الرئيسية / احدث التدوينات / بريد القراء: نهر القُبلات

بريد القراء: نهر القُبلات

معاذ

بقلم: معاذ أحمد أبو القاسم

(1)

      بعد يوم طويل من العمل المُرهِق، أجدني داخل غرفتي المعتمة إلا من بعض خيوط الضوء المتسللة عبر النافذة. أتأمل السقف، تحديداً خيوط العنكبوت التي اتخذته مسكناً، بينما جهاز الموسيقى يصدح بمعزوفة شجية.

      شعرتُ بالدفء والاسترخاء يسري في جسدي؛ كان اللحن مشبَّع بالحب والحنين؛ فهو يُذكرني بكِ، بجلساتنا المسائية قُرب شاطئ النيل ونحن نُراقب غروب الشمس تاركين أرجلنا تداعب الماء. بليالينا المليئة بالبهجة والسرور، بالشموع الحمراء والمصابيح الخافتة، حيث الضحكات هي الشيء الوحيد الذي يشق صمت الظُلمة.

     تسبح مُخيلتي بعيداً، وتزدحم بالذكريات: عاشقين يعيشان جنون الحب، جالسين داخل مقهى تصدر منه سمفونية هادئة. انحنيتِ نحوي، لوهله ظننتُ أنكِ سوف تُقبلينني، لكنكِ اكتفيتِ بالتحديق في وجهي، ثم همستي لي بصوتكِ العصفوري:

     – أتدري كم أنتَ جميل؟! كم أنتَ ساحر؟! كم أعشقك؟! أنتَ أجمل ما حصل لي.

     ألجمتني هذه الجُمل، وارتبكتُ وسط النظرات المختلسة من الجالسين حولنا. تأملتُ طويلاً في عينيكِ الزرقاوين، وهمستُ لكِ بذات النبرة:

     – أتدرين كم أنتِ فاتنة: تلك الخصلة المشاكِسة المتدلية على وجهكِ. حواجبكِ المقوسة، شُعيراتها المتناسقة المتزاحمة بأناقة. عيونكِ الدعجاء؛ ذاك السواد القاتل، لقد توهني كثيراً، يُحيني مرةً ليقتلني عشرات المرات، إنه عزائي، إنه عُرسي. رموشكِ المصطفة بانتظام حولها، تقتلع قلبي عند كل سجدة. شفتيك: آه، وردتين حمراوين، جاهزتان للقطف، أتخيل شفتاي تتحول إلى فراشات، تُحلق نحوكِ، لتحط ببطء على عليها وترتوي من عبيرها الفواح.

     حين تعضين على وردتكِ السُفلى أُصاب بداء (الدهشورجفوبيا): تتسمر أطرافي، رجفة تسري في كامل جسدي، تتوقف دورتي الدموية، نارٌ توقدُ في قلبي، يحرق لهيبها أحشائي، لألفظ أنفاسي الأخيرة قُربكِ.

     قبلكِ لم أُولد، لم أدري كيف يكمن لهذه الحياة القانِطة أن تكون حديقة غنّاء، بعدكِ لا أريد أن أكون، أريدكِ بقربي دائماً أبداً لِأشعُر بأنفاسي.

     عندها احمرت وجناتكِ. ابتسامة خجِلة ارتسمتْ على شفتيكِ، ثم بغنج أُنثوي همستي:

     – أنت فارس أحلامي الذي قرأت عنه وحلمتُ به كثيراً. يا إلهي!. ها أنت حقيقة أمامي.

 (2)

     صوت حركات بعض الطيور على النافذة أخرجني من هذا التداعي. تطلعتُ إلى مكتبتي المتوحِدة؛ فقد هجرتها منذ أسابيع بسبب جدول أعمالي المزدحم.

     انسجمتُ مع الموسيقى من جديد وانخرطتُ في الذكريات: يدكِ الدافئة كانت تغفو بأريحية داخل أكُفي لأول مرة؛ حينها تلاشى كل شيء إلا جمالكِ، أظلمتِ الدنيا أمام أعيني إلا من ابتسامتكِ الساحرة، ثم تصدعت صورة الكون وتناثرت أجزاءه وصرتي كل عالمي.

     رمقتِني بعينيكِ وشرعتي في الغِناء: خرجتْ الكلمات من فمكِ وتحولت إلى فراشات، ثم صعدن مُحلقات نحو السماء، بعدها صرن غيمة وهطلن مطراً من العواطف؛ سُكِرَ عقلي طرباً، اختل قلبي وأصابه الهذيان.

 (3)

      أعود لغرفتي المُعدمة. رواية “ماجدولين/ تحت ظلال الزيزفون” تتكئ على أحد الأرفُف، تعلمي أنني لا أمِلُّ منها أبداً؛ لذلك تُغريني لأن أقرأها مرة أُخرى. لكني لستُ في مزاج يسمح لي بذلك.

     هدير البحر يعلو في الموسيقى، ويُحفز ذاكرتي لأن تغوص عميقاً في مخابئها: قلتُ لكِ ذات مساء: سوف أنتصر في جميع معاركي بابتسامتكِ، فهي سيفي الذي أُشهره عالياً في وجه الحياة وبؤسها.

     التمعتْ عينيكِ، وصرختي عالياً: إنني أحبَّك يا هذا، يا من تملأ قلبي وعقلي، يا روحي، يا عالمي الساحر، يا كل أشيائي البديعة، يا أنا. أُريد تقبيل شِفاهكْ، لكن لا تكفيني جميع القُبَل، لذلك أحتاج نهراً منها. سوف أغمض أعيني وأحبس أنفاسي ثم أنغمر فيه إلى الأبد.

(4)

    شبح صورتكِ يهرب مني ببطء ويتلاشى في الفراغ، مُخلفاً وراءه عِطركِ الأنثوي الذي تشبعت به الحوائط، الستائر والأسِرة.

فنجان القهوة قابعاً في الموضع الذي تركتيه فيه آخر مرة مُنتظراً ملامسة شفتيك، حبيبات السُكر متشوقة لأن تذوب داخل فمكِ، وأن تصير جزءً من هذا الجسد الجميل، المكتنز.

     أتأرجح على كُرسيِّ العَتِيق وصوت أنينه يخترق أُذني، أتناول كوبي ثم أحتسي الخمر وحيداً أملاً في أن تجمعنا الصدفة من جديد.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة