الرئيسية / احدث التدوينات / بريد القراء : “قادم من الغيب”

بريد القراء : “قادم من الغيب”

1

نوف عائض :

عين كبيرة تحدّق فيّ بحدقتها الصغيرة، و أكف ضخمة تحاول الخروج منها فتُمسك بالأهداب ببعض أصابعها المربعة… رميتُ دفتري على الطاولة و لكزتُ صديقتي التي أعادته لي قبل لحظات.. نظرتْ نحوي غاضبة و سألت : “ماذا تريدين ؟ دفتركِ أعدتُه إليكِ، هل من شيء آخر؟!”

صحتُ فيها : ” أعدتهِ مشوها برسوماتك البشعة.. ألم أقل لكِ أن هذه العيون الشريرة التي ترسمينها في كل مكان ترعبني .. لماذا ترسمينها في دفتري؟! أنتِ صديقة سوء!!”

ضحكت ساخرة و قالت: ” بل أنتِ بليدة، لا تتذوقين الفن الراقي…” فتحتُ فمي لأصفعها بكلمة لكنّي آثرتُ الابتعاد ريثما أهدأ..

قلَّبتُ دفتري، سبع صفحات تقفز منها تلك الحدقات المدورة لتنظر في عيني، و الأكف الهاربة تقلب معي الصفحات، و الأصابع تنقر على الورق برتابة و ملل .. كنتُ أعرف أن صديقتي ترسم هذه الأشياء بلا وعي.. رأيتُها مرات عدّة تمسك قلمها و تنثر هذه العيون في دفاترها و كتبها، رسمتْها أيضًا على سبورة الصف، و كتبتْ بخطها المعوَج:” القادم من الغيب..!” و عندما سألتُها عن معنى العبارة قالت لي بأنها لا تعني شيئًا، كتبتْها فقط لأن عقلها طلب ذلك…

قلتُ لها مرات عِدّة أن هذه العيون قبيحة جدًا، و طلبتُ منها ألا تتسلل هذه العيون الشريرة إلى دفاتري.. و ها هي الآن تعيد دفتري موبوءًا بهذا القبح ..هي لا تفهم ما أراه.. لأنها ترى قلمها رشيقًا في نقل الصور من ذهنها إلى الورق.. و لأنها لم ترسم شيئًا آخر فتعلّقت بهذه العيون و حشرتها في كل زاوية..

قلتُ لها مرّة “إذا كنتِ تريدين أن تقولي أنّكِ “عين” في الجموع فقد فهمنا..” ضحكت ذلك النهار حتى دمعتْ عينيها و لم تنطق بحرف…

سألتُها مرّة و هي ترسم عينًا من تلك العيون البغيضة في دفتر زميلة ما إنْ كانت قرأتْ قصصًا لكاتب رعب في حياتها.. أجابتْ: ” في الحياة ما يكفي من الرعب، فلِمَ أقرأ قصصًا خيالية ؟!” تجاهلتُ الرد و قلتُ: ” لا أظنكِ قرأتِ كل تلك القصص و الروايات في دولابك دون أن تضيفي لها قصة رعب واحدة ؟ تذكري ..ربما قصة ما.. هنا أو هناك..” نفخت تذمرها في وجهي و قالت: ” لا.. ألا تفهمين لا ؟! “

سبع صفحات على ظهرها كل هذه العيون المتلصصة.. و لا سبيل لتمزيق الدفتر فخلف كل هذه العيون معلومات مهمة نسختْها صديقتي في دفترها ثم كافأتني بهذه الأصابع المتربصة و العيون القلقلة النافرة…

حاولتُ أن أقرأ المعلومات بصوت عالٍ حتى تغلق هذه العيون أهدابها فلم تفعل.. قلبتُ الصفحات كلها و خربشتُ عليها بقلم الرصاص لأصيبها بالعمى لكنها ازدادت تفرسًا في وجهي.. كنتُ أراها تنهرني و أهدابها تتقلص و الأصابع تتطاول نحوي.. أغلقتُ الدفتر و أنا أقسم ألف مرة أن أقطع صداقتي مع صديقة السوء تلك…تلك “البليدة” التي لم تقرأ قصص الرعب لكنّها ترسم الرعب و هي تضحك، ألم تقرأ قصة “القلب الواشي”؟ ألم ترى تلك العين الزرقاء و هي تحدّق؟! .. فتحتُ دفتري مرّة أخرى، نظرتُ في كل العيون، همستُ لها همس الأفاعي و قلت: “نامي أيتها العيون الجبانة..” و ما إن وصلتُ آخر صفحة حتى أغلقتُ الدفتر بعنف و ألقيتُه في أقصى الغرفة، وعندما وقع في الزاوية مدّ لي لسانه شامتًا فرأيتُ عينًا كبيرة تنظر نحوي ببرود.. و الأصابع تتمسك بالأهداب لتخرج المارد ربما..! أو هي تنطق بلا صوت” لن ننام أبدًا! “..

تجاهلتُ الدفتر و تركتُ الغرفة لبعض الوقت كانت العيون خلالها تلاحقني، و الأصابع تحفر في ذاكرتي، تترك خطوطًا مجوفة تنسل منها الطمأنينة..

أردتُ أن أهرب، فأسرعتُ إلى غرفتي،  لم أنظر إلى الزاوية/ الوكر الذي تتناسل منه العيون.. نفضتُ الوسادة و اختبأتُ عنها في اللحاف.. أغمضتُ عيوني برهة، فتحتُها مذعورة.. أصبع صغيرة مشوهة ضغطتْ مفتاح النور فهبط ليل سرمدي.. ليل نسيه الفجر.. للأبد .

 

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة