في سرور طفر من العيون بوضوح، القلوب مبتهجة، انعكس عليها ضوء قمر صيفي نقي، لكن لأن لا شيء يكتمل مثالياً كان ثمة قلق خفي يتسرب في الأوصال، نذير يحذر من مجهول، كارثة على وشك الحدوث، أو مأساة تتأهب لتحل في أي لحظة؟

     نسمات بواكير الصباح طرية مبللة بالندى تسللت معها خيوط شفافة مذهبة لشمس تستيقظ على عجل، تمزج اشعتها مع ضوء قمر لا يزال حاضر بنور فضي لامع ينسكب على بيوت الطين المتفرقة الصغيرة، يصحو الناس يغالبهم شعور بنشاط استثنائي يتخلل الأجساد، نتيجة متوقعة لنوم هادئ طويل في الليلة السابقة.

     في الواقع كانت تغيرات عديدة تقع بشكل حاسم، تغيرات نافذة عميقة لم يلحظها أي من المستيقظون عند ساعات الصباح الأولى، كانوا منشغلين بالتدبير ليوم يتطابق مع أيام حياتهم كلها، يشبهها في كونه طويل ومؤلم كنار مجنونة تستعر مذ بدء الخليقة، بفضل وقود لا يفنى – الفقراء أنفسهم – كذلك هم غايتها وماهيتها.

     شمس الصيف تزداد جنوناً على حرارتها مع تدحرج الوقت، تنفث سياط مسعورة بغصب تجلد ظهور السابلة، في الساحة الضيقة المطلة على وجع الناس اليومي، رواحهم ومجيئهم المعتادين يبدأ شخص بإبداء ملاحظة صغيرة نسبياً صعُب على السابلة تسجيلها في البداية، هم أول الملاحظين يتحرك تحت السياط المجنونة في بلاهة مضحكة واضحة للعيان، ثم شرع يدور حول نفسه دورات عديدة، يغير بوتيرة ثابتة سرعة دورانه كمن به مس من الجن، يرقص بتوتر عريس ضاع منه إيقاع مقطوعة رقصته الثنائية وزوجته، تنتفخ عيناه بالحيرة بفزع يستجدي المارة تعليق عن ملاحظته سلباً كان أو إيجاباً لا يهم، لم يلتفت إليه الأول! يكلم ثاني، ثالث، عاشر دون أن يحوذ على أدنى اهتمام، ظنه المارة مجنون يحرضه تشويش دماغه على تضيع وقتهم الثمين، والحق معهم في ظنهم، إذ كيف لعاقل أن يرقص تحت هذا الهجير؟ يدور دورات بلهاء حول نفسه مرة عكس عقارب الساعة وأخرى معها؟

    شيئاً فشيئاً ينضم إليه شاب في منتصف عقده الثالث، يتحدث إلى الرجل الغارق في الرقص دون أن يجد عنده رد، فقد كان بدوه منهمك في طقوس مبهمة، يبدأ جسد الثلاثيني الهزيل في الارتعاش، يزم حاجبية مضيقا ثم يبسطهما، بعدها يزرع عيناه باتساعهما مباشرة تحت قدميه، يواصل رقصته الخاصة بعصبية أكبر، يتقدم خطوتين إلى الأمام ويرجع للوراء ثلاث، جلس القرفصاء يؤرجح نصفه الأعلى بحركة مضطربة، يفتش دون جدوى عن شيء، دون أن يكون في رأسه صورة محددة ومضبوطة عن كنه ما يبحث عنه، ما يلحظ بصورة موجعة عدم وجوده، ما يفتقد!

    امرأة ذات نشاط وجسد ممشوق لا يخبر عن عمرها بدقة، تبدو في الرابعة والعشرين لكنها على مشارف مخرج عقدها الخامس، جلدها لامع مشدود جيداً يشبه كثيراً ملمس طبل أُنزل للتو من فوق نار هادئة، انضمت إلى الجوقة تضرب صدرها في هلع بينما تميل مرفوعة الرأس ناحية الشمس، ركزت جل قدرتها محاولةً اقتناصه لكن دون فائدة! أختفى، ما عاد موجود هنا بعد الآن!

    الآن صاروا عشرة، اصطفوا متجاورين بوضعيات متباينة، تجمع بينهم علامات مشتركة عيون ذاهلة، أفواه فاغرة، اجساد تنتفص لا إرادياً كأنما تمر عبرها تيارات من شحنات كهربائية مكثفة!

      تحول الطريق إلى ما يشبه خشبة مسرح عملاق، تحلق حولها السابلة متناثرين يؤدون أدوار مبهمة، يقومون بحركات كرقص منسي لكنها أقرب إلى تسبيحات شعائرية  لقبائل بائدة، اجساد محتقنة بتعب عريق ترتجف متشنجة، كل دقيقة تمر يقتحم فيها شخص جديد خشبة المسرح، يؤدى دوره الخاص بإتقان، فيض من حركات موغلة في انتفاضات غريبة!

      بحلول منتصف النهار كان الهواء مسمم كلياً بخوف ليس بقدرة أي كان تفسيره، دوامات من هلع ناعمة تتوسع بشكل ملحوظ تغطي السماء رويداً رويدا، تبتلع الناس تحجب عنهم الرؤية، عيونهم تلتقط فقط أن ظلالهم لم تعد تتبعهم، ما عادت تسقط من اجسادهم على الأرض، شُحنت عقول السابلة بالهواجس بينما هم يغرقون بحركة آلية في موجات من صراخ!

      هنا ثمة اعتقاد سائد عند الناس – الذين عايشوا الكارثة – يعتقدون أن نقطة انطلاق المعضلة كانت حين اتخذت الظلال “ظلالنا” شكلاً آخر مختلف عن الاجساد، تمردت على ما أعتبره العلماء منذ وقت طويل مسلمة، تنص على حتمية أن يُشبه الظل الجسم الذي يُسقِطه مع اختلافات طفيفة في حجم وطول الظل حسب متغير هو موقع الجسم بالنسبة إلى مصدر الضوء!

       ذلك اعتقاد تنقصه الدقة، إذ أن الكارثة وفي وقت لاحق سميت ب”الانسلاخ” كانت بدايتها بالضبط حين أتلف الناس موهبتهم الأزلية، نعمتهم الأولى على الإطلاق “العقل”،  ليس بفقدانها بل باستغلالها بأسوأ ما استطاعوا بصورة غبية مريعة، دمروا ما وجده ماثلاً، سعياً منهم ومحاولة بلوغ درجة مثالية “الكمال”.

      إلا المجانين القدماء ومن فقدوا العقل قبل بوادر النكبة هؤلاء هم الذين حافظوا على منحتهم بشكل مشرف، عداهم قام الجميع بمحاولة الوصول إلى الكمال، استمر الناس في عمليات إتلاف واسعة لكل ما بمتناول اياديهم، ولما بلغ الوضع مرحلة غير محتملة انسحبت عن العالم غاباته بنباتاتها، حيواناته باختلاف أنواعها – بل قتلوها ولم تبدي أي مقاومة، تلوثت الطبيعة بسلوكيات مشينة مدمرة أقتتل الناس وقتلوا بعضهم  بدم بارد، ثم لم يتوقف الأمر عند هذه النقطة بل انشغلوا بتراشق وتعالي أخرق  وافنوا ذواتهم عبثاً.

     سادت التعاملات هنا أكاذيب وعبارات منمقة ملتوية أصبحت حالة عامة، كان لا يخلو حديث عن موضوعات ذات علاقة بالحب والمحبة، أحاديث طويلة غير منقطعة دون فهم أي أحد شيء عن كنه الحب، ينتجون قصص عنه في قوالب شيقة لعوب دون أن يمتلكون معرفة حقيقة كيف يحبون، شغل عقل كل فرد بالدرجة الأولى كيف يكون محبوباً من قبل الآخرين، ولا يعنيه أن يحب الآخرين في سبيل تحقيق ذلك حشد الناس الثروة، القوة، ما أدى في نهاية الأمر إلى الاصطدام في معارك سخيفة معبأة بالجهل والرغبة لحيازة مساحات أكبر في قلوب الناس، النساء لم يكن يشغلن عقولهن بمعارك وجدنها تستخدم اسلحة وأدوات خشنة، ركزن جهودهن محاولة بلوغ القمة – هكذا سمينها – أصبحن يمنحن أجسادهن عناية فائقة يدلكنها بشكل راتب بمستحضرات تجميل كثيرة، ينشغلن بالتسوق وشراء ما لا يحتجن تبديد للوقت ريثما تعطي المستحضرات نتائج مرجوة يتمنينها عاجلاً، يجهزن ملبوسات تتناسب وأجساد جديدة مثالية سُمنت مناطق محددة فيها وخُسست مناطق أخرى بعناية ودقة بالغتين؟

      ثمة فئة كانت ضد خوض معارك عبثية تزهق الأرواح دون فائدة، هؤلاء خاضوا معارك من نوع آخر مختلف، إذ أدمنوا التهام كتباً كثيرة تدور حول “كيف تجعل نفسك إله حب في ثلاثة إيام”، “كيف تكون ثري وجيبك فارغ” وغيرها!

     لم يعد كائن أو أي شيء آخر يثق في البشر يقترب منهم ويرافقهم غير الظلال، وهي بدورها ملت وأصابها السأم ولما كان للظل وعي بذاته أكبر من وعي الناس بذواتهم فقد حاولت مراراً تنبيه الناس، دق ناقوس يحذر من هاوية تبتسم في سخرية عند آخر الطريق التي يلهس الجميع لقطعها بأسرع ما يمكن!

     في البدء اتخذ ظل الإنسان هيئة طيور جارحة بوجوه أطفال بمناقير مسننة، لم ينتبه أحد، بمرور الوقت صارت الظلال تتمثل صور حية مرعبة لحيوانات اسطورية دموية، أيضاً لم يلحظ أحد! لا يعرف الناس شيئاً وبالتالي لا يحبون أحدا، انعكس الأمر على أفعالهم فأصبحوا كسالى لا يفعلون شيئاً، فضاعت قيمتهم – قيمتنا – وفقدوا ملكة الملاحظة، ضاعت منهم قدرة رؤية ما لا يحتاج لمجهود لرؤيته!

      تزداد الحياة قسوة تفقد بريقها مع الوقت، تتغير وتنحدر باستمرار يجفف معه المشاعر في القلوب حتي أن الموت ذلك المُهيب المفجع فقد تأثيره علي الناس، ما عاد يثير القلق في رأس أحد طالما أنه يمس أناس آخرين لا تجمعه بهم علاقات مباشرة ولو ماتوا بالعشرات أو المئات أو قُل الآلاف؟ 

      أصبح الناس حاصدات شرهة تمضغ الأرواح ولا تشبع، تحولوا إلى سجون انفرادية مؤبدة لأنفسهم وللظل لكنه لا يطيقها وغير محتملة بالنسبة إليه، زنازين ولدت داخلها الظلال دون مشيئتها، لكن لوعيها بذواتها ذاك الوعي الذي يفوق وعينا بذواتنا فقد أيقنت تماماً أن لا شيء يستحق الاحتمال، هذا الكائن الشره الغارق في التفاهة، مُغِرق الكون في نتانته وأنانيته السمجة، سيطفح بالعفونة أكثر جيل عقب آخر، بهذه القناعة اتخذت الظلال قرراً نهائي بمشيئة كاملة لا يشوبها نقص أو تردد، ونفذتها، انسلخت منا فرت هاربة لتنجو من هذا البؤس؟

      قرون عدة قضاها الناس ملتحمين ببعضهم داخلياً في جماعات صغيرة عرقية أو عشائرية، ثم توسعوا لاحقاً في جماعات أكبر نسبياً بتلك الدينية أو التي نتجت عن تحالفات لأسباب مختلفة بين عشائر أو قبائل كانت متقاتلة في السابق، كل تلك التلاحمات كانت لها غاية واحدة فقط في العمق، أرادوا أن يهزموا انفصالهم عن الطبيعة، الانفصال الذي يثير القلق، اليأس، والعجز عن الاستحواذ على العالم!

      في الطريق إلى استعادة التوحد مع الطبيعة دمروها، انفصلوا عنها أكثر، فشلوا فشل مطلق في تحقيق الهدف، انسحاب ما سواهم من الحياة لم يثر في عقولهم الأسئلة الصحيحة، فصاغوا اجابات خاطئة تماماً، تبقت فقط الظلال بذلت ما بوسعها وحين فشلت انسلخت الأمر الذي ذكر الناس بعزلتهم الكاملة، ولما لم تكن لهم قدرة قهرها أصيبت عقولهم بالعطب، أصابهم الجنون، وباتوا في عزلة أعمق!

عن متوكل الدومة

mm
قاص من السودان