الرئيسية / احدث التدوينات / بريد القراء: كوابيس عاهرة

بريد القراء: كوابيس عاهرة

asap-rokok

بقلم :علاء الدين أحمد إبراهيم

غير مصدقة تمامًا أن علاقتها بعبد الحميد انتهت بتلك البساطة بعد كل تلك السنين من العشق و الغرام المتبادل عبر رسائل الماسنجر و الوتساب و مكالمات الإسكايبي ، حاولت أن تنساه للأبد ، نفضت الغبار من على علبة سيجارة البرينجي القابعة أسفل تربيزتها الخشبية المحملة بأكوام الماريجوانا و الحشيش مع بعض لفافات القطن ، أخذت ورقة البرنسيس الأخيرة من داخل علبة السيجارة ، قسمتها لنصفين متساويين ، احتفظت بأحد النصفين داخل العلبة ، لفتها بطريقة احترافية ، وضعتها بين شفتيها الغليظة المطلية باللون الأحمر الصارخ التي لطالما استخدمتها كثيرًا مع عينيها الواسعتين رفقة نهديها البارزين كسلاح فتاك محظور الاستخدام لكسب الرهان عندما يتعلق الأمر بأقوى الرجال صرامة و حنكة ، وذلك بطبع قبلة ساخنة على خده الخشن تاركة أثرًا بلون احمر في شكل شفاهها كوعد أو كمفتاح لزيارة جنتها المقدسة ، تاركة الشفاه بلونها القمحي الطبيعي في حيرة من أمرها .

أشعلت السيجارة بعود الثقاب الأخير، سحبت نفساً عميقا ملء رئتيها ، وأخرجت الدخان من فمها وانفها بتسلسل راسمة به كتلًا من السحب بقدر همومها و توترها، بددت تلك الكتل بيدها ، اااه لقد نسته تمامًا، مدت يدها الأخرى ، سحبت النصف الآخر لورقة البرنسيس من داخل العلبة ، رفعت عينيها إلى الزاوية الأخرى للغرفة حيث تركت قلمها قبل لحظات قليلة ، حاولت أن تقوم من السرير لتأخذه ، لكن في اللحظة الحاسمة تثاقلت عن القيام ، لاحت لها فكرة استخدام قلم الكحل المبري الجانبين الموضوع بعلبة مكياجها داخل حقيبتها اليدوية الصغيرة، تناولته وبدأت تكتب…

فارس أحلامها المغترب ، زوجها المستقبلي ، الأب الحنون لأبنائها و فلذات كبدها الذي اختارت لهم الأسماء قبل أن يروا النور أو حتى أن تتزوج بأبيهم ” سعد ، حاتم ، حسن ” ، حبيبها الذي ظل حبيسًا لجدران قلبها كل تلك السنين ، يهز عرش العشق قبل أن يلبسها تاج زواجها ، يتزوج برغد بنت جارتهم العشرينية الفاتنة حديثة التخرج من كلية الطب و الجراحة ؛ أحلامها تغلي ثم تتبخر رويدًا رويدًا أمام عينيها الكحيلتين بنار المغتربين الهادئة ، نسيم عليل ، إشراقة شمس صباحية معلنة بدء يوم جديد ، مكياج خفيف على أنغام أغنية “سبتني اتعلقت بيك شااااهدة الله ما يتمو ليك ما تسعد اذيتني و مااا عافية ليك” ، فكرت رهف أن تنتقم من نفسها لغبائها و تصديقها لترهات ذاك المغترب المصاب بداء العهر العاطفي حسب تشخيصها ، لعنت اليوم الذي جمعها به عندما كانت تقف للانتظار المواصلات على احد جانبي الطريق الواصل بين قشلاق الجيش و السوق الكبير، لعنت لحظة ابتسامتها العريضة له قبل أن تركب معه بالمقعد الأمامي على متن سيارته “البوكو حرام” طراز الهيونداي ، حاولت الانتقام من نفسها لنفسها ، حاولت الانتحار ثم عدلت عن الفكرة ، شعرت بالصدمة في بادئ الأمر ، لكن سرعان ما احتوتها ثم بدأت رحلة البحث عن شريك جديد لإكمال المشوار أو بالأحرى رحلة البحث عن عاهر جديد لإكمال مشوار الدعارة العاطفية ، حينها وضعت الدكتورة حديثة التخرج مولودها الأول. 

بدأت تقترب من هشام أكثر فأكثر ، ذلك الفتى المضطرب عقليا جراء صدمة عاطفية أيضا كادت أن تضع حدا لحياته البائسة ، وعدها بترميم قلبها ولو كلفه الأمر نفسه و أكثر، لم تكترث كثيرًا لجنونه ، لقد وقعت بجنون في حبه ، مرت الأيام ، عزفا سيمفونية جديدة على أوتار القلوب المكسورة ، وجد كلٌ ضالته ، بدأت بذور العشق تخرج سيقانها بتحفظ و حذر شديدين بين تشققات قلبها المتكسر ، بدأت تشعر بذاك العشق يتخلخل كل جسدها المتهالك ، أكدت لروحها بان عمليات الترميم ستأتي بمفعولها السحري عما قريب ..

وجدت ذات مرة مذكرة لهشام كتبها عندما كان بالمصحة العقلية ، فتحتها بطريقة عشوائية أول ما وقع بصرها عليه كلمات داكنة فعل تمرير القلم عليها لأكثر من مرة “مغترب الصين يذيب أحلام السنين” لأول وهلة جذبتها الكلمات فقررت أن تسترسل : ” جيت ماري بي جنب بيتهم وقفت بي حيلة مصطنعة عشان اربط جزمتي..اتمنيت تطاوقني بي قد الحوش و القا منها رسالة حنان و شوق و أعيد معاها ذكريات الزمن الجميل وقتين نصنقر في ضل الحراز فوقها القمري يقوقي و نحكي حكاوينا و نغني غناوينا ..لكني اتماديت كتير و طقطقت باب البيت لمن فتحتو.. ردت علي السلام معاها ابتسامة شوق وحنين الماضي..ولدها اليادوبو بتاتي يشبكني ليك خالو جا خالو جا..يخلخل ضروسك..ياريتني م حنيت للماضي و ياريتني م طقطقت باب بيتكم المشؤوم..احشششك زاتو ي رغد “… وضعت خطوط عريضة تحت كلمات: مغترب ، الصين ، قد الحوش ، رغد ، … لم تصدق رهف أن هشام فعلا فقد عقله إلا بعد ما قرأت تلك السطور من مذكرته ، حاولت إكمال بقية قصتها الحزينة ، أحست بأنها ليس لديها أكثر من ذلك لتكتبه ، بدأت بالصراخ ، مزقت نصف ورقة البرنسيس ، قبضت على أجزائها الممزقة بقوة ، فقدت الإحساس بالزمان و المكان و الذات ..

أفاقت على آخر قطرة من السائل الوريدي المعلق بجانب سريرها بالمستشفى التعليمي ، لا اعرف ما إذا كانت رغد تعمل بهذا المستشفى أم لا ، نظرت جانبا فإذا بعبد الحميد يقف بجانب الدكتور الذي طمأنه على حالتها الصحية قبل أن ينصرف ، انتظم نبض قلبها ، بدأ دمها رحلته على عروقها من جديد معطيا بصيص الأمل لكل من كان يود الوصول لعالمها المغوي الذي لا يضم الشتاء كفصل من فصول السنة ، انتفضت من السرير وسط ذهول و دهشة الأطباء و الممرضات بالقسم ، نثرت قصاصات أوراق البرنسيس الممزقة على أرجاء العنبر بفرحة تضاحي فرحة فريق رياضي حسم بطولة غالية بالوقت القاتل ، أحاسيسها مرتبكة ، تعابير مبهمة ارتسمت على وجهها الدائري ، ردفها ممتلئ جذاب بما فيه الكفاية لإزاحة التفاحة من محلها المرموق بكتب العلوم إذا عاشت تلك الفاتنة بزمان نيوتن ، ابتسامتها نصفية لطيفة لا اعرف بقية تفاصيلها ، أجهشت بالبكاء ، تحرك بخطوات بطيئة نحوها ، ضمها بقوة بأوسع أماكنه الضيقة ، بدأت تتمتم ، قالتها بتوجس: لا املك دفتر يوميات ، إنني لست بحاجة لكتابة يومياتي و توثيق لحظاتي الجميلة التي عشتها معك على وريقات تافهة كتلك ، لأنني ببساطة اضمن وجود كل ما يخطر ببال قلمي المعتوه محفورا بأعماقك ، أنت ماضيي ، حاضري و مستقبلي ، أرجوك لا تتركني وحيدة مجددا ، لا املك دفتر يوميات ، مرر يده ببطء على ظهرها بطريقة جعلتها تستيقظ من النوم ، اخفت ملامح ابتسامتها بسرعة ، استعاد وجهها طبيعته المكفهرة مجددا ، بحثت عن هاتفها من تحت وسادتها ، سحبته بصعوبة ، فتحت بيانات الشبكة، فإذ بتطبيق الواتساب يصدر صوت معلناً وصول رسالة جديدة… “أرسل إليك عبد الحميد صورة” ، فتحت التطبيق بشغف لتحميل الصورة ، وصلتها رسالة أخرى: “تم نفاذ حصة الانترنت اليومية ، يمكنك التصفح فقط أو…”

 

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة