الرئيسية / العدد الواحد والأربعون / تأمـلات “البنت الطائرة بالكرسي”

تأمـلات “البنت الطائرة بالكرسي”

large

إسلام أحمد منير:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا

**

من باب كلية كمبوني الشرقي…خرجت تلك الفتاة تتسرب في الأرض…مضيئة كما شمس…هادئة كما غمامة…أهمس: “كم هي واثقة الخطوة!”…لكنها لم تكن تخطو…كانت تطير…أو تسري كموجة…فتاة بكرسي مدولب مزود بمحرك صغير..تضغط على ذراع قيادته بإصبعها…ويمضي بها طائعا كوردة فوق ماء النهر…

بينما الأرض مختنقة برطوبة أمطار البارحة…والخاطر يندب حظه وثيابه الملطخة…هبطت تلك الفتاة في أرض بصري تماماً كنسمة باردة…

كانت ترتدي قميصاً من البنفسج بصف أسنان باذخ الابتسام…تحدق في اللاشئ وفي كل شئ…وبوشاح بلون الكريم ملفوف كعمامة صغيرة أعلى رأسها…بدت تماماً كيمامة بتاج…ومن خلفها أحسست تتبعها أحرف نغمات مقطوعة الرجل الهادئ “Quiet man” لياني..متراصة في صف طويل…تتبعثر وراءها بهدوء عطر وتسكر الكون…

الفتاة على الإسفلت تسري كما نور…فتضئ الحصيات والرمل الصغير…

وللمرة الثانية لا أجد وصفاً أنسب من “واثقة الخطوة!!”…كانت عجلاتها تخطو على قلبي…وبينما كان داخلي يتذمر من ألم قدمي اللتين قطعتا شارع القصر هذا الشهر مراراً وتكراراً دون أي جدوى غير تغبير حذائي بشاحنة رمل…وفقد نعل آخر…قطعت أفكاري الصامتة أغنية الكرسي المدولب وهو يسري بالفتاة…فملأني البرد…وحين لاحت إبتسامة ثغرها تساقط كل صقيع الكون على قلبي وهزني الخجل…

ثم إني لم أعرف هل أحسدها على نعمائها والنور الذي زين لون الأبنوس فيها…أم أقسو على نفسي لسوء أدبي وتذمري…

أنا التي لا زلت أملك أمر قدمي…وأحركهما في المشاوير التي بلا طائلة والمشاوير ذات الطوائل…وأرهقهما…ثم أتذمر وأتذمر وأتذمر…

يا إلهي…سبحان إحتمالك لنا…

سبحان إحتمالك لنا…

نحن الذين لا نشكر…ولا نتعلم…ولا نستكين حين اليأس والإنكسار والتعب بالأنس بك!!

وحين أسأل طفلا صغيراً : من خلق الكون؟

يجيب: الله…

ولكني أخاف أن أسأل قلبي: من خلق الكون يا قلب؟؟

القلب يحفظ الإجابة (أحرفا)…وينساها (إيمانا ويقين)…

إن الله هو خالق الكون…خالق البلايا والعطايا…والأقدار والهموم والمنايا…ومرسل الخير كله…رب (كل) شئ

كل ما قد رزق – أنى يكن- طيب طيب

ولكنا كثيراً ما نضل…

نحن التعساء ظالمي أنفسنا نعمى عن النور الوضيء…ننسى ربما…ويصيبنا الجهل إذ تعتمل فينا النفس اللوامة اللوامة وهي تتذمر بلا توقف كما عجوز خرفة…

ثم إني الطفلة الشقية سيئة الأدب حين أعود من تذمري أحس بالندم…وبالذنب…فحين الإبتلاء الذي يصاحبه التذمر…يكون قلبي- حين سؤاله من خلق الكون؟؟- يكون قلبي…خاطئ الإجابة!!

وقد أعادتني الفتاة الشمس هذه المرة…لكني أخاف إن ضللت أخرى ألا أعود

أخاف أن أنجرف يوماً ويسبقني الموت قبل العود….

وأخاف نفسي قبل كل شئ…

.

نصحو ويصيبنا من آن لآخر الوسن…

فقط يظل في الخاطر الدعاء حين أنجو لبرهة:

أن يا إلهي أعدنا إليك…

بالتي هي أحسن…

بالتي هي أحسن…

بالتي هي أحسن يا كامل اللطف

وأوزعنا يا إلهي شكر كل ما أنزلت

ورضىً يا إلهي كما رضا الفتاة شمس الصباح بالكرسي المدولب…حين يهطل يملأ الأرض ويفيض!!

عن إسلام أحمد منير

mm
كاتبة من السودان

أضف تعليقاً