الرئيسية / احدث التدوينات / بريد القراء: وردة .. فتاة .. غياب

بريد القراء: وردة .. فتاة .. غياب

1843612_max

بقلم: الفرزدق خلف الله عليان

      الساعة تشير إلي الثانية عشر من ظهر السبت الحزين، كانت الفتاة جالسة على عتبة باب منزلها الخشبي، تتوسد راحة يديها، ويحفها حزن عميق، كان ذلك واضحا في عينيها الذابلتين. كل ما يعرف عن قصة تلك الفتاة، أنها كانت يومياً، عند كل صباح، تسمع طرقات على باب منزلها، وحينما تفتح تجده ذاك الشاب النحيل، ذا القميص الواحد، يمد لها وردة جوري بيضاء، مطأطأ رأسه، ولا ينبس بكلمة، يسلمها لها ثم يمضي، وقبل أن تغمرها رائحة الوردة تجده قد اختفى، وكأنه مرسل من السماء، يختفي في إستنشاقة عطر. ظل يداوم هكذا على زيارتها الصباحية، وفي كل يوم يأتي لها بوردة يانعة كأنها قطفت للتو، يسيل منها الندى، ورائحتها فائحه.  لم تحاول أو تستطع التكلم أو رفض وردته، بل كانت تحس أنها يجب أن تقابله يومياً، وتأخذ منه الوردة، وتشكره في سرها، حتى أنها أصبحت ترتدي فستاناً واحداً، لتقابله به يومياً عند عتبه منزلها، لونه أبيض، به تطريزات سماوية على حوافه، قد أهداه لها زوجها ذات هدنه. فأصبح منزلها يضج بروائح عطرة أخاذة، به حياة، ينبض كقلب طفل صغير، تحول لمشتل أنيق. فبعدما ابتلعت الحرب زوجها، لم يصبح لها أنيس غير الذكريات، وبقايا وصاياه اللا متناهيه (لا تحزني إن مت، فحتما سأعود بطريقة ما، وأنام بجانبك).

      كانت تعمل في مشغل يقع في ناصية الحي، وفي المساء تكتب الشعر، وتطبخ لشخصين، تأكل طبقها وتترك الثاني للطير الذي يأتي صباحاً، فهي تظن بأن روح زوجها تلقفتها الطير، لذلك حرصت أن تعامله بطريقة مختلفة، ولما دخل ذاك الشاب من باب روتينها وكسره؛ أصبح لحياتها سبب آخر للوجود، غير كتابة الشعر، وإطعام الطيور، تسقى الورود، وتستمتع بأريجها، حتى قصائدها أصبحت وردية، نفضت عنها غبار الحزن وجعلتها تكتسي بالنضار. رغم ذلك ظلت محافظة على زياراتها لأبوي زوجها البعيدين في أيام الجمع والأعياد، تغسل لهما الملابس، وتعد لهما الطعام، تنظف أرضيات المنزل، حديقتهما الصغيرة، وتقلم لهما أظافرهما، ثم تحمل دعواتهما، وتعود في المساء تكتب لزوجها، تحت ضوء القمر. فهي لا أهل لها، غير أوراقها، وطيرها، وأخيراً ورودها البيضاء، فجميعهم طحنوا في الحرب القاسية، حتى قطتها الصغيرة، ماتت جراء انهيار سقف المنزل عليهما، في ذات غارة جوية، حينما كانت تموء بجانب أخت زوجها المريضة.

      لها قصة عشق جميلة مع زوجها المحارب، التقيا في ذات جرح نازف، حينما كانت تعمل متطوعة في جمعية الهلال الأحمر. كان مُسجى على الأرض لكثرة المصابين، وكان هو الوحيد الذي لا يصدر منه صوت، بل كان مستكيناً، لا يهمه أو يوجعه جرحه النازف، يحتضن يده وكأنه ينتظر الفرج، أو ربما اليأس، هو الذي جعل شكله ثابت، كلوحة سريالية، تحكي حال الحرب اللعينة، لكنه فيما بعد اتضح بأنه تائه في حركة تلك الشابة المهمومة بحال المرضى كأولادها، فنسي ما حدث له، وتمنى لو تأتيه، فقط تأتيه، فيستعيد قوته، من عينيها الواثقتين، وسيقاتل بعنف شديد، كعنفوان نظرتها بالضبط، فأتته تحمل شفقتها وبعض الشاش الطبي، كان جرحه أكبر من أن تضمده، “جرح الوطن لا يضمد إلا بالدم”، عرفت ذلك من عينيه المتقدتين “ولكنك أنتِ الوطن” هذا ما قاله لها فيما بعد. استدعت الممرض الكبير، وكانت الكارثة، أن تقطع يده، بكت بكاءاً مريراً، وكأن يدها هي التي ستقطع، جرحه عميق، وتلفت بعض الأوردة الرئيسة، بكت لأن ذلك الخبر لم يوجعه، أو يحرك في فيزيائية وجهه شيء،  ظل متماسكاً، وراسماً على وجهه ابتسامة موجعة، “لن أحزن على يدي، فأيدي الوطن ستقودنا نحو الخلاص، ولن تضللنا”، تركت جميع المرضى، وأصبحت برفقته، إلى أن بُترت يده. وشيئاً فشيئاً، تطورت علاقتها به، فتزوجا، رغم أنف البندقية.

      لكن في ذاك الصباح المشؤم قد اغتيل أحد رسلها المبعوثين من جنة الورد، بدأت تؤمن بأن ذاك الشخص هو رسول من عند زوجها، يرسل لها التحايا بلغة أهل الجنة، لذلك كانت تغتسل كل صباح، وترتدي فستانها الأبيض، ذي التطريزات السماوية، وتقابله بخشوع كبير. مر أربعون صباح لم يأتي فيها، وبذلك قد اتضح بما لا يدع مجالا للشك، بأن زوجها مات قبل عشر جولات، وأن الطير قد إعتاد الغذاء، وتلك الورود هي أحلام المنتظرين، فخلعت ثوبها الأبيض وارتدت السواد، وقيل أنها رحلت عند والدي زوجها.

      هذا كل ما أخبرني به ذاك الشيخ، عن قصة تلك الفتاة، التي تجلس كل صباح، عند عتبة باب منزلها الخشبي، تنتظر رسول زوجها. لا أعرف متى كانت آخر مرة رأيتها جالسه هناك، ولكن هذا الصباح بدا لي غريباً، لم أشتم رائحة الورد اللاذعة، ولا أصوات العصافير الجميلة، فكان الشيخ الذي يجلس بجانب البقالة هو ملجأي، لكنه لم يخبرني كيف توفى زوجها، ولم يذكر لي أي أسم عنهما، وحينما سألته عن سر حزنه المفاجئ، نهض بتكاسل، ونظر إلي طويلاً، ثم مضي نحو المسجد القريب، وهو يردد النداء مع المؤذن لصلاة الظهر.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً