الرئيسية / العدد السادس / بين اليوتوبيا والديستوبيا…. ملامحُ مدينةٍ من العالم الافتراضي

بين اليوتوبيا والديستوبيا…. ملامحُ مدينةٍ من العالم الافتراضي

إسلام

إسلام أحمد منير :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

إنها المدينةُ الفاضلة… حيثُ الكلُ فيها رائعون.. والكلُ يبتسمُ بين حينٍ وآخر حتى أحزانُهُم أحزانٌ راقية… غيرُ مُبعثرة…. لا يُمكنُك ان تتبعثر عندما تبكي بدموعٍ رقمية…

كُلُهُم عباقرة…. مثقفون… متأنقون حد الإفراط… الفتيانُ يرتدون بذلاتٍ أنيقة والفتيات يرفُلن في أثواب رائعة والكُلُ تحيطُ بهِ هالةٌ من الوقار… والكُلُ في المدينةِ الفاضلة…. في المدينةِ الرائعة… في هذا العالمِ الرقمي رائعون……

مدخل:

قبل خمسةِ أعوام اقتنيتُ بيتاً في هذه المدينة… لم أمتلك يومها جيران كُثر…لكن يوماً بعد يوم تزايد جيراني.. والذين يحملون رغماً عني وعنهم صفة ” صديق” في بطاقةِ تعريفنا… واليوم أكاد أجزم أن جلَّ سكان مدينة الشمس قد بنوا بيوتاً هاهنا ولم يتركوا خلفهم سوى القليل من العجزة وفاقدي البصر

ماذا هناك:

مذ وطئت قدماي أرضُ هذه المدينة  أحسستُ بشئٍ مريبٍ فيها… كانت تبدو كاملة …سكانها فرحون.. يخلون من العيوب.. مرتبون لأقصى الحدود….

وبدأتُ أكتشف…كنتُ أظنُ بيوت هذه المدينة مصممة كمنازل صيفية نأوي إليها بين حينٍ وآخر… تفاجأت… وجدتُ بعضُهُم لا يغادرون بيوتهم في هذا العالمِ الرقمي أبداً… أشكُ كيف يأكلون… كيف يشربون… كيف يكونون بشراً وهم موصولون  طوال الوقت  بأجهزتهم الرقمية!!

في عالمِ الأصفارِ والآحاد…أمرُ على البيوت فأرى في بعضها الكثير من الصخب… الكثير من الأضواء… بينما في عالمِ الشمسِ لا أسمعُ صوتاً لهؤلاء… بعضهم لم أره إلا هنا ولم أسمع صوته إلا هنا… فرصةٌ للتعارف..لا بد أن البعض لم يرني هو الآخر إلا هنا أيضاً….

إن من أعرفهُم يبدون مختلفين جداً حينما أراهم في شوارع هذه المدينة… ومن لا أعرفُهُم يبدون أروع من أن يكونوا بشراً….. يصيبني الدوار حينما أكون هاهنا… وكلُ راداراتي يصيبها الصدأ وتفقدُ الرُشد… إنها المدينةُ الفاضلة…. وكُلُهُم يتدثرون بالطيبة واللونِ الأبيض حينما يأتون هاهنا…..

لا يمكنني أن أصدق أن الجميع رائعين هكذا…إذن ما حقيقةُ النسخ التي نراها من لحمٍ ودم…. هل يجففها ضوء الشمس من كل تلك الروعة … من كُلِّ تلك الرقة؟… إذن فلتُحجب الشمس… ليبقوا رائعين!!

بدأتُ أكتشف….

إنهم يعيشون بأسمائهم..أحيانا يخفونها.. يستعيرون أسماء أخرى.. ببطاقات صورٍ غير حقيقية.. يتكلمون كلاماً غير حقيقي تتخلله ضحكاتٌ غير حقيقية بانفعالٍ غير حقيقي… يغضبون غضباتٍ غير حقيقية ويبكون بدموعٍ غير حقيقية ويبتسمون كلهم ويحيون بأمان في عالم الحلمِ الرقمي……

حين تترك شخصاً يكتب عن نفسه لن تجد سوى روضٍ مُلون وأزهارٍ ملونة وفراشات والكثير من قوس قزح… لا أحد يرى تلك الوحوش الصغيرة التي تسكنه وتحيط به لذا يستحيلُ عليه أن يرسمها…. لذا هُم جميعاً رائعون حين يكتُبون!!

بدأت أكتشف… هناك أعجوبةٌ تحدث…. يخيل لي أن الجميع وراء تلك الشاشات يتحولون إلى سحرة… الكلمات تحمل ألف معنى والأفعال والحروف والصفات كلها تصبح مشفرةً بألف معنى من معاني المعجم العربي والأعجمي في آن…. وفي أكثر الوقت لن نفهم إلا ما أردنا لعقلنا أن يراه ويترجمه ويفهمه… ونبقى كأننا نخاطب أنفسنا…. وربما في لحظة صفو اكتشفت أن الكل يكذبون

الأحرف المكتوبة فقط لا تمثل رسالةً ناقصة ولا رسالةً كاذبة… إنها تمثل رسالةً مشوهة تتشكل وفقاً لخيال من يقرأها كل مرة… عضلات عيوننا وخطوط الجبهة تحكي أكثر مما تنطقه حركات شفاهنا…  لوحة المفاتيح لا تنقل على الشاشة الصورة كاملة ولا تنقلها ناقصة ولكنها تنقلها وهي ترتدي أثواب عديدة وملامح بعضها لم يخطر أبداً ببال من كتبها… وحتى مع أكثر الجملِ وضوحاً يبقى من العسير أن نفهم المكتوب فقط كما (هو)…. حتى في جملةٍ مكونةٍ من كلمة واحدة يزحفُ ألف تفسير وتطُلُ ألف فكرة

وبدأت أكتشف…

في شوارعِ هذه المدينة تجدُ الكثير من الحُبِ مبعثراً…. الكثيرُ من رسائلِ العشق متناثرةً على الطُرُقات…

ويحي!! لم أكُ أعلم أن المعذبين في الأرض كُثرٌ هكذا… ولم أتخيل أن للجميع مشاعرُ مجروحة… فالكلُ بين حينٍ وآخر يبكون حُباً ما..ويقيمون في وسطِ المدينة سرداقاً للعزاء بكلامٍ مرتب فخيم منقوشٍ بشعرالهجر والخيانة….

بدأتُ أكتشف…

يمكن للجميع أن يتحدثوا هاهنا كما يشاءون وكيفما يشاءون…. لذا تجد الكثير من الأسرارِ ملقاةً هنا وهناك….. الكثير من الجرأة… الكثير من الكلام الذي يتحدى الخطوط الحمراء في الواقع الحقيقي حيث تشرقُ الشمس صفراء..حارقة.. وواضحة… لا أعلمُ كيف تنفتحُ شهيةُ الجميع لمثل هذا هنا؟! كيف يجرؤن

بدأتُ أكتشف…

في هذه المدينة… الكثيرُ من النفاق… أشتمُ الكثير من التصنُع الذي يزكم الأنوف…. لا يمكنني أن اشرح لك… كل من يعيش هنا يعرفُ كيف يكون ذلك… إن لم تكن من سكان هذه البقعة من الفضاءِ الافتراضي ستفاجأ عند زيارته لأول مرة…. ولكن كل المواطنين اعتادوا على تلك الرائحة!!

بدأتُ أكتشف….

هنالك الكثير من المعرفة…. المعرفة المبتورة… الأخبارُ قصيرةٌ جداً.. والحكايا تحتمل مائة بداية وألف نهاية وأنت لا تقرأ منها سوى سطرٍ وحيد… وكثيرٌ منها كفقاقيعِ الصابون لا تفيد أبدا وهي تتشكل فقط لتنفجر… وتتلاشى ….. إني لأشفقُ على الذين يتعلمون هاهنا!!!!

 

بدأتُ في حسابٍ الربحِ والخسارة…العالم هنا مختلفٌ تماما … كثيرا ما أحاول البحث عن الهدف الأكبر لرحيلنا جميعاً إلى هنا ماذا وجدنا؟؟… تتقاطر بعضُ الأفكار.. قليلةً شحيحة..تتلاشى.. ولا يبقى سوى السواد أمامي… هل الظلمة هي ما يدفعنا للهروب إلى هنا؟؟!! ربما.. البعض أتى لهذه المدينة فقط لأن آخرين سبقوه نحوها… الكل يحلمُ بمنازل في الأرض الجديدة حتى وإن كانت الجحيم بذاته…. صديقتي أسرت لي بذلك…. رغماً عن أنها ترى في المكان بقعةً للعبثية واللا منطق وكسر القواعد إلا أنها وفرت سكناً لها هناك ربما لتحظى بمقعدٍ جيد للمشاهدة وربما كي لا ينعتها احدهم بالرجعية إن هي لم تحتفي برجعيتهم كما قالت…. أحترمُ رأيها وإن كنت أختلفُ معها بشدة

بدأت في حساب الربح والخسارة…..أكبرُ إنجازٍ لي في هذه المدينة أني دققتُ عنق الوقت فيها… أنفقتُ الدقائق الثمينة بكرمٍ حاتمي لا احسدُ عليه في جنباتها…. لم تعطني هذه المدينة بكل روعتها ما يوازي دقائقي الثمينة… لكم أشفقُ على نفسي وأتحسرُ على دقائقي وساعاتي الضائعة!!! ويا ليت البقية تتعلم

بدأتُ في تفقدِ الأصول….. منذ دخولي بوابتها حاولتُ ألا أثرثر كثيرا في طرقاتِ هذه المدينةِ الكبيرة بالرغمِ من أن كل شئ يغريك بأن تترك فاهك مفتوحاً طوال الأربع وعشرين ساعة….. ولا قلق فستجدُ دائماً من يكلمك ويرد عليك… لا أحب ان أثرثر هناك لأني أخشى ألا أعود نفسي… في ذلك المكان تكتظ ارفف المحلات بالمساحيقِ المجانية التي بإمكانها ان تصنع منك مائة شخصٍ وشخص… لم يكونوا يوماً أنت ولم تكن أنت هم….

اكتشفت أكبر خيباتي ..حين أخبرتني إحداهن في العالم الحقيقي بصوتٍ حقيقي وحروفٍ حقيقية… بأني أبدو رائعةً ومن حولي الأشياءُ  الجميلة التي اكتبها… ابتسمت… شكرتُها… تصببتُ عرقاً فقد كُنتُ ساعتها أحاولُ جاهدةً حبس صرخةٍ عميقة “أنا لستُ بتلك الروعة”… يا ويلي!! حتى أنا تسربت إلي تلك المساحيق….

في العالمِ الحقيقي حيثُ يغمرُنا ضوء الشمس… تكون الأحاديثُ حقيقية والعلاقاتُ حقيقية والشُكرُ حقيقي.. والتحايا حقيقية والأصدقاءُ حقيقيون… ونتجردُ عن ظلِ الشاشات التي تحجبُ الكثير من الصدق… والكثير من الحقيقة

أنا لا أثقُ بهذا العالم الرقمي أبداً… لا أثقُ بأصفاره ولا آحاده…. لا أثقُ بساكنيه… ولا أثقُ بنفسي فيه…. في الحقيقة كلنا يصبحُ شخصاً آخر حين ندخله

 

إضــــــاءة:

“في هذا البلد بالذات الشعار العام لكل شئ (ليس المهم أن تكون…. المهم أن تبدو) … هكذا تجدُ أن كل الشباب  يجلسون أمام الكمبيوتر.. الآباء يرون هذا فيطربون ويتحدثون عن ( لغة العصر, والأمية الجديدة..إلخ) بينما هؤلاء الشباب المنكبون على الكمبيوتر لا يفعلون شيئا ذا قيمة ولا يجنون خبراتٍ ما…. إن هو إلا كلام في كلام…. إن لأكثر هؤلاء لا يفيدون من الكمبيوتر لكنهم (يبدون كذلك) وهذا يرضي الجميع بدءاً بالأباء الذين يريدون الاطمئنان على ما أنفقوا من مال , وانتهاء بالجهات الحكومية التي يهمها أن تُسوَّد التقارير عن (ثورة التكنولوجيا)”

د/ أحمد خالد توفيق

إضــــــاءة أخيرة:

اليوتوبيا مصطلح مشتق من الإغريقية ظهر لأول مرة في كتابات توماس مور(1516م)  وتعني الكلمة في مجملها المدينةً المثلى التي يتحقق فيها الخير والسلام والسعادة للناس ولا مكان للشرور (أو المدينة الفاضلة)… الديستوبيا عكسها تماماً!!

 

 

 

 

عن إسلام أحمد منير

mm
كاتبة من السودان

لا تعليقات

  1. عزيزتي .. صديقتي الحقيقية اسلام 🙂

    كم تسعدني كلماتك .. عميقة جدا … اجدك تتحدثين ما يدور في عقلي تماما … كنت اظنها ضربا من توجسي المعتاد .. انا كثيرة التوجس ..
    لكنك نطقتي حقا !

    .. بالجنبه ..
    نورتي الجيل الجديد ^_^

  2. عزيزتي .. صديقتي الحقيقية اسلام 🙂

    كم تسعدني كلماتك .. عميقة جدا … اجدك تتحدثين ما يدور في عقلي تماما … كنت اظنها ضربا من توجسي المعتاد .. انا كثيرة التوجس ..
    لكنك نطقتي حقا !

    .. بالجنبه ..
    نورتي الجيل الجديد ^_^

أضف تعليقاً