الرئيسية / احدث التدوينات / بريد القراء: قراءات: المسارات الأولى للظلال: محاولة لاقتناص عوالم الأستاذ أحمد أبو حازم

بريد القراء: قراءات: المسارات الأولى للظلال: محاولة لاقتناص عوالم الأستاذ أحمد أبو حازم

عمر

بقلم: عمر النعمة أرباب

مدخل

      هذه قراءة جمالية تحاول محايثة الأبعاد الجمالية في المجموعة القصصية: (يناير بيت بالشتاء) لأحمد أبو حازم.

      سمها قراءة أولى، أو قل تتبع لمسارات ظلال الإبداع لاقتناص عوالم الدهشة، وبما أننا في شهر يناير بيت الشتاء، دعنا نوقد نار المعرفة بغية تدفئة الروح من صقيع الوهم، وإلى تلك الشرارة التي تشير إلى مصدر التدفئة، وتدفعك لتسير إليها كعاشق صوفي، همه أن يعرج عن ذاته ليس بذاته، ومن هنا تناديك مجموعة قصصية أتت تحمل عنوان يناير بيت الشتاء، لكاتبها أحمد أبو حازم، فإلى هناك حيث الأحلام والنوبة والأسئلة والظلال والنهر والاحساس بالأشياء، وإدراك المعاني.

آليات العنونة: رمزية تدفعك إلى التحليق

      أتت عناوين المجموعة كالآتي: (ظهيرة حارقة، دهليز الهذيان، إسقاطات دائرية، يناير بيت الشتاء، دفتر آهل بالبياض، خدر النهارات النائمة، رجل أزرق، غربة، الدوامة سرة النهر، المسارات  السرية للظلال، ضجيج كأنه النسيان، أطياف مبعثرة، صورة تذكارية مع غريق).

      العنوان عند أبي حازم يختار بعناية فائقة، ويرسم بصورة تزيد شغف المتأمل ليحرك مخيلته في توقع ما يخبئه العنوان في مسارات سرية لظلال المعنى أو دوامات عميقة لتيار الحكي. ونلاحظ  أن العناوين قد خلت من ظهور الأفعال، وهذا يعد مؤشراً على غياب الانفعالية، وتغليب العقلانية والتجريد والحياد الذي التزم به الكاتب في نصوصه، فالعناوين لا تود البوح، ولا تكشف لك سراديب الحكي، بل تريد منك أن تشحذ مخيلتك وتسبق توقعاتك، فالمغايرة هنا واردة، والهمة ينبغي أن تكون عالية لتقبض على مظان المعنى. فمسار الظلال اعوجاج وظن، وسرة النهر انهزام حيلة، وزرقة الرجل أسطرة عشق في كف الرحيل، وبيت الشتاء برد تسقطه السلطة على روح الحروف، والصورة التذكارية ليست بالضرورة أن تعلق على الحائط، بل هي صورة غارقة في متاهة الأماني، والضجيج الذي يزعج، يستحيل إلى ذاكرة نسيان، والأطياف المبعثرة تتجمع في كينونة عشق. ما عدا (غربة، ظهيرة حارقة) اللتان ربما تسير فيهما آلية العنونة إلى الانحياز للعادي أو اليومي (رغم مغايرة الحكي داخل النص) تأتي بقية العناوين متفردة تماماً بل تمثل نصوصاً في حد ذاتها، وهنا تتفجر عبقرية وإبداعية الكاتب في اقتناص عناوينه، فيكفي أن يذكر يناير بيت الشتاء، أو المسارات السرية للظلال، أو الدوامة سرة النهر لتعرف أنك في عالم أبي حازم الإبداعي.

مداخل النصوص: رافعة توقع ومناط إدهاش

     معظم نصوص المجموعة سبقت بمدخل؛ وهو عبارة عن بيت من الشعر، أو حكمة، أو مقولة، وأغلب المداخل امتاحت من التراث والتراث الصوفي على وجه الخصوص حيث الرمزية والعمق، وبعض المداخل كانت اقتباسات لأصدقاء مثل: “الحمائم التي أهدت هديلها  لعينيك كنت سأنسف قلبي حنطة لها لولا أن قصيدة قالت لي لا تكن متهوراً” (خالد عبدالله). وهنا تأتي أيضاً عبقرية الكاتب في هذه الاقتباسات، حيث ترفع من سقف التوقع للقارئ، وتجعله متهيئاً لما يمكن أن يسير عليه تيار الحكي، بل تعطيك قنديلاً للدهشة لترى به دهاليز النص، فمدخل مثل المدخل أعلاه، يمثل تحلية أو تمهيد لقطف ثمار النص والاستمتاع بوجبة شهية لا تنتهي حتى تجعلك من روادها ومن محبي تفاصيلها وجلستها.

ضمائر السرد: بوابات العروج إلى المعنى

     تنوعت الضمائر المستخدمة في السرد مثل: “كنا نسير،” “يجلسان خلف الباب الموصد،” “كنت سادسهم،” “وجدتني بينهم،” “تعتصرك الأشواق، ويستبد بك الوله.” فقد اشتغل الكاتب على عدة ضمائر في هذه المجموعة، واعتقد بأن مسار الحكي ورسالة النص هما ما يحددان الضمير السارد، فمثلاً: قصة أطياف مبعثرة التي احتوت قصص داخل هذا العنوان، فتحت عنوان (احتراق) أتى الضمير السردي ضمير مخاطب (تعتصرك الأشواق، يستبد بك الوله) فهنا يريدك النص أن تصبح جزءاً منه، وأن تندغم في تلافيفه، وأن تحترق بنار الشوق فيه، وتبحث معه عن الإجابات.

 لغة السرد: لغة تعرج بك لترى

      تميزت المجموعة بلغة رفيعة جداً، بها سلاسة وعذوبة، تهوم بك أحياناً حد الوله، عندما يكون مسار النص نحو الأشواق والعشق والمحبة كما في قصتي (رجل أزرق وأطياف مبعثرة)، وتذهب بك نحو الوصف المدهش والدقيق كما في قصة (ظهيرة حارقة)، ثم تمضي بك في لغة حوارية رمزية ماتعة كما في (اسقاطات دائرية). وعلاوة على جمال لغة الكاتب، فإن اللغة سليمة نحوياً واملائياً، وهذا ما يحمد لكاتبنا، فأحياناً عوار اللغة يصرف القارئ عن القراءة، أو يشغله ويجعله متتبعا لسقطات الكاتب، وهنا انتف العوار وسلم جدار اللغة من الخرق في ما رأيت.

تقنيات سردية متنوعة

      تنوعت التقنيات السردية داخل هذه المجموعة، فهنالك: تقنية المونولوج الداخلي، تقنية التقطيع السينمائي، والفلاش باك والاستباق، إلى تقنية الحوار، وغيرها. فمثلاً: في قصة يناير بيت الشتاء، تأتي قصة داخل قصة، سرد داخل كأمتع ما يكون، في بداية القصة يأتي ضمير المخاطب الذي يتحول مع مسار الحكي إلى شخص يحمل اسم (مأمون إبراهيم) والذي تحقق معه الشرطة في قصة بعنوان الذاكرة المعطوبة، لينفتح مسار السرد متتبعاً وقائع القصة ومشاهدها الفنتازية والواقعية، لتحتوي على تقنيات عديدة منها الحوار، والفلاش باك، والمونولوج الداخلي، والتقطيع السينمائي، والسرد داخل السرد، لنشهد محاكمة الخيال وزوبعة الأسئلة التي لا إجابات لها، إلا بتمثل عباءة السلطة التي لا تفهم بأن الخيال أهم من المعرفة، وبأن الأدب يستشرف الواقع، وبأن الكاتب رسول كلمة، وغارس معنى، وفارس في معركة الحياة الصواب. وفي ظني تمثل هذه القصة ومعها قصة الغربة ذروتا التيار الإبداعي عند أبي حازم، فهما جزيرة الجمال وحولهما ارخبيل الإبداع، لينتظم الجميع في عوالم حزمية خاصة تشهد لكاتبها بأنه أبدع.

خروج آمن من عالم مغوي

      نجح الكاتب في أن يجعلك تقرأه مرة بعد أخرى، أما أن يغويك بما يكتبه فيرسم في صفحة خيالك مشاهده السردية وعنونته وشخصياته، فهذ هو الإبداع بعينه، فمن قرأ لبورخيس سيغويه ما يكتبه بورخيس، ومن قرأ لأبي حازم ستلازمه العوالم الحزمية كمسارات الظلالات، ودوامات معنى دائرية، وحلقات عشق صوفية تدوزن الوجدان، وتريح توترات اللحظات على وريقات الدهشة البيضاء والتي بكل الألوان.

      أن تخرج آمنا من هذه العوالم معناه أن تتأبط أجنحة الدهشة، وترحل إلى عوالم سردية أخرى ننتظرها من الكاتب، فالرجل الأزرق أيقونة العشق، والمسارات السرية للظلال، والظهيرة الحارقة، والضجيج الذي كأنه النسيان، كل ذلك يجعلنا موقنين بأن سحب زرقاء ستهطل صيباً نافعاً يخصب تربة الانتظار، ويجدد عافية السرد السوداني، لنرانا في المرآة، ونردد أرى قدمي تناغم دمي، والحمائم دوزنت إيقاعها من ترانيم القلب فوجدت الحنطة في كفي، وصورة تذكارية مع وطن مخضر.

     أخيراً يمكنني القول بأن هذه المجموعة تمثل علامة فارقة في مسيرة السرد السوداني، بل هي تمثل سرة نهر القصة القصيرة في السودان في رأينا.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة