الرئيسية / احدث التدوينات / بعض الكائنات يقتلها الضوء*

بعض الكائنات يقتلها الضوء*

rothko light4cut

      كأنها همسات أو أفكار صارخة تحتل مخيلتي، وتظل تراودني، ها هي يداي الاثنتان تصطبغ بتدرجات ما بين العتمة والنور. أكنا ننقش صمتنا على فراغات أكثر صمتًا؟، أم كنا نتخبط وننهض دون أن يلامس الوجع بواطن أوجاعنا؟. ما يزال صوت المشرفة يتردد على مسامعي: “إنها وجوه منطفئة، فضاءات تأخذ مساحات بلا رؤية، تستطرد في حديثها وهي تتجاهل تلك المجسمات والأبعاد البشرية بكل ملامحها، إنها (وجوه ميتة)”. آخر جملة نطقتها، رأيت قطع الخزف مبعثرة على الأرض، والجزء الآخر متكسر تحت المنضدة التي خصصت للعرض، بين هذا الخراب كانت اللوحات الممزقة تغطي تشوه المنحوتات التي لم تجف بعد. زملاؤنا من الطلاب والطالبات كانوا يتهامسون: “مسكينة أستاذة زينب، لا بد أنها تمر بظروف معقدة”. سأعلم فيما بعد أن مشرفة قسم التلوين هي من قامت بهذا الفعل ذات نوبة من الغضب.

      أخرج من الكلية، ودماغي يعج بالأسئلة، أي موت تقصده المشرفة؟. كنت أبحث عن الموت في وجوه المارة والجالسين على الأرصفة، ربما قصدت المشرفة هذا التباطؤ الذي يبدو في حركة الناس، في الحقيقة أنني لاحظت هذا الشيء، حيث كان الناس لا يكادون يخطون خطوة إلى الأمام حتى أتيقن من تسمرهم في مكان واحد، ما سيجعلني استمرئ دفعهم إلى الأمام. في اليوم التالي تناقشت مع المشرفة حول تغيير فكرة مشروع اللوحات التي كانت تتعلق بحوارية الألوان والأضواء، ليصبح حوار الألوان ضد الملامح الميتة، التشجيع – الذي وجدته من المشرفة – جعلني أشرع في إنجاز مجموعة كبيرة من الوجوه والملامح التي تضج بالحيوية. فكلما شعرت بأن الملامح تتجه نحو الهدوء، أو العيون أقرب إلى النعاس مزقت اللوحة، وشرعت في أخرى تقنعني بعقمها، أو مدى ثورية ملامحها، ما حدث أنني اختزلت أفكاري في رسومات متواضعة، لذا كانت اللوحة تحتضن صورة كبيرة لوجه بأبعاد الإطار نفسه.

      كنت أحاول جاهداً أن أستخدم الألوان بما يحقق الإضاءة والتمازج الذي يجعل الفكرة تبدو أكثر حيوية. هذا ما سيسبق الخطوة القادمة، الخطوة الأكثر جنوناً، حينما أنجزت اللوحات خطر ببالي أن أحملها بكلتا يديّ، أرفعها عالياً وأنا أسير في الطرقات، أو أشق ازدحام الناس، لكنني تراجعت عن الفكرة، حتى لا أوصف بالجنون، زد على أن هيأتي كانت أقرب إلى ذلك، هاهم يتوافدون، رجالاً ونساء، كنت أرى الفضول على ملامحهم الميتة، تتقدمهم أسئلة، ربما سيجيب عنها هذا الذي يعرض لوحاته في الشارع، ها أنا أتوسط الدائرة، الناس ينظرون في اللوحات كأنها سلبتهم شيئاً، من المفترض أن يكون فيهم، شيء يفتقدونه وتملكه هذه الإطارات الصامتة، تدافع الناس بصورة أكبر، بدأت ألاحظ أن ملامحهم كانت تتغير، وإلا لماذا صارت أجسادهم ضخمة، سأوقن للتو بأن المتجمعين كلهم من الرجال، يتدافعون نحوي، وهم يتخطون سياج اللوحات الذي يحيطني، يخطون بخطوات أقل موتاً، يتكاثرون حولي، ويشكلون دائرة قطرها أقل من مساحة دائرة اللوحات، حجبوا عنى الضوء لأكتشف أنني في مكان أكثر احتياجاً للضوء.

      عاري الجسد، أتصبب عرقاً، الصوت المنطلق يبدو أشبه بالخيال. لكنني أسمعه يقول: “سنخترقك بهذا”، لا بد أنه كان ممسكاً بشيء ما، هذا ما سيجعلني أتحسس تلك المنطقة، ومناطق متفرقة من جسدي، فور استيقاظي. لكن كيف أستيقظ، وأنا لم أذق النوم البتة، فالاستجوابات ومحور الأسئلة تدور حولي على وتيرة متكررة، أشبه بالعبث، ذكرت كل الذي أعرفه عن مدارس واتجاهات الفن التشكيلي، تطرقت إلى سيريالية سلفادور دالي وواقعية غوستاف كورييه، اعترفت بتعقب الملامح، واقتناص التضاد، شرحت ما استوعبته من نسبية تداخل الألوان، واحتمالات الظل، و الزوايا الممكنة، والذي لم أبح به هو ما حدث في آخر لقاء مع حبيبتي، حيث هممت أن أنقش سر علاقتنا على باطن نهدها الأيسر، وأنني…

     ها أنا أتقلب، والظنون الحادة تنغرس داخل جسدي، أزحف في اتجاهات متفرقة، اتمسّك بناحيتي حينما أتحول إلى فريسة تتخذ من مصيدة الظن يقيناً للنجاة، أبصق هيأتي، فيشعرون بالقرف، أنكمش حولي، تنفرد عصيهم تلكزني، بماذا أجيب عما كنت أفعله هناك؟ قلت: “كنت أعرض لوحات تجريبية، بل تحرض على الثورة”. ضبطنا ما بحوزتك من (وجوه يقظة) ألم تكن تعلم أن المدينة كلها وجوه ميتة؟. أشعر كأنني رائحة مختلفة عن نتانة هذه الفراغات التي تغتسل في يبسي، يبسي الذي يتخذ جسدي ساحة للتمرغ، او مزالجاً للوهن، “هل تشعر بالعطش؟”، نظرت في اتجاه الصوت، “أريد ماءاً”، فسكبوا سخطهم على رأسي الحليق.

     كانت الهمهمات تشبه صوت جارنا. لا أدري لماذا أكرهه، أو لماذا لا أروق له، إلا أنه علم أنني لم أدعمه بصوتي في انتخابات المجالس المحلية؟، كنت أحاول اقناع أمي بأنني على ما يرام، وكل خطواتي أخطوها بحذر، هرعت يومها في اتجاهي واحتضنتني، “ولدي حلفتك… ما تلبس الطاقية دي تاني”. ماذا سيكون الظلام لو لم يكن أصل الوجود؟. الجوف الأعمق لبراثن الحقيقة؟، أو رمادها الذي لا يخمد أوجاع المنزويين عن انحرافات الحياة الحادة؟.

      يهبط الليل كسحابة ناشز عن هيمنة الرياح وتقلباتها، أفتح منافذ ذاتي حولي، أستقي من المخيلة صوراً للضوء، في غرفة حينما أصفها لا أستطيع إلا أن أقول بأنها موغلة في الظلمة. أصوات بالخارج تبدو مضطربة، أنصت لأفهم ما يدور، لكنه الخارج، يحتمل فيه كل السيناريوهات، أظل أمارس وجودي في غفلة من الزمن؛ كمحاولة عقيمة مني لتحقيق أقل شروط للاستمرارية.

      أن تتخلق كائنات من رطوبة هذه الجدران، تبدو الفكرة مجازية إلى حد ما، وأن تتحول أرصفة المدينة لاحتضان مثل هذه الحيوات، كأننا نتصور كيف تتسلق مراحل الجنون أرنبة الوعي. المكوث لفترات طويلة في الظلام زاد من تهيؤي لتلقي المزيد من التناقضات، لاحظت أنه كلما مضت الساعات والأيام تسقط التكرارات العبثية عن ملاحقتي، فالباب لم يفتح ليومين، يعاود الصوت يتردد، لكن هذه المرة كأنه ينبع من مكان قريب مني.

     “هيا اعترف من معك بالداخل؟، قل ما الذي يصدر هذه الهمهمات؟”. على الأرجح أن العسكر في الخارج أصابهم بعض من الجنون، لكن في كل الأحوال تبدو الفكرة مسلية أن يشعر الذين يحجمون حريتك بالرعب. أحاول التدقيق أكثر، وتحديد مكان الصوت معتمداً على حاسة السمع، فلم أعد أرى شيئاً، المياه الساخنة لم ترحم حتى عيني.

      امتعض من تعرقي المستمر، أتملص مما أشعر به من ألم، وكأنه قدري، هكذا نمضي إلى أقدارنا، والإله يعلم ذلك، يدرك تماماً أن هذا العبث لا فكاك منه، آلاف من البشر يموتون في دارفور وفي سوريا وغيرهما، أيمكن أن ننكر بأنه كان يعلم سلفاً ما سيحدث!. لكن رغم ذلك سندعوه أن يخفف عنا وعنهم، ونظل نستنكر لنؤكد أن كل ما يحدث هو بفعل أيدينا. هكذا نطبطب على صمت الإله، ونسقط عن كاهله المسؤولية.

      “إنهم يعصبون أعيينا”، هكذا خاطبت الذي يشرف على قبو حراستي حينما أحسست بقربه. يشكلون أقدارنا حسب أمزجتهم، يعصبون أقدارنا لنمضي حسب مشيئتهم، حتى الفتحة الضئيلة التي نرى من خلالها الطشاش تقودنا إلى أن ننظر إلى بعضنا باحتقار. أخاطب الصمت الذي حولي ليصير الحوار أحادياً. متطلعاً لما حولي، هنا في القرب الذي يمكنني تحسسه، وأنا أحاول تعقب ذاتي، أتجرع المرارات وسط هذه الوحشة أكثر من أي وقت مضى، أحتاج إلى انيس، إلى جسد دافئ يمتص هذا الفقد، ويغطي هذا العري، إلى حنان طاغي يضمد تلكم الفقاقيع التي أحدثتها السياط. إلى أنثى تهبني قبلات ساخنة كطعم الموت.

     هنا في القريب الذي لم أتصوره، صخب يتردد، يغمرني صداه بأحاسيس غريبة، تتشكل حولي دوائر صغيرة، أعمق من المساحة التي يمكنني أن أتخيلها، هناك حيث تتعرى العتمة في مأمن من الأضواء، أو مثلما تتحرر الفقاعة المائية من حدود نافخها، ويفشل التشبيه، حينما تسقط المقارنة، فأطرافي كلها موثوقة بحبال تتماهى مع هذه الظلمة، أنتفض راكضاً، هي الأمكنة تختزل احتمالاتها تحت أقدامي. أركض، يتسع الاحتمال، انكمش، تنفرد أطرافي، أضرب على الجدار فينفتح دفعة واحدة، ياآآ، إنها وجوه.

      تنفتح الأبواب التي تخيلتها والتي لم أتخيلها، أعبر من خلال الدهاليز، أصوات وهمهمات مألوفة تتبعني، كنت أشعر بأنسها بينما ترعب العسكر من حولي. أهذا ما كانت تفعله اللعنات الصادرة من مقابر ملوك الفراعنة، ربما لم تكن تلك المخاوف سوى ما تحدثه تلك الوجوه والرسومات المنقوشة على جدران المقبرة. هنا وجوه كالأسمال، لا تزال في موتها تتمسك بأذيال السلطة وتتخبط، هناك وجوه أخرى في الشارع تنبض بالحيوية، تصطخب الدماء في عروقها، وكأن الحياة تدب لأول مرة في هذه المدينة. وأنا الطليق، لا تنفك تلك الوجوه الميتة تطاردني كأنني أنا مخلصها، لكنني كلما تذكرت حديث المشرفة ونظرت صوب الملامح التي حولي ازددت ثقة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*القصة الفائزة بجائزة الطيب صالح للقصة القصيرة في دورتها التاسعة (2016-2017)

عن عبد الرحيم سعد

mm
كاتب من السودان