بيدق الوعي

دعاء

      أصدق ما تكون النفس هو حين العزلة. وفي عالم تتسارع إيقاعاته على سلم الحياة المعاصرة وتلهيك ضوضاؤه بعيداً عنك، تأخذك نغماته في اهتزازات لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد، حتى تجد ذاتك وقد تكورت في آخر النوتة الموسيقية نقطة سوداء ممدودة بعصا تتكئ هادئة على المدرج و تستكين. حينها ينفتح كتاب في يدك ويصبح للعزلة حيز معقول.

      في هذا الحيز الذي قد يمتد زمانياً لفترة بسيطة حين تخلو إلى ذاتك مع كتاب، أو أثناء السفر أو لانتظارك موعداً مع الطبيب، تجد أنك عادة ما تعود إلى ذكرى معينة مررت بها تأبى أن تهدأ، وإذا غصت عميقاً فيها ستكتشف أنك لم تعد ذات الشخص إثر تلك الحادثة أو الموقف. تخلق نقطة التحول منا هوية جديدة بتحويلنا داخلياً وتحريك الساكن فينا، وهكذا بطريقة غير مباشرة تعيدنا إلى نقطة البداية. تفتح العزلة كوة على الداخل لنبصر ما لم نكن لننتبه إليه في غيابها.

      وفي أحيان نادرة تجبرك الظروف على الاعتزال دون إرادة منك، وهذا ما كان من نصيب شخصية الدكتور(ب) في رواية (لاعب الشطرنج) للمؤلف النمساوي ستيفان زفايغ الذي اختار إنهاء حياته بهذه النوتة الموسيقية حزناً على انهيار النفس البشرية. كانت نقطة تحول الدكتور (ب) هي حين رأى رقعة شطرنج لأول مرة أمام ناظريه – و هو على متن الباخرة – لا كما اعتاد اللعب في خياله. فلم يكن يعنيه فوزه على بطل العالم في اللعبة بقدر اندهاشه من تجربة لعبة التحولات واقعياً. فنراه يصف تلك اللحظة على هذا النحو: “ستدرك الآن لماذا تصرفت بطريقة غير لائقة ومبهمة دون شك تجاه أصدقائك. كنت أتسكع بالصدفة في حجرة التدخين عندما لمحت هؤلاء السادة جالسين أمام رقعة شطرنج حقيقية بأحجار مرئية. نسيت أن الشطرنج لعبة تتطلب شريكين مختلفين تماماً، شخصين حقيقيين يجلس كل منهما قبالة الآخر. وفي الواقع، كان يلزمني بضع دقائق لأدرك أن هؤلاء اللاعبين يلعبون اللعبة ذاتها التي سبق وأن لعبتها في زنزانتي خلال عدة أشهر، عندما كنت في قمة بلبلتي ألعب ضد نفسي.”1.1 أعماه إذن تحوله الداخلي عن التركيز مع العالم الخارجي ومن فيه. وهذا ما قد يحدث لك ويشعرك بازدواج الهوية في بادئ الأمر، فأصعب ما يكون التغيير حين يمس النفس عينها.

     في مثال أدبي آخر، أرانا التشيكي بوهوميل هرابال قوة الكلمة في مقابل دمار الإنسانية من خلال كتابة (عزلة صاخبة جداً)، النوفيلا التي تحكي عن (هانتا) العجوز الذي يعيش في عزلة ممتدة ما بين بيته المتكدس بكتب قد تُنهي حياته في أي لحظة وبين القبو حيث يعمل على تدمير بقية الكتب. وتظهر نقطة التحول بحياته حين يتم إعلامه من قبل رب العمل عن جلب آلة هيدروليكة عملاقة تؤدي الغرض في سرعة لا ترحم، فيقول: “وحين وصلت إلى بابني، ورأيت الهيكل البلوري الضخم للآلة بصوتها العالي، كنت أرتجف بشدة حد أني لم أقوى على النظر إليها، فقد تسمرت مكاني وأشحت بعيداً، منشغلاً برباط حذائي – أي شيء ليلهيني من مواجهتها. أن تُنعم النظر في أوراق مهملة وتجد ظهر وحواف كتاب نادر، كان دوماً ما يشكل متعة بالنسبة لي. عوضاً عن التقاطه فوراً، آخذ خيط صوف وأفركه،  ثم ألقي نظرة أخرى على الورق المكدس وأرى إن كان عندي من القوة ما يمكنني من سحب الكتاب وفتحه، ولا يحدث هذا إلا بعد أن أقر بامتلاكي لتلك القوة، وحتى حينها يرتجف الكتاب في يدي كباقة عروس في المذبح.”2

     ما نتج بعد ذلك في حياة الدكتور (ب)، وهانتا أتركه لمن أحب أن يقرأ هاتين الشخصيتين. لكن ما يهمني هو أن تذهب لما قبل نقطة التحول، وتمنح نفسك رؤية من منظور أبعد لترى بوضوح كيف كنت، وما الذي كان سبباً لوصولك لتلك النقطة الفارقة بحياتك، والأهم من ذلك هو كيف كانت ردة فعلك، وأين أنت الآن.

     وبما أن حديثنا يدور في فلك الكتب، لابد من ذكر نقطة التحول التي تصيب القارئ حين يبدأ في الانسجام مع العالم الذي بداخل الكتاب، ومدى اختلاطه بعالم منسي فيه منذ منتصف قصة أو ربما مفتتح رواية ما. فلا تنتبه لنفسك إلا حين تحس بالاختناق وتدرك بعد فوات الأوان أنك غارق بين العوالم ولا حل لك إلا بالوصول إلى خاتمة الكتاب، هذا إن كُتبت لك النجاة.

     ومما ينتج عن نقطة التحول هو تسليطها الضوء على البقعة العمياء في حياة المرء. والتي تكون عن ما لا يعلمه الشخص أو ما يتحيز له عن جهل. حيث يكون هناك نمط معين يتكرر معه في إحدى جوانب حياته كخياراته في بيئة العمل أو علاقاته الاجتماعية أو نحو ذلك. ولا يكون الأمر لتطبع المرء على عادة بل يكمن السبب الخفي في إنكار المرء لذاته أو لخصلة فيه، أو لتجربة سابقة مرهقة مر بها، وأحيانا يكون السبب فكرة جديدة يعتقد أنها ستهدد كيانه ومنظوره للعالم لو تبناها.

     نجد في نوفيليت (قودي سيارتي) للياباني هاروكي موراكامي شخصية (تاكاتسوكي) وهي تحاول إقناع (كافوكو سان) بتقبل البقعة العمياء في ما يخص زوجته المتوفاة مؤخراً: “مهما ظننت أنك قد فهمت شخصا آخر ومهما أحببته، يستحيل أن تحظى بنظرة جلية إلى ما بداخل قلبه، يمكنك أن تحاول، لكن سينتهي بك المطاف وأنت تسبب الألم لنفسك. يمكننا رؤية ما بداخل قلوبنا فقط، ولن يتسنى لنا ذلك إلا إذا عملنا جاهدين وتحلينا بالعزيمة الصادقة. لذلك، في النهاية، فإن الامتياز الوحيد المكفول لنا هو أن نتصالح مع أنفسنا تماماً، ونتقبل ما نحن عليه بصدق. وإذا كنت حقاً ترغب في مراقبة الآخرين، فإن خيارك الوحيد هو أن تنظر إلى نفسك بعمق وبتجرد.” 3 فلن يفيدك التمعن في البقع العمياء للآخرين، ولن تنحل مشاكلك هكذا، فلابد إذن للمرء من كسر هذا النمط حتى يستمر في التحول والنمو الشخصي. أن تترك الإنكار خلفك بتحريك بيدق الوعي.

     ختاماً، أترككم مع الفقرة التي كانت إحدى أسباب انجذابي لرواية زفايغ وفيها حديث عن أثر العزلة في تشكيل عوالم مقتحميها: “لم تلبث ملاحظات صديقي الأخيرة أن أثارت فيّ فضولاً محتدماً. فلطالما انبهرت في حياتي بالهواجس على اختلاف أنواعها، وبالأشخاص المهووسين بفكرة واحدة، إذ كلما ضاق أفق أحدهم، اقترب أكثر فأكثر من اللانهاية. وهؤلاء الأشخاص تحديداً، من يبدو أنهم اعتزلوا العالم، يبنون بأنفسهم، وبأدواتهم الخاصة عالماً مصغراً مثلما تفعل ديدان الخشب، عالماً متفرداً ولا نظير له.” 1.2

     أتمنى أن تجد القدرة يوماً على قطع المسافة بين نوتتك الهادئة حيث النمط المتكرر والوصول إلى نقطتك السوداء ذات النغمة العالية لتصبح مسموعاً تجاه أوكتيف* ذاتك، ارتقاءا بوعيك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  1. لاعب الشطرنج، المؤلف ستيفان زفايغ، ترجمة سحر ستّالة، دار مسكيلياني للنشر، الطبعة الأولى 2017، ص64 و ص 15

  2. Too Loud A Solitude, author Bohumil Hrabal, Translated from the Czech by Michael Henry Heim, published by Harcourt 1992, p. 26

  3. قودي سيارتي من كتاب حدائق موراكامي، المؤلف هاروكي موراكامي، ترجمة محمد عبد العاطي عبد الخير، كتاب جيل جديد الرابع عشر 2017، ص39

  4. أوكتيف (octave): هي المسافة بين نوتة موسيقية و أخرى لنفس الحرف

عن دعاء خليفة

mm
كاتبة و مترجمة من السودان