بلاعة مجاري

e0daf43974cbe45836529ddb1fddfcf6

في ذلك اليوم كان قد مر يومان وأنا حريص على الإلتزام بصلاتي في مواعيدها ، حضوراً في المسجد ، لأنهم قالوا أن ثوابها أكثر من نظيرتها في المنزل ، وخلال اليومين كنت أتلذذ وأنتشي بحالة الخشوع التي هزّت أركان روحي الراكدة ، فهذا المسجد هو عيادة الطب النفسي للفقراء أمثالنا ، والله هو طبيب الفقراء أشباهنا، ولذلك نحارب كل من يحاول ولو مجرد التفكير في إهمال أهمية دور عيادتنا النفسية .. وفي ذلك اليوم أيضاً كان المسجد خالياً من المصلين على غير عادته التي يكون فيها مزدحماً، حتى الصف الأول بالكاد اكتمل، وبعد الصلاة خرج الإمام للسؤال عن سر غياب الكثير ممن عهدهم، وصلته أنباء عن سقوط فتاة من الطابق الرابع وتم نقلها للمستشفى لمحاولة إنقاذها، بعد أن تحطمت منطقة الحوض عندها، وتشققت جمجمتها، وتكسرت أقدامها . . كنت وقتذاك ابن السادسة عشر من عمري، وتساءلت هل موتها رحمة لها الآن؟ أم بقاؤها على قيد الحياة لتظل قعيدة كرسي متحرك وهي لم تتجاوز العشرين بعد؟! ولكن على أي حال، لقد ماتت، كان أسمها ليلى، ولقد ماتت ليلى . . وكان ذلك رحمة لها ، ولكن أي رحمة؟ لست أدري، ولكن شيخ المسجد قال أن موتها رحمة لها .. سامحني يا الله فأنا ما زلت صغيراً ولن أتفهم حكمتك بحكم سني الصغير. وأيضاً أطلب غفرانك بشأن ذلك السؤال الذي رددته في سري ، لماذا لم نعالجها في عيادة الله المجانية؟ سامحني يا الله فأنا مجرد غبي لا يفهم حكمتك ، وأخاف أن تجعل قلبي قاسياً لا يدرك حكمتك ، واللهم لا تجعلني من القوم الصم البكم الذين لا يعقلون . . وفي ذلك اليوم أيضاً ، ذهبت بعد صلاة العشاء إلى بيتهم كي أواسي صديقي الأصغر مني بعام ، وهو أخو ليلى الشهيدة ، وبحكم سني الصغير لم يكترث أحد لوجودي حتى صديقي كان تائهاً ، لم يستوعب بعد رحيلها عنهم ، وحينذاك كنت أتحرك في زوايا البيت عندهم كأنني ولدت عندهم ، ولمّا اقتربت من إحدى الغرف سمعت تلك المناوشات الكلامية بين عائلتها، ولم أميز بين أصواتهم، كل ما أدركته حوارهم :

– هنعمل ايه؟ الحكومة مش عاوزة تطلع تصريح الدفن

– لازم تتدفن الليلة بأي طريقة

– أنا مش فاهم ايه لازمة المشرحة

– وديني لو ما خرجت النهاردة هعمل جريمة في المستشفى

– الشرطة مصممة تعمل كشف طب شرعي على جثتها

– ده حرام والله ، إكرام الميت دفنه

– أنا خايفة يا ولاد، خايفة من الفضيحة

– اخرسي يا ولية، اسكتي خالص

– يا أم جلال، بلاش تقولي الكلام ده قصاد حد

– هنعمل ايه لو عملوا حكاية التشريح والطب الشرعي؟

– متخافيش يا ست أم جلال، حتى لو عملوا تشريح مش هعملوا تشريح للي في بالك

– الله يطمن قلبكم، مش هيبقى موت وخراب ديار، ده لسة البنات اخواتها على وش جواز، وخايفة سوقهم يعطل ..

لماذا نحن أطفال الفقراء لا نفهم كلام كل الكبار، فلا نحن نفهم كلام الله، ولا كلام الحكومة ، ولا كلام هؤلاء الحزانى على موت ابنتهم . . أيكون كلامهم هذا هو طريقة حزنهم؟ ليس من شأني أن أعرف ، المهم الآن أن أستأذن أهلي كي أبيت الليلة مع صديقي أواسيه .. في تلك الليلة سمعت صوت صراخ يتصاعد فيما بينهم، كأنهم على أعتاب السقوط في بئر الجحيم، وسمعت للمرة الثانية مناوشات حادة بينهم ، كانت أشد حدة:

– اتفضلي يا ست هانم نتيجة الطب الشرعي ظهرت

– قلت لك ألف مرة يا أم جلال شدي على بنتك شوية

– العار، العار، العار

– لو كانت عايشة كنت قتلتها بنفسي

– هات الورقة دي، هاتها

– عاوزة الورقة ليه يا أم جلال؟

– هرميها في بلاعة المجاري علشان محدش يعرف بالفضيحة

– الحكومة ذات نفسها كتبت النتيجة عندها أن البنت مكانتش عذراء، خلاص، خلاص

– ماتخافوش .. أنا دفعت قرشين للأمين هناك وهو ابن حلال ستر عرضنا، وبعد ساعتين هندفن الجثة

– لازم أقتل الواد ابن الكلب اللي ضحك على البنت

– خلاص يا جلال، مفيش داعي تعمل بلبلة كلام وتفضحنا

بعد صلاة الفجر خرجت من المسجد ولم أدخله أبداً منذ صلاة جنازة ليلى ، حتى الآن وقد فاتت ثماني سنوات . . من الذي قتل ليلى؟ أهم الذين قتلوها؟ . . ولكنني سعيد من أجلها لأن موتها رحمة لها من أن تعيش بين هؤلاء الذئاب . . وأنا منذ أن استلمت عملي في المحكمة وأنا أشاهد يومياً موت ليلى ، كل يوم تموت ليلى ضحية تقاليد الجحيم . . نحن الفقراء نعيش الجحيم قبل الحساب ، ومن المؤكد أن ليلى في الجنة.

عن رجب منى السيد

mm
قاص من مصر