بريد القراء: شهقة

203

أنس الحافظ :

**

شهقات حياتية كلما كانت كان الحضور .. ممتلئ بها لا مكان محدد و لا زمان كالهواء المتدفق علي كوكب الأرض ، نتنفسه ، نشعر بجفافه ، حرارته ، رطوبته ، هدوءه ، وانفعاله المثير كائنا ينتشر بكثافة حد الذهول .

يسري بسرعة الضوء في الظلمة الحالكة ، لا يشبه المخلوقات الرمادية الرديئة القذرة ، ليس له بيئة معينة ، كل المدارات تلائمه إلا التي تتشقق ضجرا وتنضح بالأسن ، كائنا فريد التخلق ، مركب من كل قبح الأرض و تجلياتها ، يدور في كل الاتجاهات الناصعة ..

صفاء كعيون “كالنج” (*) الهادئة بريقا وجمالا ، يطلق شارات مدهشة بلغته الحسكية (*) ، مدهشة وغير مفهومة إلا لبعض المحظوظين من البشر ، يتشكل كما الأشياء تبدو هيئتها الأولى ، رشيقا ، فضوليا ، ساحرا ، ساخرا ، وقليل الملل ، غير مكترث لشيء تجاه رغبته وشغفه اللامتناهي كالصوت يخترق الجدار ، في لحظة سمر قبل المغيب ، تطل على شاطيء الرؤى البعيدة من الذكرى إلى الأحلام رغم الأرق والمسافة الى عمق البحر ، سالكاً طريقه المموج كالذبذبات ، واثقا كل الثقة ، من حسه في تمييز روائح الأشياء ، تاركا شيئا ثقيلا منه للموج والتيار يحركه يقلبه كما يشاء على امتداد البحر ، ويمضي سابحا بروحه وأجزائه المتبقية متبخترا تجاه الكهف ، لممارسة هذيانه و عادته “اللغز” ، هكذا يمضي وحيدا كالقمر فشلت كل الجهود و المحاولات العديدة في تحديد هويته و عجينته الأصل ، ” فهو من كل الأشياء ولا شيء ، غريبا عنها وقريبا إليها ” يلبس الإنسان كالجبة دون مقدمات ، يجعله مطيعا منصاعا يتحرك بقدميه ، يتحدث بلسانه يكون على هيئة بشر “مسكون” ، من أنت يا سحر الوجود المبتسم الحضور ، في زمن الظل المصطنع ، الثلاثي الأبعاد والانتشار ، هل يا ترى !؟ خرج من عمق الأرض والحفر ! ، ام نزل مع أولاد المطر الناحب ليلا ، أو ربما سقط دائخا من المجرات أثناء رحلتها ولطوافها المنتظم !! ، او ربما شكلته الرياح بدأبها المتلاقح مع الأرواح والأجساد والمادة الشعاع ، في تفاعلها الرتيب ، منذ الخليقة ، النشأة الأولى للأشياء بدايات البدايات ، فتمخض مخلوقا بحجم الطاقة الكونية والأماني الخالدات إلى ملاذ الروح و الفرح النبيل ، يجعل من النواة أوتادا مضيئة ، يرى ما لا تراه العين الجرداء ، بل أكثر من ذلك ، تبصرا و اقتدارا ، يحس بالأشياء قبل أن تحدث ، يقرأ ما وراء الخطوط و الاحتمال يغوص في الأرواح يندلق بين الشعيرات يعبر العقد اللمفاوية والمتاريس العويصة لينفذ بالمسام ثم يتغلغل في الفراغ يحدث ضجه هادئة تهز الجبال والأحلام المعشعشة ناصية القلب ، و يتضخم كالشتاء ، يلامس نافذة الرياح المطمئنة عند غياب الشمس و الرؤى السراب فأغمي عليه مسكونا ، ممتلئ ، يشهق بالحياة ، وبحلمه الأزلي الذي انتظره جائعا ، متربصا اصطياده فأتاه للتو فلم تتحمل عجينته الخلقية المتناقضة فإنهار ليفوت ملحمة العمر ، اللحظة الحاسمة ، الحلم ، المجد ، الفرح ، الحياة ، الحقيقة ، الشعور ، الوصول ، التحدي ، النجاح ، الخسارة ، الألم ، الخذلان ، الوهم ، السراب ، الشهيق ، فتساقطت أوراق الشجر ، ليس البشر وحدهم يشهقون ، كانت نهاية البداية لكائن يحاول الصعود على درج الأحلام فأنكمش مرتعشا يردد حلمه الطفولي الذي عثر عليه يحبو ، وسط الزحام أثناء مروره الأول على الأرض يرمقه بطرفه البني ، ويهرب مختبئا وراء حجارة ثم يظهر و يلوح من قريب ويختبئ ثم يعود ثم يعود وهكذا ، كأم تداعب طفلها بلسانها يبتسم ضاحكا فرحا ، ثم تخبئ وجهها عنه براحتيها فيتلفت يمينا شمالا ليرى وجه لسانها فتزيح راحتيها ليضحك من جديد هكذا يطارده كالشبح الجميل ، فيعود إلي حوار الذات والأنا وتأنيب الضمير قائلا : أنا لا أملك عصاة السحر ولا أرغب في امتلاكها لتوجيه الريح ، ولكني امتلك صوتا لا يهز ، إن لروحي ما تقوله من الجمل المقدسة ورسم تعدد الأبعاد في الكون الفسيح ، إن لبصري طاقته الكاملة للامتداد على الأشياء وتكملة التفاصيل والفصول ، أنا لا ألبس البشر كما يظن البعض بل هم من يرتدونني طواعة ولي ما أغذي به ارواحهم المتعبة التواقة الى المسيح ، يا من اصطفيتك لي ، ابقى هنا ، حيث أراك مدى يداك ، هذى يدي إن الشهيق مميت إن لم تكن زفراتك ، إن الحياة عبث إن لم تفيق ، فأنهض من نومك الغرير وأشهق ملئ عينك ليزدهر الشجر ، كانت ملامحه أنيقا ، بهيا ، مبتسم لا أحد يعرف هل مات؟! ، ام هذى صدمة أصابته نتيجة جهله لم يكن يعرف شيئا عن الإنسان ، ولم يسمع بإبليس وثورته العظيمة على البشر أمام الله والملائكة ولم ينصت لوصف الرب في التوراة والإنجيل والقرآن والكتب السماوية والكتابات الحكيمة من الملائكة السود ، لم يمارس حواء وأدم أول قبله في الأرض ليسألها عن الأحلام والرؤى والشهيق لم ينتظر إجابات كانت حضور تسارع الخطي نحوه والحبور فمضي ولم يبقي إلا جزئه المبتور ينبض حلمه في النور…

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً