الرئيسية / احدث التدوينات / بريد القراء: قراءات: إرهاصات الانتظار في النص الشعري لعثمان بشري

بريد القراء: قراءات: إرهاصات الانتظار في النص الشعري لعثمان بشري

حسن عزو

بقلم: حسن محمد حسن

ستمضي بك

في الطريق المؤدي

إلى قدر ليس يعرفك تماماً

وستلقى الفراشات

التي فيك حتفها

“بامتياز المحبين”

      في البدء، الموسيقى هي آخر ثيمة كلاسيكية يمكن للشعر أن  يتخلى عنها، خصوصاً ونحن نشهد هذه الهرولة غير المسبوقة ناحية التجريد، والذي تمثل الموسيقى أقصى تجلياته. حيث أن علاقة الموسيقى بالشعر علاقة بالغة التعقيد، ففي الوقت الذي يكون فيه الشعر أباً لها يغدو فيه ابنا لها أيضاً. وإن كان محمود درويش آخر الشعراء الموسيقيين، فإن عثمان بشرى آخر الشعراء الحداة  – مفردها حادي، وهو الذي يطرب حتى الإبل – وهو الأعذب لحن والأطرب غناء لو يطربون، يسكب غناءه على آنية القلب فتفيض نشوة الندامى لحنا.

طالت الشمس

أم الغصن الذي استظللته

مالت به الريح

فأفضى سره الزمن المفرق

بيننا حظاً .. فحظاً

      ما كل هذا الإصرار وهذه الثقة؟ الإصرار الفاحش على الانتظار، والثقة الملحة في عودة الغائب، إلى درجة الاستعار في جحيم الانتظار، الانتظار بوصفه ألد أعداء الشاعر، بروحه التواقة إلى الكشف، وهذا الهذيان النامي لا يوضح إلا صراع الشاعر الدرامي الدامي مع وحش الانتظار. لذلك برز الهذيان في شكل تشككي  جدلي، على شاكلة الاستفهامات المطروحة في متن النص، وهذه الاستفهامات مطروحة في شكل خطي على ثلاث مستويات أو ذوات تراتبية كما فندها “فرويد” في علم النفس التحليلي. تتفاعل وتتصارع في نفس الشاعر وتستمد دلالتها الزمانية من بيئة الشاعر المحيطة (اطالت الشمس، ميلان الغصن) وهذه الاستفتاحية السابقة تصرخ بها الذات العليا التي تنشدها الذات الوسيطة  في صيرورتها نحو غايتها اليوتوبية. وهنا ترد الذات الوسيطة المهرولة لتجاوب على التساؤل:

عهدي بك الأيام

سوف تعود ذاكرة الليالي

وينقضي عنا زمان الغائبين

      يتضح هنا الإصرار الملح الممزوج بالثقة، في عودة غائب يسعى لحضور وتوحد مع منتظر في الجهة الأخرى، لتكون لحظة حضور حقيقية ينتهي فيها التشظي وينقضي فيها الحنين.

      لكن ما إن تنفك المؤانسة في شكل حميمي، حتى تصرخ من على البعد ذات تم تجاوزها ومغادرتها منذ حين، من ثم تُركت مقفرة خاوية على عروشها تستنجد في شكل تملقي

أترى نغير ما بداخلنا للحظة

فنحن سامرنا وميض الروح

سافرنا على ماء الحقيقة

وتعمدنا بروحيينا خفافاً

كالغزالات رقصنا

فوق  تيه الكون

إراقا ويقظة

      هنا تحشد الذات الأولى كل جيوش الذكريات (سامرنا، سافرنا، تعمدنا) لتؤثر في الذات المتحركة  نحو كينونتها، تناديها باسم دواخل ثابتة لا تتغير، ولتواضع بها تنسى أن “لا ثابت إلا المتغير” وهذه القاعدة لا تستثني الدواخل. وكل ذلك لا يغدو سوى “رقص فوق تيه” كما تفضح هي عن نفسها.

     لكن هيهات أن يجدي ذلك، فالمسافة بين الذات المتحركة والذات المنتظرة أضحت أقرب منها من المسافة بينها والذات المقفرة المثيرة للشفقة في توددها ومسكنتها. وكأن الذات المتحركة تصرخ في وجه المقفرة:

للحياة مدارنا طيراً

وللحرية الكبرى دم اللحظات

 أطفالاً ننادي الشمس للخبز البسيط

وللأحباء الذين إذا تعبنا

اهدونا مناديل النعاس المصطفى

في الأرض ما يدعو لأن نحيا

لنحيا أو نموت

      هنا تحسم الأمر الذات القلقة في مسارها، ويعتريها شيء من قبس الوعى وذلك لاقترابها من الذات العليا المنتظرة، و”الطير” إن كان يرمز للحرية فبديهياً أن يكون دم اللحظات ثمن لها، حتى يصير ما نرتجيه في لحظة توحد إذ حتماً يحدث تنوير ووعي (الشمس) كما ثمار هذا كله نعيم أبدي وخير حتمي (خبز). وفي المسعى هذا تدرك الذات القلقة تقلبات ذلك المسعي وما يمكن أن يلم بها من تعب وفتور، لذلك كان هنالك من الأعوان (أحباء) يهدونك السلوى والراحة (النعاس المشتهى) ليواصلوا معك في مسارك نحو كل غاية حتى وإن كانت ذاتية. من أجل ذلك لا بد من ذهاب يؤدي إلى حياة (لأن نحيا) أو (نموت). وهنا تتدخل الذات الواعية وتتلقف التساؤل حاراً على صفيحه، وتؤكد أن الأرض جميلة  بما هي عليه

طالت الشمس

أو الغصن انثنى

عن جسد البيوت؟

فنحن لا نغير ما على الأرض

ولكنا نصورها بما  يرضي العصافير

و آراء الصغار

      هذا النص (شجراً نسير إلى ذاتنا) وبما فيه من مثيولوجيا، وتداعي أسطوري (زرقاء اليمامة) بدلالة تضيف إلى النص شيء من التوابل كمفتاح يضعه “بشرى” على بوابة النص أي العنوان، حشد عنيف لحنين مصاحب لحركة المسار لذات تتقلب في تطوافها كالفراشة حول الشمعة التي بلا شك هي ذات عليا واعية.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة