بوبريما

%d8%ae%d9%88%d8%a7%d9%862

• تأليف: خوان مياس*
• ترجمة: أحمد عبداللطيف

كلمة بوبريما، على سبيل المثال، لم تُكتب ولم تُنطق أبداً، لم تدخل في أي كتاب ولا في أي جريدة، لم تُشكِّل جزءاً من أي أغنية ولا من أي بيت شعر، ولا أي كتيب تعليمات، لم يضفها أي أحد إلى قائمة المشتريات.
بوبريما كانت مستبعدة من عالم الكلمات، عالم لم يتسامح مع وجودها. كانت كلما اقتربت من كتاب يعيقون خطواتها قبل أن تعبر الغلاف؛ وكلما اقتربت من حوار، نبذها المشاركون فيه، وإذا اقتربت من ورشة بطاقات أو ملصقات، ينتهي بها الحال في سلة القمامة، بجوار نفايات اليوم. وعاجزةً عن الانتماء لشيء أو لأحد، كانت تختبئ في النهار وتخرج في الليل لتتنفس، مقتربة، مثل الحشرات الليلية، من النوافذ المضيئة.
وإذا عثرت على أحد يكتب أو يتكلم على الجانب الآخر، كانت تسعى بتحفظ للفت انتباهه على أمل أن يطلب خدماتها.
وبعيداً عن ذلك، كان الناس يسدلون الستائر أو يغلقون النوافذ كمن يعيد النظر إلى مشهد غير مرغوب فيه.
كل هذا حكته كلمة بوبريما لخوليا ذات ليلة تسربت فيها إلى غرفتها ورفرفت كحشرة حول المصباح قبل أن تستريح بألف حيطة على حافة المنضدة. رفعت الفتاة عينيها من كتاب النحو الذي كان أمامها وسألت بوبريما ماذا تفعل هنا؟
– لا شيء -قالت بوبريما- وأنتِ؟
– أنا أدرس لغة- اعترفت الفتاة.
– إذن سيمكنك أن تقولي لي لماذا، وأنا كلمة، لا يقبلونني في أي عبارة.
سحبت خوليا معجماً من فوق المنضدة، كان بجوار كتاب آخر، وفتحته بحثاً عنها من دون أن تحقق نتيجة.
– لستِ هنا- قالت
– كيف سأكون هناك وأنا كنت هنا؟- ردت بوبريما.
– الكلمات ممكن أن توجد في أماكن كثيرة في الوقت نفسه، لكن إن لم تكوني هنا، فلن تكوني في أي مكان آخر لأنك لا وجود لكِ.
– وكيف تتحدثين معي إن لم أكن موجودة؟
– لا أعرف، فأنا أيضاً أتحدث مع شخصيات خيالية. والشخصيات الخيالية لها قدرة خاصة على التواصل مع الشخصيات الواقعية. لكن لتكوني كلمة ينبغي أن يكون لكِ معنى كما يحتاج الطبيب لشهادة.
– وما المعنى؟
خوليا أشارت بإيماءة، لكن مع عدم عثورها على الكلمات المناسبة، فضلت استشارة المعجم مرة أخرى.
– يقول هنا إن المعنى هو المحتوى الدلالي لأي نوع من العلامات.
– وماذا يقصد بذلك؟
– لا أعرف.
– ابحثي عن دلالي لنرى التعريف.
بحثت عن دلالي.
– يقول إنه ما ينتمي أو يتعلق بمعنى الكلمات.
– عدنا إذن للبداية- اشتكت بوريما.
– نعم- قالت الشابة عاجزة.
– لكن بالنسبة لكِ، ما المعنى؟- سألت الآن الكلمة التي لا وجود لها.
– أعرف ما المعنى، لكن لا أعرف شرح ذلك.
– اجتهدي قليلاً، أُف.
– انظري، منضدة يقصد بها منضدة، وشجرة يقصد بها شجرة، وأحمق يقصد به أحمق، هكذا عندما تقولين منضدة ترين منضدة داخل رأسك، وعندما تقولين شجرة ترين شجرة، وعندما تقولين أحمق ترين أحمق. لكن عندما تقولين بوبريما لا ترين شيئاً، لأن بوبريما لا تعني شيئاً، لهذا فأنتِ لست كلمة.
– ولا يمكن لي أن أكون كلمة مزيفة؟
– مزيفة، كيف؟
– مثلما يوجد شرطيون مزيفون أو علامات مزيفة أو مرضى مزيفون.
– لا أعرف إن كانت هناك كلمة مزيفة أو لا.
– طيب إذن ماذا أكون؟
– الحقيقة لا أعرف.
انقبضت الشابة وعادت إلى أشيائها بينما استمرت بوبريما متأملة. وبمرور بضع دقائق، عادت الكلمة الغير موجودة للتكلم. قالت:
– ألا يمكنك أن تصلحي لي مسألة عدم الوجود؟
نظرت الفتاة إلى بوبريما بتفحص. بعدها ابتسمت بخبث كأن شيئاً مسلياً أو فاحشاً خطر ببالها، وقالت:
– لعلي أتمكن. تعري وارقدي في هذه الورقة.
وهذا ما فعلته بوبريما، تعرت بطبيعية، خلعت ملابسها ورقدت على الورقة البيضاء. كانت تبدو مذعورة، كانت كمن أنزلت بنطلونها أو فكت أزرار بلوزتها أمام طبيب. وبعد أن فحصتها خوليا من أعلى إلى أسفل، انتبهت الشابة إلى أنها لو استأصلت المقطع الأخير (ما)، ستبقى بوبري.
– وهل بوبري لها معنى؟- سألت بوبريما.
– نعم- قالت خوليا.
– ماذا؟
– بوبري يعني فقير.
ولأن بوبريما لم تكف عن تعبير الاستفهام، فتحت خوليا المعجم من جديد وقرأت:
– مَن ينقصه الموارد.
بوبريما، التي كانت تبدو غير مقتنعة تماماً بمزايا الوجود في مقابل نقص الموارد بالإضافة للبتر، سألت إن كان سيؤلمها قطع هذا الطرف.
– لو أجريت لك العملية بالبنج لن تلحظي شيئاً- قالت الشابة مواصلة المزاح.
بعد أن ترددت قليلاً، وافقت بوبريما أن تبتر لها خوليا المقطع الزائد بسن قلم جاف. حدث ذلك ببساطة ومن دون ألم، لأن الحبر، ومن دون أن يلاحظ ذلك، كان يتمتع بمزايا مسكّنة.
وبعد أن تجاوزت أثر البنج، نهضت بوبريما، التي أصبحت الآن بوبري، ونظرت لنفسها، ولمست جسدها بإيماءات قبول وسارت مسرورة بأن أصبح لها معنى، وأن أصبحت أحدا، وأن انتمت إلى مفردة.

*روائي وقاص إسباني

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً