الرئيسية / احدث التدوينات / بورتريه لزمن غير مرئي

بورتريه لزمن غير مرئي

6485939509_b497752185_z

أن ترى في اليوم أو السنة

رمزاَ لكل أيام البشر وسنينهم

هو أن تصير هم السنين

(بورخيس)

-1-

      لم يكن الدوي الذي سمعه صباح الأول من أذار من عام أربعة عشر وألفين ملفتاً للأنتباه، بإعتبار أن مامن أحدٍ من الجيران كان قد أبه به، وما أكد هذا ألأمر، خروجه وحيداً إلى الشارع مذعوراً إثر تلك الرضّة، والتي بدت كإنفجار عظيم إغتال كل صفاء المكان، حالُة من الذعر تلبست ألأستاذ حين إنتبه فجأًة، أن مشهد القرية التي سكنها طوال أربعين عاماً لم يعد مألوفاً، القرية بذاتها لم يعد لها أي أثرٍ يذكر، بل وجد نفسه هكذا يقف وسط مدينة غريبة، تحتشد بالصروح وألأبنية ذات الطراز الحديث، وأن الصوت الذي سمعه لم يكن سوى صدى لفرقعة ناتجة عن مصنعٍ للأسمنت يقبع على مسافة قريبةٍ، لايعلم متى وكيف وجد، لكن ذلك لم يعد بألأمر المهم، لأنه ما أن إصطدم بالمرآة المعلقه بممر المدخل حال عودته إلى داخل المنزل، والذي ظل صامدًا أمام عاصفة التبدل تلك، حتى تفجرت منه صرخة مشوبة بكل قيامات الهلع الكامنة في نفسه، بمجرد أن رأى التحول الذي أصاب شكله، لقد تغيرت ملامحه بصورةٍ لاتصدق، بعيدًا عن مسار حياته المدرك من مؤثرات أسباب، فظل متجمداً مبهوراً بالصورة التي خطفت عقله، يتحسس بوجل تلك التجاعيد التي إرتسمت على وجهه بين ليلةٍ وضحاها، مابدا أن الزمن قد أستنفذ حيلته الكبيره، تربع الشك بنفسه، لم يعد الجسد هو الجسد، بل لكأنما تجسدت ذاته بجسدٍ أخر، وتداعت هيئته التي لطالما ألفها لتضطجع على أرفف الذاكرة كمجازٍ لما كان، راح يسترجع تفاصيل الليلة السابقة رغم أنه لم يكن متأكداً من أن مايحدث يقع ضمن مجريات الواقع؟ أم مجرد إستيهامٍ عرضي؟ أو حلمٌ يستعرض بصماته لأنه ربما كان نائماً ولم يستيقظ بعد، هذا التكثيف المرهق للإنتباه، ومحاولته لإدراك الوضع، دفعه للتفكير بأقرب الناس إليه، زوجته، وأبنته التي على وشك أن تلتحق بالمدرسه، إستدعاءاً للذكريات المشتركة التي ربما تسعفه لتفسير ماحل به وبالعالم من حوله، تسائل : “أين موقعهن الأن؟ وفي أي فخٍ زمنيٍ يرابضن؟” تكشف له الأمر حالما ربتت يدٌ ناعمه على كتفه: صباح الخير يا…..

      حسناً، في البدء لم يكن الصوت الذي حمل التحية إليه مألوفاً، ولكن على الرغم من أنه أتبعها ب(ياأبي) لم يبدُ أنه قد سلم بموقع قائلها منه قبل أن يلتفت شاخصاً ببصره نحوه، كانت فتاة ثلاثينية، فارعة القوام، بملامح أخّاذة، تربت على كتفه، تقول : “صباح الخير ياأبي”، وهي تبتسم، سرت قشعريرة باردة في جسده تحمل كل جمود العالم، “يا إلهي، من أنتِ؟” تمتم بذلك وعيناه جاحظتين، وقبل أن تجيب، كان الفزع قد وصل به إلى أعلى درجةٍ ممكنة، فسقط من فورهِ مغشياً عليه…

-2-

      يقال أن صاحب النص الخالد، كان قد أنفق أربعة عشرعاماً في كتابة أجزاءه الثلاث، بمقدار جملةٍ لكل يوم، كانت العبارات تكبر هنيةً وتتسع، تمتلئ بها الصفحات فتنمو هي ألأخرى كمخلوقٍ يقطع مسافة أيامه، لاحقاً وحين حقق ذلك العمل شهرته الواسعه، متربعاً على عرشه في كتف التاريخ، أدرك أنه لم يكن يمتلك أدنى إجابة حينما سوئل عما أرد قوله في ذلك العمل الملغم بالألغاز، وأن كل ما أراده هو أن يكتب شيئاً مختلفاً، بينما كان أحد معاصريه يؤلف أعمالاً طويله جداً، وغير مترابطة، إلى حد أن يتجاوز العمل الواحد مايقارب الخمسة ألاف صفحة، ينفث فيها بكل مايختلج بذاته، معتمداً على قصص الذاكره المتشتتة على إمتداد حياته، كان يكتب بغزارة بحيث لايمكن الجزم بإذا ما كانت الأفكار تتدفق على رأسه من جهة ما، أم أن رأسه يحوي منبعاً لحشدها، يكتب واقفاً ومتكئاً على ظهر ثلاجته، وفي القطار، وعلى ورق السجائر، ومهما كانت وضعيته يؤلف أعماله الضخمة تلك بفتراتٍ قصيرة جداً تتراواح ما بين الأربعة أيام إلى أربعة أشهر، ما يبدو مثل فكرة الإنفجار العظيم، لاحقاً يقوم بتمريرها لمحرره بدار النشر، ليقوم بإعادة تحريرها وتنظيمها فيما لا يتجاوز الخمسمئة صفحه، تدفع بعدها للطبع، عندها يكون المحرر قد إستغرق تسعة أشهر لإنجاز عملٍ واحد، وربما عام حتى تصل المخطوطة إلى نسختها النهائيه، مايعد زمناً خرافياً، مقارنة بزمنها ألأصلي الذي كتبت فيه. حسناً، فلنتخيل هذا العدد الضخم من الصفحات، يتم إقتصاصه شيئاً فشيئاً حتى يصل إلى عُشرِ العدد، ولنمعن النظر لما يمكن أن يكون عليه كتاب الحياة، ترى هل يمكننا أن نتخيل حجم ماتم إفلاته من ذاكرة المؤلف؟

-3-

      يستيقظ من نومه، ودفقة الضوء تتسلل من النافذة على وجهه، الهدوء يكسوه الترقب، وعيناه تكنسان أثر النوم، هل كان ذلك مجرد حلم؟ يتساءل وبعض الرعب مازال كامناً فيه، إلا أنه في هذه المرة، يفتقد صوت الدوي المهول وبرودة الصمت تؤثث كل تفاصيل اللحظة، ينهض من فراشه خائفاً، وبخطىً متثاقلة، يتجه ناحية المرآة مغموراً بالتوجس، لكنه ما إن يستقر أمامها، حتى يباغت بالمفاجأة التي لم تعد كذلك، صعوبة تحديد السنوات التي مضت، رؤيته لوجهٍ أضحى مألوفاً كرس كل جموح الأسئلة تجاه شئٍ واحد، لطالما إعتبر نفسه قبيحاً ومثيراً للضحك، على الرغم من أن زوجته الراحله لم تكن تشاركه الرأي، لكن أن يضحي إعتباره ذاك أمام كهولته الراهنه أمراً مثيراً للشفقه، فهذه مزيةٌ لايبتغيها ألأن، يأخذ يتفحص الوجه الماثل أمامه محاولاً ألإمساك بأثرٍ لما كان عليه، لكنه لايحصل إلا على صورةٍ باهتة بالكاد يمكن ترضيه، تلوح بخاطره تلك العبارة:” صباح الخير يا أبي”، يذكرها متحسساً أخر صوتٍ بشريٍ طرق أذنيه منذ أن تشبعا بالدوي وحتى أربكهما الصمت، ترى هل يرتحل الحلم إلى الواقع؟ أم يتحول الواقع إلى حلمٍ مزعج؟ إنه يتذكر تاريخ الأمس جيداً، الأول من أذار من عام ثمانيةٍ وثمانين وتسعمئةٍ وألف، ما زالت كل تفاصيله عالقة بذهنه، رغم أنه لم يكن يوماً مميزاً على أي حال، فمثل كثيرٍ من سابقيه، قضى فيه دواماً مدرٍسي معتاد، يتذكر كيف وضع إبنته على فراشها عند حلول الظلام، محاولاً تجاهل إلحاحها المتواصل ليقص عليها حكاية ماقبل النوم، إلا أنه يرضخ تجنباً للضجيج الذي راحت تخلقه بنحيبها الزائف، لينطلق صوته مرتجلاً يدفع دفة السرد بكان يا ما كان منبعثاً نحو قصةٍ مجهولة الشكل، سعيدةً النهاية كما تأمل، وأستمر بذلك قبل أن يستدرك أنها قد غابت في حديقة الأحلام الهانئه منذ زمنٍ طويلٍ للغايه، طويلٍ وما زلت الحكايه تتوق لنهايتها، طويلٍ بما يكفي ليطفئ ألأضواء الخافتة، وليلحق بزوجته إلى الفراش قبل أن تغيب هي ألأخرى. وعندما استيقظ في الصباح إثر سماعه لصوت النقر على الباب، وجد أبنته قد كبرت بمقدار خمسة وعشرين عاماً، كانت تقف هناك أمام الباب تقول: “صباح الخير يا أبي”… كان صوت النقر مرعباً بينما كانت تبتسم.

عن محي الدين هارون

mm
كاتب من السودان